تشترك الحضارتان المصرية والصينية في جذور إنسانية وحضارية عميقة، إذ ولدتا على ضفاف الأنهار الكبرى؛ النيل في مصر والنهر الأصفر ونهر اليانغتسي في الصين، حيث ازدهرت حولهما أقدم صور التنظيم الاجتماعي والزراعي والإداري في التاريخ. في كلتيهما، جسد الإنسان قدرته على تحويل الطبيعة إلى مصدر للحياة، وعلى بناء نظم سياسية مركزية تمزج بين السلطة والقداسة، فكان الفرعون "ابن الإله" في مصر، والإمبراطور "ابن السماء" في الصين، في دلالة على وحدة الرؤية التي ربطت بين الحكم والنظام الكوني والعدالة.
كما التقت الحضارتان في إيمان راسخ بقيمة المعرفة والكتابة والتدوين، فابتكر المصريون الهيروغليفية وابتكر الصينيون رموزهم الخاصة للكتابة، لتصبح اللغة أداة لحفظ التاريخ والعلم. امتد هذا الإيمان بالاستمرارية إلى الفلسفة والدين، حيث تشابهت رؤيتهما في تقديس الأسلاف والإيمان بالخلود والتناغم بين السماء والأرض. من هنا، تتجلى نقاط التماس بين حضارتين لم تلتقيا جغرافيا في بداياتهما، لكن جمعتهما رؤية واحدة للإنسان والكون والحكمة.
توصف السنوات العشر الماضية من قِبل كبريات مراكز الفكر الدولية بأنها "العقد الذهبي" في مسار العلاقات المصرية- الصينية، إذ شهدت هذه الفترة تسارعا غير مسبوق في وتيرة التعاون الثنائي وتكثيفا لزيارات القمة واللقاءات الوزارية، بما عكس الإرادة السياسية الراسخة لدى الجانبين للارتقاء بمستوى الشراكة. وتبرز مفارقة بسيطة، لكنها عميقة الدلالة، لتفسير وصف هذه المرحلة بـ"العقد الذهبي": فقد كانت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى بكين في عام 2024 هي زيارته الثامنة منذ توليه الرئاسة عام 2014، مقارنة بست زيارات فقط للرئيس الأسبق حسني مبارك خلال ثلاثين عاما في الحكم. هذا التحول في عهد الرئيس السيسي يعد استثناء لافتا في تاريخ العلاقات المصرية- الصينية، إذ لم تشهد هذه العلاقات من قبل مثل هذا المستوى من التواصل السياسي والتقارب الإستراتيجي. ومن الجانب الصيني، يمكن تفسير هذا الزخم جزئيا في ضوء الانفتاح الكبير الذي رافق إطلاق مبادرة "الحزام والطريق" عام 2013، والتي دفعت الصين إلى إبرام شراكات مع معظم دول الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، باستثناء عدد محدود من الدول مثل لبنان والسودان واليمن. وهكذا، فإن ما تحقق خلال العقد الأخير لا يعكس فقط توثيق التعاون الثنائي، بل يشير أيضا إلى تحول نوعي في إدراك البلدين لأهمية هذا التحالف في صياغة توازنات إقليمية جديدة تقوم على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة.
وقد توج هذا العقد بتنفيذ مجموعة من المشروعات القومية والإستراتيجية الكبرى في مصر بمشاركة واستثمارات شركات صينية، شكلت علامات بارزة في مسيرة التنمية الوطنية، ورسخت مكانة الصين كشريك إستراتيجي رئيسي لمصر. ويعكس ذلك بوضوح حرص البلدين على بناء نموذج متكامل للعلاقات يتجاوز البعد الاقتصادي نحو شراكة أعمق وأكثر رسوخا في أبعادها الإستراتيجية والتنموية. وفي هذا السياق، يتناول المقال تطور العلاقات المصرية-الصينية ومساراتها المتنوعة، مع تسليط الضوء على أبرز مجالات التعاون المشترك في السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والاستثمار والثقافة والسياحة والزراعة، بالإضافة إلى التعاون في مجالات الفضاء والتكنولوجيا والدفاع. كما يستعرض المقال الأطر الحاكمة لهذه الشراكة، وأهم الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة، وآفاق تطويرها في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية ومبادرة "الحزام والطريق"، التي تمثل أحد أعمدة هذا التعاون المتنامي بين القاهرة وبكين.
أولا: العلاقات الإستراتيجية السياسية والعسكرية بين البلدين
عرفت العلاقات السياسية بين مصر والصين تطورا تدريجيا مستمرا، ارتقت خلاله من التعاون المحدود إلى شراكة إستراتيجية شاملة في عام 2014، في أعقاب الزيارة التاريخية الأولى للرئيس عبد الفتاح السيسي إلى بكين. وقد مثل هذا التحول نقلة نوعية في مسار العلاقات بين البلدين، توجت بارتفاع مستوى التنسيق السياسي والزيارات المتبادلة الرفيعة المستوى.
شهدت السنوات اللاحقة نشاطا دبلوماسيا مكثفا، حيث قام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بثماني زيارات رسمية إلى الصين كان آخرها في مايو 2024، حين تم الإعلان عن "عام الشراكة المصرية- الصينية" احتفاء بمرور عشر سنوات على إقامة الشراكة الإستراتيجية الشاملة. كما مثل السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي فخامة الرئيس السيسي في قمة منتدى التعاون الصيني- الأفريقي في سبتمبر 2024 التي عقدت في بكين، تأكيدا لالتزام مصر الفاعل في الأطر المتعددة الأطراف التي تضم الصين، فضلا عن انعقاد جولة الحوار الإستراتيجي بين وزيري خارجية البلدين في بكين في ديسمبر 2024، وزيارة السيد رئيس مجلس الوزراء إلى الصين للمشاركة لأول مرة في قمة منظمة شانغهاي للتعاون، في أغسطس وسبتمبر 2025 بمدينة تيانجين الصينية، وما عكسته من دلالة مهمة على انخراط مصر في الفعاليات الدولية مع الصين.
كما تحرص مصر على توسيع حضورها داخل الأطر الدولية التي تضم الصين، إذ انضمت في سبتمبر 2022 إلى منظمة شانغهاي للتعاون بصفة شريك حوار، ثم إلى مجموعة "بريكس" اعتبارا من يناير 2024، وانضمام مصر لبنك التنمية الجديد التابع لـ"بريكس" ومشاركة مصر لأول مرة في الاجتماع السنوي لمحافظي البنوك المركزية في مايو 2023، بما يعزز مكانتها كشريك محوري في معادلة التعاون الدولي بين الجنوب والجنوب.
وتتشارك مصر والصين في عضوية منتدى التعاون الصيني- العربي ومنتدى التعاون الصيني- الأفريقي، بالإضافة إلى اهتمام مصر بمبادرة "الحزام والطريق"، كونها تتناول قطاعات ومجالات حيوية ذات أولوية بالنسبة لمصر في إطار "رؤية مصر 2030" للتنمية المستدامة.
وتجدر الإشارة إلى أن مصر والصين تلتزمان بدعم المصالح الحيوية بثبات ومراعاة الشواغل الخاصة لكل منهما وتبادل دعم الجهود لمكافحة الإرهاب، حيث يواصل الجانب الصيني دعمه لحق مصر المشروع في الحفاظ على سيادتها الوطنية ووحدتها الإقليمية ورفض التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية تحت أي مسميات، ودعم حقوقها المشروعة في الحفاظ على أمنها واستقرارها في مواجهة التحديات، فضلا عن حقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، ويواصل كذلك الجانب المصري الالتزام الثابت بمبدأ "الصين الواحدة" وأن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين، ودعم موقف الجانب الصيني من القضايا التي تتعلق بسيادة الصين ووحدة أراضيها، ودعم تحقيق إعادة توحيد الصين، ورفض التدخل الخارجي في الشؤون الصينية الداخلية.
ولا تتفق مصر والصين في احترام السيادة الوطنية للبلاد فحسب، وإنما أيضا تتشاركان الرؤى على صعيد الصراعات الإقليمية والدولية، كحرب غزة وتطورات الأوضاع في سوريا، حيث يدعمان اللجوء للحوار والحلول السلمية للنزاعات.
وإلى جانب التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية وتبادل الزيارات الدبلوماسية الرفيعة المستوى، تعمل الصين على بناء شبكة واسعة من العلاقات مع الأحزاب السياسية المصرية، إذ تقيم سفارة الصين لدى مصر لقاءات دورية مع الأحزاب المصرية، ويشارك سفير الصين بمقالات منتظمة في الصحف الوطنية المصرية، بما يعزز الوعي المتبادل ويعمق أواصر التواصل الشعبي والسياسي.
وفي إطار التعاون في المجالات الدفاعية، وقعت مصر في الربع الثالث من عام 2024 اتفاقية مع الصين لاقتناء مقاتلات "J -10C" المعروفة بأنظمة إلكترونيات الطيران والرادار المتقدمة التي تمتلكها، وتوفر لمصر حلا فعالا من حيث التكلفة للحفاظ على التفوق الجوي، مع تنويع مصادر التكنولوجيا العسكرية في ظل القيود الغربية.
ثانيا: الشراكات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين البلدين
يشكل التعاون الاقتصادي أحد الأعمدة الجوهرية للعلاقات المصرية- الصينية، إذ استطاعت بكين أن تكون الشريك التجاري الأول للقاهرة خلال العقد الأخير، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 4ر17 مليار دولار أمريكي في عام 2024 بزيادة بلغت نسبتها 10% عن العام السابق، رغم استمرار العجز التجاري لصالح الصين.
وتشمل أهم الصادرات المصرية إلى الصين، الغاز المسال (9ر13%)، القطن الخام (5ر2%)، الكتان (2ر9%)، الفراولة (1ر8%)، البرتقال (5%)، إلى جانب الفوسفات والكالسيوم والرخام وتفل الشمندر. أما الواردات المصرية من الصين، فتتركز في الأجهزة الإلكترونية، والسيارات القلابة، والمنسوجات، والخيوط، والمنتجات المصنعة.
أما على صعيد الاستثمارات، فتعد الصين أحد أهم الشركاء الاستثماريين لمصر، حيث يعمل في مصر أكثر من 2800 شركة صينية تستثمر في مصر باستثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار أمريكي حتى سبتمبر 2025، موزعة على قطاعات الصناعة والخدمات والإنشاءات والاتصالات والزراعة والسياحة والتمويل، وهو ما يمثل نحو 40% من إجمالي الشركات الصينية العاملة في منطقة الشرق الأوسط، مما يؤكد مكانتها كسوق محورية وجاذبة للاستثمارات في المنطقة.
وقد رسخت الشركات الصينية وجودها في السوق المصرية عبر استثمارات إستراتيجية تغطي قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، وتبرز في مقدمة هذه الشركات كل من هاير إليكتريك، وجوشي مصر، وتيدا مصر، وأنجل ييست مصر، وأوبو، إلى جانب شركات البنية التحتية الكبرى مثل شركة الصين الحكومية للإنشاءات وشركة مجموعة الصين لهندسة للطاقة (China Energy) وشركة الصين لهندسة الموانئ، وشركة قتشوبا الصينية لمعالجة المياه.
هذا، وتشارك الشركات الصينية في مشروعات قومية كبرى في مصر، منها أبراج حي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة وأبراج العلمين الجديدة، ومشروع القطار الكهربائي الخفيف، إلى جانب التعاون في إنتاج اللقاحات مع شركة "سينوفاك"، ومشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة مع شركتي مجموعة الصين لهندسة الطاقة و"إكس دي- إجيماك"، والتعاون في مجالا الاتصالات والبنية الرقمية مع شركتي هواوي وتشونغشينغ للاتصالات (ZTE) الصينيتين.
كما شهدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس توسعا كبيرا في حجم الاستثمارات الصينية، حيث تم إنشاء العديد من المشروعات الصينية ضمن مناطقها الصناعية المختلفة. وتضم المنطقة اليوم أكثر من 185 شركة صينية في مجالات صناعة المنسوجات والملابس والصباغة والإلكترونيات الضوئية والأدوات المنزلية والصحية والأسطوانات المعدنية ومواد البناء والألياف الزجاجية والمواد الكيماوية وعدد من المجالات الأخرى، بإجمالي استثمارات تتجاوز ثلاثة مليارات دولار أمريكي. وتوفر ما يزيد على سبعين ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
وفي إطار التعاون المالي بين البلدين، تم تجديد اتفاقية تبادل العملات بين البلدين بقيمة 18 مليار يوان (الدولار الأمريكي يساوي 1ر7 يوانات تقريبا حاليا) في فبراير 2023، ما يعزز من استقرار الاحتياطي النقدي ودعم التبادل التجاري بالعملات المحلية. كما كانت مصر أول دولة في الشرق الأوسط تصدر سندات الباندا في السوق الصينية في عام 2023 بقيمة 500 مليون دولار أمريكي، وهو ما يمثل ثقة الأسواق الصينية في الاقتصاد المصري.
وفي إطار تعزيز آفاق التعاون الإنمائي، تم توقيع مذكرة تفاهم بين الوكالة الصينية للتعاون الإنمائي الدولي ووزارة التعاون الدولي المصرية بشأن مبادلة الديون من أجل التنمية خلال الدورة الثالثة لمنتدى "الحزام والطريق" للتعاون الدولي في أكتوبر 2023، ويجري حاليا التفاوض على الاتفاق الإطاري للتنفيذ. كما انتهت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية من إعداد مذكرة تفاهم لإطار إستراتيجية التعاون الإنمائي بين البلدين (2025- 2029).
ثالثا: التعاون الثقافي والسياحي بين البلدين
يحمل التعاون الثقافي بين مصر والصين طابعا حضاريا خاصا، إذ يجمع بين أقدم حضارتين في التاريخ الإنساني. وقد شهدت العلاقات الثقافية والتعليمية بين البلدين توسعا ملحوظا، حيث توجد في مصر ثلاثة معاهد كونفوشيوس مع تزايد الإقبال على تعلم اللغة الصينية. وتربط مصر والصين 17 اتفاق توأمة بين المدن، كما تشهد حركة السفر بين البلدين نشاطا متزايدا بواقع 32 رحلة جوية أسبوعيا. وقد ساهمت هذه الروابط في زيادة التبادل الثقافي والفني وتنظيم المعارض المشتركة، أبرزها معرض "على قمة الهرم.. حضارة مصر القديمة" الذي استضافه متحف شانغهاي لمدة 13 شهرا، واستقطب 7ر2 مليون زائر حتى اختتامه في أغسطس 2025.
أما في المجال السياحي، فقد شهدت مصر قفزة كبيرة في أعداد السائحين الصينيين، إذ ارتفع العدد إلى نحو 300 ألف سائح في عام 2024، بزيادة بلغت نسبتها 63% عن عام 2023. ويعزى ذلك إلى تسهيلات التأشيرة وحملات الترويج السياحي والتعاون بين هيئة تنشيط السياحة المصرية والجانب الصيني. كما تسعى الحكومة المصرية إلى جذب مزيد من السياحة الصينية عبر تشجيع الاستثمارات في إنشاء وإدارة الفنادق وتنظيم الفعاليات الثقافية المشتركة، كما ارتفع عدد الرحلات المباشرة بين البلدين بصورة ملحوظة إلى ما يقارب الثلاثين رحلة أسبوعيا من القاهرة إلى كل من بكين وشانغهاي وقوانغتشو وهانغتشو وشنتشن وتشنغدو، وهو ما أسهم في زيادة عدد السائحين الصينيين إلى مصر.
كذلك تعززت الشراكة الأكاديمية بين المؤسسات البحثية من الجانبين، حيث شارك مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار برئاسة مجلس الوزراء المصري في العديد من الفعاليات التي نظمها مركز المعرفة الدولية حول التنمية في الصين، وتم البدء بالفعل في تدشين شراكة بحثية بين الجانبين تهدف لإصدار ورقة بحثية مشتركة حول التنمية في مصر والصين وسبل الاستفادة المتبادلة من الخبرات في البلدين لا سيما في مجال التحول الصناعي ومكافحة الفقر.
رابعا: التعاون الزراعي والأمن الغذائي
يمثل التعاون الزراعي أحد محاور التنمية المشتركة بين القاهرة وبكين، إذ شهدت العلاقات الزراعية تطورا ملحوظا خلال الأعوام الأخيرة، سواء على مستوى الأبحاث المشتركة أو المشروعات الميدانية لاستصلاح الأراضي، حيث تتعاون القاهرة وبكين في تنفيذ مشروع استصلاح الأراضي الصحراوية وزراعة القمح في مناطق نائية بجنوبي مصر، ويعمل في هذا المشروع أكثر من 130 خبيرا مصريا وصينيا جنبا إلى جنب على مسافة 1300 كيلومتر جنوب القاهرة. وعلى مدى ثمانية أعوام من التعاون الثنائي، تم حفر نحو 680 بئرا ساهمت في تحويل عشرة آلاف فدان من الأراضي الصحراوية إلى أراض زراعية منتجة، وهو إنجاز يعكس عمق الشراكة الإستراتيجية في مجال التنمية الزراعية واستصلاح الأراضي.
كما يجري العمل على إنشاء مركز تميز تكنولوجي لأبحاث الأرز الهجين المقاوم للملوحة والجفاف بالتعاون مع مركز هونان الصيني، إلى جانب ثلاث مذكرات تفاهم في مجالات الزراعة المحلية والتكنولوجيا الغذائية والموارد البيئية. وتعد هذه المشروعات امتدادا لرؤية مصر في تنويع مصادر المعرفة التقنية وتوطين الابتكار الزراعي بما يواكب تحديات تغير المناخ وندرة المياه.
خامسا: التعاون الفضائي والتكنولوجي
يمثل التعاون بين مصر والصين في مجال الفضاء أحد أبرز نماذج الشراكة التنموية الناجحة بين الجانبين، لما يعكسه من دعم مباشر لبناء القدرات الوطنية وتعزيز المكانة الإقليمية لمصر في مجالات التكنولوجيا والابتكار والبحث العلمي. فقد حظي برنامج الفضاء المصري بدعم متواصل من الجانب الصيني، من خلال اتفاقيات تعاون اقتصادي وفني وقعت بين وزارة التعاون الدولي المصرية والجهات الصينية المختصة، أسفرت عن تقديم منح صينية بإجمالي يقدر بنحو 92 مليون دولار أمريكي، خصصت لتنفيذ مشروعي القمر الاصطناعي "مصر سات- 2" ومركز تجميع وتكامل واختبار الأقمار الاصطناعية.
ويعد مشروع مركز تجميع وتكامل واختبار الأقمار الاصطناعية الذي تم إنشاؤه بمنحة صينية قيمتها نحو 21 مليون دولار أمريكي نموذجا متميزا لنقل الخبرات والتكنولوجيا الصينية إلى الكوادر المصرية، إذ ساهم في تمكين الخبراء المصريين من اكتساب مهارات متقدمة في مجالات تصميم وتجميع واختبار الأقمار الاصطناعية محليا. وقد توج هذا التعاون بإنجاز علمي بارز تمثل في الإطلاق الناجح للقمر الاصطناعي "مصر سات- 2" لتطبيقات الاستشعار عن بعد في 4 ديسمبر 2023 من مركز جيوتشيوان لإطلاق الأقمار الاصطناعية في الصين، والذي تم تمويله بالكامل من موارد المنح الصينية بقيمة 71 مليون دولار أمريكي.
سادسا: آفاق التعاون المستقبلي بين مصر والصين
تنطلق الرؤية المستقبلية المقترحة للعلاقات المصرية- الصينية من إيمان البلدين بأهمية الانتقال بعلاقاتهما إلى مرحلة أكثر تكاملا وفاعلية، تستند إلى تعميق التعاون في المجالات ذات الأولوية ودعم مسارات التنمية المستدامة، بما يحقق المنفعة المتبادلة ويعزز الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الجانبين. وتهدف هذه الرؤية إلى البناء على ما تحقق من إنجازات خلال السنوات الماضية لتوسيع آفاق التعاون الصناعي والتكنولوجي والاقتصادي، وترسيخ مكانة مصر والصين كشريكين رئيسيين في التنمية والتكامل الإقليمي والدولي.
وترتكز الرؤية المقترحة على محور رئيسي يتمثل في توسيع نطاق الاستثمارات الصينية في مصر، خاصة في القطاعات الصناعية ذات القيمة المضافة العالية مثل تصنيع السيارات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية والألواح الشمسية والصناعات الكيماوية ومواد البناء والتكنولوجيا الزراعية الحديثة، بما يسهم في نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة وتعزيز القدرات الإنتاجية المحلية. كما تستهدف الرؤية تحقيق قدر أكبر من التوازن التجاري بين البلدين عبر فتح الأسواق الصينية أمام المنتجات المصرية المتميزة وتسهيل تدفق مدخلات الإنتاج الصينية لتصنيع منتجات نهائية في مصر.
وفي الإطار ذاته، تسعى الرؤية المقترحة إلى تعزيز التعاون المالي والنقدي من خلال تسوية المعاملات التجارية بالعملات المحلية بما يدعم استقرار العلاقات الاقتصادية، إلى جانب توسيع آفاق التعاون الثقافي والسياحي والإعلامي والأكاديمي، وتشجيع الاستثمارات المشتركة في إنشاء وإدارة المشروعات السياحية الكبرى، بما يسهم في تعميق التفاعل بين الشعبين وتعزيز التواصل الحضاري.
كما تركز الرؤية المقترحة على الارتقاء بالتعاون العلمي والتكنولوجي عبر إنشاء مراكز بحث وتطوير مشتركة في مجالات الابتكار والتحول الرقمي والطاقة الخضراء في إطار مبادرة "الحزام والطريق الرقمية"، بما يتيح تبادل الخبرات في مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والبنية التحتية الرقمية.
ويعد الذكاء الاصطناعي محورا أساسيا في هذه الرؤية المستقبلية، إذ يمكن توظيفه في دعم القطاعات الحيوية مثل الرعاية الصحية من خلال الاستفادة من التجربة الصينية في برامج مثل "الصين الصحية 2030" ومنصات تحليل الفحوصات الطبية للكشف المبكر عن الأمراض المزمنة، فضلا عن تطوير التعاون في التعليم عبر إطلاق برامج مشتركة لتأهيل الكوادر في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وعلوم البيانات، ووضع إطار مشترك لاستخدام التكنولوجيا بشكل مسؤول في التعليم والبحث العلمي. كما يمكن لمصر، بما تمتلكه من طاقات بشرية مؤهلة، أن تكون مركزا إقليميا لتوطين التجربة الصينية في الابتكار التعليمي والتدريب التكنولوجي.
وفي مجال الأمن الغذائي والزراعة الذكية، تُعنى الرؤية بتعزيز الشراكة في تطبيقات الزراعة الرقمية، والاستفادة من التجربة الصينية في خطة العمل الوطنية للزراعة الذكية التي يوظف الذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاج وربط المزارعين بالأسواق إلكترونيا، بما يسهم في تطوير نظم الإنتاج الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي المستدام.
وإذ تؤكد هذه الرؤية المشتركة على أهمية التوجه نحو الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة، فإنها تسعى إلى دعم توطين التصنيع الأخضر وتشجيع الصناعات المنخفضة الكربون وتعظيم الاستفادة من آليات التمويل الأخضر، بما يتسق مع أهداف مصر في خفض الانبعاثات وتحقيق النمو المستدام.
وختاما، فأن العلاقات المصرية- الصينية تجاوزت الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية، لتتحول إلى نموذج متكامل للتعاون التنموي والإستراتيجي بين دولتين تمثلان ركيزتين حضاريتين في آسيا وأفريقيا. فقد استطاعت هذه العلاقة أن تجمع بين العمق التاريخي والتطلع المستقبلي، وبين التنسيق السياسي الرفيع المستوى والتعاون العملي في مجالات الاقتصاد والاستثمار والابتكار والفضاء والزراعة والثقافة والسياحة.
ومع اقتراب الذكرى السنوية السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 2026، تقف مصر والصين على أعتاب مرحلة جديدة من الشراكة الذهبية، تتأسس على مبدأ المنفعة المتبادلة ودعم التنمية الشاملة وبناء القدرات الوطنية، بما يسهم في ترسيخ مكانة مصر كمحور إستراتيجي في مبادرة "الحزام والطريق"، ويعزز حضور الصين كشريك موثوق في مسيرة التنمية المصرية، حيث تمضي العلاقات بين البلدين بخطى واثقة نحو مستقبل مشترك أكثر ازدهارا، يرتكز على التعاون والاحترام المتبادل والإيمان بوحدة المصير الإنساني والتنمية المستدامة من أجل الأجيال القادمة.
--
د. أسامة الجوهري، مساعد رئيس الوزراء ورئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري.
