جرائم اليابان في الصين
فصل مرعب من تاريخ أسلحة الدمار الشامل
يعرف العالم بأسره أنه في السادس من أغسطس عام 1945 ألقت الولايات المتحدة الأمريكية القنبلة الذرية الأولى على هيروشيما باليابان، وبعد ثلاثة أيام من ذلك ألقت القنبلة الثانية على ناغازاكي. لكن، ربما لا يعرف كثيرون أن اليابان سبقت الولايات المتحدة الأمريكية في استخدام أسلحة الدمار الشامل، وأن الصين كانت الضحية.
أكثر ما يزعج في فصل التاريخ هذا، هو حجم اللامبالاة التي تصيب المؤرخين وخصوصا من الغرب عنده. هذا بخلاف الروح التي اتسمت بها العقلية العسكرية اليابانية في الثلاثينيات من القرن الماضي حينما كانت تدبر بليل أمر غزو الصين، فقررت إنتاج أسلحة الدمار الشامل، رغم أن الحرب العالمية الأولى التي كانت قد وضعت أوزارها منذ ما يقارب العقدين في حينه أبانت عن قدرة هذه الأسلحة على إيقاع عشرات الآلاف من الضحايا، ورغم عدم قدرة الصين وقتها على إنتاج الأقنعة الواقية من تلك الغازات بشكل يحمي جنودها ومواطنيها المدنيين خصوصا في بداية الحرب. لم تكن الغازات القاتلة كافية بالنسبة لليابان، فأنتجت أنواعا جديدة من الأسلحة البيولوجية والكيمائية، هذه الروح اليابانية تصيب حقا بالخوف.
الوحدة 731
الوحدة 731 واحدة من أسوأ وحدات الجيش الإمبراطوري الياباني سمعة، وارتبط اسمها دائما بجرائم حرب يندى لها الجبين ارتكبها أفرادها، تحت مظلة سياسية من الحكومة اليابانية وقتها. لقد ارتكبت هذه الوحدة من الجرائم التي تلطخ سمعة اليابان وجيشها بل وأطبائها أبد الدهر، فتعاملت مع الصينيين وكأنهم فئران تجارب، وقصفتهم بالأسلحة الكيمائية والبيولوجية، كما كان من يمتلكون العلم فيها للأسف في سباق محموم لتطوير الأسلحة والوسائل التي تزيد من عدد القتلى الصينيين طيلة فترة الحرب.
في عام 1997، نشرت صحيفة ((نيويورك تايمز)) الأمريكية تحقيقا عن جرائم تلك الوحدة، والتقت بأحد أفرادها الذي قص علينا قصصا كنا نعتقد أنها انتهت في القرون الوسطى. في أحد الأيام، على سبيل المثال، تم تثبيت الأسرى الصينيين بالأوتاد ثم أتت دبابة ورشتهم بالغازات. فجأة تغير اتجاه الرياح، وأخذ المراقبون اليابانيون في الهرب من المكان للنجاة بأرواحهم، لم يتكلف أحد عناء العودة بعد ذلك لهؤلاء الأسرى لمعرفة مصيرهم البائس.
كان ذلك مثالا، أما ما حدث إجمالا فقد جاء واضحا مع البروفيسور شيلدون هاريس المؤرخ في جامعة ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، إذ يقدر عدد القتلى الصينيين نتيجة التجارب اليابانية بأكثر من مائتي ألف قتيل. البروفيسور هاريس ألف كتابا عن الوحدة 731 عام 1994 بعنوان "مصانع الموت"، ذكر فيه أنه حتى مع اقتراب الحرب من نهايتها، لم يتوقف اليابانيون عن جرائمهم، فأطلقوا الحيوانات التي أصابوها بالطاعون في مدينة هاربين التي كانت تحت سيطرتهم. لقد لقي حوالي ثلاثين ألف شخص حتفهم بين عامي 1946 و1948 جراء ذلك التصرف الأخرق.
جريمة طبية في زمن الحرب
الوحدة 731 اقترفت أيضا تلك الجريمة. لقد عرف العالم ما قام به النازيون في أوروبا من جرائم استخدام البشر في أبحاث غير آدمية، لكنه غفل أو تغافل عن أن تلك الوحدة اليابانية استخدمت الأسرى الصينيين في برنامجها للحرب الجرثومية في جهود كان يهدف اليابانين من خلالها إلى تطوير أسلحة الدمار الشامل.
مزيد من المشتركين في تلك الجرائم ، يبدو أن ضميرهم قد استيقظ من غفوته بعد فوات الأوان، فأدلوا بشهادتهم عن الجرائم التي حدثت. ورغم هذه الصحوة من المجرمين أنفسهم، مازالت الحكومة اليابانية ترفض حتى يومنا هذا مناقشة أنشطة تلك الوحدة. كما أن القضاء الياباني قد صدم الضمير العالمي برفضه حتى إلزام الحكومة اليابانية بدفع تعويضات للضحايا.
كانت صحيفة ((الغارديان)) البريطانية قد نشرت موضوعا عن تلك الوحدة في عام 2011، لتشير إلى شهادة الممرضة تويو إيشي، وهي ممرضة شاركت في دفن أشلاء بعض الضحايا الذين تمت عليهم التجارب في مدرسة طبية. الحكومة اليابانية أطلقت تحقيقا حول تلك الشهادة ، لكن تصريحات المسؤولين قبل الانتهاء منها توضح لنا عدم الجدية في الوصول إلى الحقيقة. فهم ينكرون حتى في حالة العثور على أشلاء أن تكون هي نفسها التي شاركت إيشي في دفنها، وهذا ليس بمستغرب فحتى الرفات التي اكتشفت عام 1989 في حي شينجوكو بالعاصمة طوكيو ووجدت الجماجم مثقوبة أو تم نزع أجزاء كاملة منها، لم يعتبرها المحققون تابعة لتجارب الوحدة 731 على البشر.
في هاربين بشمالي الصين أصل القصة، حيث اتخذت الوحدة 731 مقرا لها أثناء فترة حرب مقاومة الغزو الياباني. وهناك وفقا لتقدير بعض المؤرخين تمت التجارب على ما يقارب من 250 ألف نفس بشرية. هذه هي حقيقة المذبحة العلمية غير الأخلاقية غير الإنسانية. هناك أقامت اليابان محاكم التفتيش الخاصة بها، فوفقا لشهادات من الأسيرات والأسرى الذين كانوا هناك تم تشريح جثث الناس بدون تخدير بعد أن أصابوهم بشكل متعمد بأمراض مثل الكوليرا والتيفود.
المؤرخ العسكري الروسي ألكسندر لافرنتسوف قص لوكالة أنباء ((شينخوا)) الصينية في أغسطس من عام 2015 قصصا من الرعب قام بتأريخها. لقد قام اليابانيون بوضع الضحايا الصينيين في برد هاربين القارص حتى التجمد، وعندها كانوا يقومون بتجربة علاج "لسعة الصقيع"، ثم ببتر الجزء المريض من طرف الضحية، وهناك مات ما بين 500 و600 شخص سنويا.
الصمود في وجه الخسة
ربما اعتقد اليابانيون أن آلتهم الحربية المتطورة المتعجرفة القوية ستقهر الصينيين. ظن اليابانيون أن الطريق في كل مدينة وقرية ومقاطعة صينية سيكون ممهدا، ليجدوا أمامهم حائط صد منيعا من الشعب الصيني كاملا بكل قومياته، فكانت النتيجة هي إظهار وجه الخسة الذي سجله وبشكل مميز كتاب "زمن الحرب الطبية الوحشية اليابانية"، وهو نتاج عمل بين البروفيسور جينغ باو نيه أستاذ أخلاقيات الطب في كلية دنيدن للطب، جامعة أوتاجو في نيوزيلندا، والبروفيسور نان يان قوه وهو أستاذ في المركز الدولي للدراسات اليابانية في كيوتو، ومارك سلدن وهو باحث في برنامج شرقي آسيا في جامعة كورنيل، بالولايات المتحدة الأمريكية، والبروفيسور آرثر كلاينمان أستاذ الأنثروبولوجيا الطبية والطب النفسي في كلية الطب بجامعة هارفارد الأمريكية، وصدر لأول مرة عام 2010 باللغة الانجليزية.
وحفظا لحقوقهم الأدبية، تواصلت مع البروفيسور آرثر من جامعة هارفارد، ووافق على قيامنا ببعض الاقتباسات الصغيرة من الكتاب الذي يحكي لنا قصصا عديدة لا مجال لذكرها جميعا، نقتبس منها نقطتين: الأولى أنه ومع بداية عام 1942 قام اليابانيون باستخدام الطائرات لرش مسببات الأمراض في المناطق التي تتمركز فيها القوات الصينية، وذكر مثالا على ذلك ما حدث في مقاطعة تشجيانغ، وأن اليابانيين قاموا بالهجوم بعدة أمراض كان على رأسها بكتريا الكوليرا. لقد أصيب بهذا المرض الفتاك أكثر من عشرة آلاف صيني، وأصيب الشرف الياباني بالعار.
اليابانيون استخدموا الأسلحة الكيمائية، وفقا للكتاب، بصورة جعلت حتى الآلاف من جنود الجيش الياباني يسقطون. لنا أن نتخيل حجم الاستخدام وعقلية المستخدمين. ولكن هذه الخسائر لم تمنع اليابانيين، هم فقط قرروا أن لا يسقط منهم ضحايا، وذلك بأن يتم الهجوم بقنابل أو قذائف يتم إسقاطها بالطائرات أو ضربها بالمدفعية، وبالتالي تصيب مواقع الصينيين، ولا تؤثر على القوات اليابانية.
النقطة الثانية والأكثر أهمية في يومنا هذا، هو الحماية التي تم توفيرها لهؤلاء القتلة، على نقيض ما حدث لأطباء النازي الألماني حتى الرأس المدبر وقائد الوحدة 731 شيرو ايشي عاش متمتعا بحصانة ضد المساءلة، بينما تحجب الحكومة اليابانية إلى الآن أسماء باقي الأطباء والباحثين المتورطين بالعمل في صفوف تلك الوحدة. المحاكم اليابانية حتى التي اعترف منها في بعض الحالات بحدوث تلك الجرائم في حق ضحايا صينيين، رأت أن الجرائم قد سقطت بالتقادم، في مخالفة صارخة للقوانين والمعاهدات الدولية المتعلقة بجرائم الحرب.
إنه كتاب هام لكل قارئ، وهدية ليس فقط كما قال أصحابه لكل ضحية من ضحايا الأعمال الطبية الوحشية الذين لم تنصفهم العدالة قط بشكل كامل، بل للبشرية جمعاء.
محاكمات خاباروفسك
بعد أن وضعت الحرب أوزارها، انطلقت البشرية تبحث عن مجرميها، الذين أذاقوها ويلات لم تعرفها من قبل في سلسلة من المحاكمات، كانت محاكمات خاباروفسك- أكبر مدن الشرق الأقصى الروسي- واحدة منها، وهي الوحيدة التي حوكم فيها اثنا عشر عضوا من جيش كاونتونغ الياباني فقط من كامل أفراد الوحدة 731، كمجرمي حرب لتصنيع واستخدام الأسلحة البيولوجية خلال الحرب العالمية الثانية. وجدت المحكمة أن جميعهم مذنبين بعد اعترافهم أصلا بارتكاب هجمات بالأسلحة الكيمائية والبيولوجية، وكان الاعتراف الأبرز هو الاعتراف بهجوم ببراغيث مصابة بالطاعون دبلي عام 1940 نفذه 40 عنصرا من الوحدة 731 أيضا ضد مدينة شانغدي الصينية، حيث نتج عن ذلك إصابة الصينيين بالطاعون دبلي المميت.
حتى الآن
لم يكتف اليابانيون بكل ما سبق من فظائع، بل تركوا خلفهم أثارا لم يمحها ما فات من سنين، فمن بين الأهداف التي كانت لدى اليابانيين كانت برك المياه والآبار. حتى يومنا هذا هناك تسجيل لتأثيرات تلك الهجمات الكيمائية والبيولوجية التي شنها اليابانيون في تلك الحرب، وفي أغسطس 2015 استيقظ الشعب الصيني على خبر اكتشاف أطلال موقع الوحدة 731 في مقاطعة هيلونغجيانغ، ونشرت صورا للموقع أحيت جراحا لم تندمل بعد. والسؤال الذي يجب أن نسأله حتى الآن: ما الدرس الذي وعته البشرية عموما والحكومة اليابانية خصوصا من هولوكوست جنوب شرقي آسيا؟
--
محمد علام، باحث مصري في الشؤون الدولية.