البوصلة تقرر وجهة حياة وو شوي سن
1- وو شوي سن واب
البوصلة تقرر وجهة حياة وو شوي سن
سون آن جيان
البوصلة واحدة من المخترعات الأربعة الصينية القديمة (الثلاثة الأخرى هي الورق والطباعة المتحركة والبارود). والبوصلة، رغم بساطتها، ضرورية في كثير من مجالات الحياة ومازالت حتى اليوم مستخدمة في العديد من المجالات، مثل الملاحة وتحديد المواقع والأغراض العسكرية وفي أجهزة الاتصالات الذكية.
كانت البوصلة في الصين القديمة "المفتاح السحري" لتحديد أفضل موقع للمسكن وفقا لمبادئ فنغشوي. ومصطلح فنغشوي يتكون من كلمتين هما فنغ أي الرياح، وشيوي أي الماء، وتعتمد مبادئ فنغشوي أساسا على العلاقة بين السماء والأرض، بشكل تفهمه وتفسره علوم الفلك الصينية القديمة القائمة على علاقات بين عناصر الطبيعة الرئيسية كالماء والهواء والرياح والتربة، بحيث تسخر لخدمة البشر بشكل إيجابي.
في عصرنا الحالي، ومع استخدام البوصلة في جملة واسعة من الأجهزة، ثمة أسرة في بلدة وانآن بمحافظة شيونينغ، في مقاطعة آنهوي، متخصصة في صناعة البوصلة على النمط الصيني القديم. كان أسلاف أسرة السيد وو شوي سن، يعملون في صنع البوصلة، ومنهم السيد وو لو هنغ (1702- 1760) الذي أجاد صنع البوصلة في سن مبكرة من حياته، وفتح ورشة لصنع البوصلات في وانآن عام 1723. بعد قرنين من الزمان، تم الاعتراف بموهبته وبراعته في صنع البوصلات في معرض بنما – المحيط الهادئ الدولي، عندما فاز أحفاده من الجيل الخامس والسادس بالميدالية الذهبية عن عمل لهم أثناء المعرض. ويحرص أحد أبناء الجيل السابع للمبدع الرائد وو لو هنغ، وهو وو شوي سن، على تكريس جهوده من الارتقاء بصنع البوصلة إلى آفاق جديدة في الصين.
ولد وو شوي سن في عام 1949، وتوفي والده عندما كان في الثانية عشرة من عمره، لذلك، لم تتح أمام الأب الفرصة الكافية لينقل لولده مهاراته الكاملة. وفقا لتقاليد عائلة وو، تُنقل تقنيات صنع البوصلة إلى الذكور من أفراد العائلة وزوجاتهم فقط. ومن خلال مساعدتها لزوجها في صناعة البوصلة، أصبح لوالدة وو شوي سن، خبرة كبيرة وفهم عميق في عملية صنع هذه الأداة. وبعد أن فارق زوجها الدنيا مبكرا، أخذت تساعد السكان المحليين في تصليح بوصلاتهم. كان وو شوي سن، بعد انتهاء يومه الدراسي، يساعد والدته في التصليح. ومن خلال انغماسه في العمل بالورشة بعد المدرسة وبمساعدة العائلة في عمليات التصليح في عطلات نهاية الأسبوع، بدأ وو شوي سن شقّ طريقه تدريجيا حتى برع في صنع البوصلة. وفي أواخر الثمانينات من القرن الماضي، أعاد وو شوي سن فتح ورشة عائلته لصنع البوصلات، وأصبح الوريث للسيد وو لو هنغ.
تتكون البوصلة الصينية، مثل غيرها، من إبرة مغناطيسية ولوحة. الإبرة في وسط البوصلة تشير إلى الاتجاهات. لكن ما يميز البوصلة الصينية عن غيرها ويجعلها فريدة من نوعها، هو اللوحة المحيطة بالإبرة، والتي تحمل رموزا صينية يتم وضعها في عدة دوائر متحدة المركز، وفقا لقوانين "ين" و"يانغ" (السالب والموجب). وتقسم لوحة البوصلة أيضا إلى نصفين، لوحة السماء ولوحة الأرض، مشيرة إلى مفهوم علوم الكون والأفلاك وفقا لما تفسره العلوم التقليدية الصينية القديمة في هذا المجال.
البوصلة التي تخصص وو شوي سن في صناعتها معروفة عبر التاريخ باسم بوصلة هوي. ومن بين الأشياء التي تركها له والده، والمتعلقة بصناعة بوصلة هوي، سجلات للعمليات الداخلية لصنع بوصلة هوي، إضافة إلى أطلس يضم مختلف التصميمات للأنواع الأخرى من البوصلات.
شهدت ورشة عائلة وو لصناعة البوصلات أوقاتا عصيبة وأوقاتا من الرخاء عبر رحلة طويلة، ولكنها الآن تشهد ازدهارا بفضل جهود وو شوي سن، الذي يتبع طريقة تقليدية في صناعة بوصلة هوي، إضافة إلى إنتاج أنواع أخرى مثل، بوصلة سانخه، بوصلة سانيوان، وكذلك أنواع مختلفة من الساعات الشمسية، والساعات القمرية وأدوات قياس وتخطيط تعتمد على مبادئ فنغشوي.
قال وو شوي سن إنه يحرص دائما على إعادة الحياة لعدد من المبادئ والتقاليد الرائعة في هذا المجال، وأضاف: "أتمنى أن أعيد الحياة لمبادئ وتقاليد صناعة وضعها العالم الشهير شن كوه (1031-1095)، في عهد أسرة سونغ الشمالية (960- 1127)، والتي توقف العمل بها وإنتاج نماذجها منذ أكثر من 400 عام في عهد أسرة مينغ (1368- 1644)." وبعد رحلة بحث وتجارب لأكثر من خمس سنوات، قرر وو شوي سن إعادة صنع البوصلة المعلقة عام 2005. وقد أثبتت الاختبارات العلمية في وقت لاحق، أنه لا يوجد فرق كبير بين البوصلة المعلقة والبوصلة البحرية من حيث الدقة.
تصنع عائلة وو البوصلة وفقا لعملية دقيقة للغاية. وتتضمن عملية الصنع عدة خطوات. أولا، اختيار خشب شجرة الجنكة (شجرة المعبد) التي لا يقل عمرها عن ثلاثين عاما. يتميز خشب الجنكة بالقوة والمرونة معا ، ويصلح لصناعة الأسطح الناعمة. ثم يقطع الخشب إلى عدة أحجام مختلفة حسب الحاجة ويتم صقله وتنعيمه. وتشكل القطعة الرئيسية من خشب الجنكة على شكل قرص، ويتم ثقبها في الوسط، لحمل الإبرة المغناطيسية.
بعد ذلك يقوم الحرفي بنحت عدد من التقسيمات على القرص الخشبي وفقا لتعليمات أطلس وو. والدوائر المنقوشة إلى الخارج من نصف قطر الدائرة لتشكل التقسيمات الأفقية، بينما تحدد التقسيمات العمودية على رسم الرموز الثمانية الطاوية (باقوا)، فضلا عن رسوم "الجذوع السماوية العشرة" (تيانقان)، و"الروافد الأرضية الاثنا عشر" (ديتشي)، وهي الطريقة الصينية القديمة لحساب الوقت. ثم يتم تلوين هذه التقسيمات بالحبر وصقلها بورق خاص وبمادة نباتية من شجر نادر، تعرف عادة باسم عشب الثعبان. في الخطوة التالية، وهي الأكثر تعقيدا، يستخدم الحرفي فرشاة الكتابة لتزيين كل قسم بالرموز الصينية الدقيقة؛ لإظهار اتجاهات مختلفة وفقا لقوانين فنغشوي. أي خطأ في هذه العملية يعني فشل العملية برمتها.
قبل تثبيت الإبرة المغناطيسية، تتم تغطية اللوحة بعدة طبقات من زيت تجفيف خاص ونادر يسمى بزيت شجرة الجاتروفا، والذي تتم تنقيته بطريقة خاصة جدا. والبوصلة المزيّنة بشكل جيد، تحتفظ بفعاليتها لمدة مائة سنة وأكثر.
قبل أن توضع البوصلة على رفوف العرض والبيع، يقوم وو شوي سن شخصيا بمغنطة الإبرة بحجر نيزكي طبيعي. وبصنعها وفقا لخبرة وتقاليد أجيال عديدة، تصبح الإبرة ممغنطة جدا وحساسة للغاية. ويحدد صاحب المتجر مركز جاذبية الإبرة قبل تثبيتها في موضعها، ويتأكد من خلال التجارب العملية من عدم تأثر الإبرة بأي عامل من عوامل المقاومة، ومن تحركها بشكل حر وسلس. وبعد أن تثبت الإبرة في موضعها، يُغطى مركز الجهاز بطبقة رقيقة من الزجاج. وأخيرا تغلف البوصلة وتعبأ بالشكل المناسب، ثم تعرض بالأسواق.
اليوم، تعرض مجموعة كبيرة ومتنوعة من البوصلات في متجر وو، مع مجموعة متنوعة من النماذج والآلات الفنية التقليدية مثل النقوش الدائرية والمنحوتات البارزة والنقوش المجوفة ولوحات الخط واللوحات الصينية التقليدية وغيرها. وتصنع البوصلات بأشكال متنوعة، ولا تقتصر على الشكل التقليدي، فتكون على شكل السلحفاة وزهرة اللوتس، والتنين والجرس.
وتولي الحكومة الصينية اهتماما متزايدا للحفاظ على الثقافة التقليدية. وبعد اعتماد مشروع قانون التراث الثقافي غير المادي في 21 يوليو 2011، أطلقت وزارة الثقافة سلسلة من الإجراءات والتدابير لحماية ورعاية ورثة التراث الثقافي غير المادي في الصين.
في عام 2009، تم اختيار وو شوي سن كأحد ورثة التراث الثقافي غير المادي. وابنه وو تشاو قوانغ، منهمك أيضا في تعلم واكتساب مهارات صنع البوصلة، ليكمل المسيرة ويصبح وريثا من الجيل الثامن لعائلة وو المتخصصة في صنع البوصلة.
لم تعد البوصلة التقليدية مجرد آلة لتحديد الاتجاهات وفقا لتطبيقات مبادئ فنغشوي، وإنما شكل فني وتلقى إقبالا من عامة الناس ومن المهتمين بالتقاليد والفنون والتحف. تزايد الطلب على البوصلة الصينية التقليدية يفرض على السيد وو شوي سن أن يفكر في ما إذا كان عليه أن يتخلى عن هذا الفن التقليدي الرائع أمام أساليب التصنيع الحديثة، ليواصل نجاحه في السوق المزدهرة. علاوة على ذلك، فإن أشجار الجنكة التي توفر المواد الخام الأولية لصناعة البوصلة، هي حاليا من الأنواع المحمية ولا يمكن قطعها بشكل عشوائي.
وفي عالم يتجه بسرعة نحو كل ما هو رقمي وتكنولوجي، يشعر السيد وو شوي سن وابنه، بالقلق من أن تكون النتيجة في نهاية المطاف ضياع الصناعة التاريخية التقليدية للبوصلة. وبالنسبة لهما، يعتبر ضمان الحفاظ على الجمالية الفنية التقليدية للبوصلة، الطريق الوحيد لضمان المستقبل.