كاد انتشار مرض فيروس كورونا الجديد (كوفيد- 19)، أن يسبب توقفا مؤقتا للاقتصاد الصيني في يناير 2020، حيث ركزت البلاد على مكافحة هذا الوباء. وكجزء من تدابير احتواء تفشي الفيروس، تم تمديد عطلة عيد الربيع التي تستمر سبعة أيام، والتي بدأت في 24 يناير، الأمر الذي ترك المصانع بالمناطق الحضرية مغلقة بعدما ظل آلاف العمال المهاجرين المتمتعين بعطلتهم، في منازلهم. بدأ الوباء في التراجع بعد اتخاذ إجراءات وقائية فورية خلال شهر فبراير. وأصبح استئناف الإنتاج مهمة حيوية هامة مثل الوقاية من الوباء ومكافحته. خلال هذه العملية، صارت الصعوبات التي تواجهها المؤسسات الصناعية، ولا سيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، مصدر اهتمام بالغ للحكومة.
المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم تحتاج إلى الدعم
المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، التي تشكل 99% من إجمالي المؤسسات في الصين، تمثل جزءا هاما من الاقتصاد الصيني. فهي تساهم بنحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، و50% من الإيرادات الضريبية، و75% من الابتكار التكنولوجي و80% من المنتجات الجديدة. ومع ذلك، فإن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم هي الأكثر تضررا من الوباء بين اللاعبين في السوق الصينية، فضلا عن أن قدرتها على تحمل المخاطر ضعيفة.
وفقا لمسح أجرته جامعة تشينغهوا وجامعة بكين بصورة مشتركة، في منتصف فبراير، شهد أكثر من نصف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، البالغ عددها 995 مؤسسة أجريت معها مقابلات، انخفاضا في دخلها التشغيلي بأكثر من 20% نتيجة تأثير انتشار الوباء، في حين أن معظمها يواجه أزمة نقدية.
لفترة من الوقت، سيطرت سلسلة من الأحداث السلبية على عالم الأعمال. فقد أعلنت منظمة التدريب على تكنولوجيا المعلومات (XDL) إفلاسها. وقام نادي حفلات موسيقية شهير في بكين بتسريح العاملين فيه وأصبح على حافة الإفلاس. وأعلنت مجموعة شينتشاو ميديا بتسريح 500 عامل من طاقمها بمجرد استئناف عملها بعد عطلة عيد الربيع، وتخطط شركة ساسا (SaSa) القابضة المحدودة، وهي مجموعة رائدة في تجارة مستحضرات التجميل بالتجزئة في آسيا، تسريح 3% من العاملين فيها، وأعلنت شركة Xibei، العلامة التجارية الصينية لسلسلة إمداد المطاعم، حاجتها الماسة للمساعدة لمواجهة أزمتها في سلسلة التمويل.
ومن أجل مساعدة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم على تخفيف وطأة تأثير الوباء، أصدر مجلس الدولة الصيني، مجموعة من السياسات المالية والضريبية والتمويلية وغيرها من السياسات منذ أوائل فبراير، وتزداد كثافة إعلانها مع انحسار الوباء تدريجيا.
وفقا لوزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات بالصين، نفذت إدارات الحكومة المركزية نحو 142 وثيقة سياسات حتى 5 مارس، لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم لمواجهة التداعيات الاقتصادية للوباء. بالإضافة إلى ذلك، يتجاوز عدد سياسات الدعم المعنية، التي نفذتها الحكومات المحلية، هذا الرقم بكثير. فقد اتصلت حكومة مدينة يانتشنغ بمقاطعة جيانغسو في شرقي الصين، بعشرة آلاف مؤسسة صغيرة ومتوسطة الحجم، لمساعدتها على مواجهة التحديات في توريد المواد الخام وتوظيف العمالة واستئناف العمليات والتمويل وتصدير المنتجات.
وشملت هذه السياسات الداعمة تخفيض تكاليف التشغيل للمؤسسات، ومساعدة العمال على العودة إلى المصانع، ودعم وتخفيض إيجار العقارات الذي تدفعه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، ودعم المؤسسات التي تنظم برامج تدريب عبر الإنترنت أو خارج الإنترنت للعاملين فيها خلال فترة الإغلاق. وحظيت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم بدعم قوي للتغلب على الصعوبات واستئناف الإنتاج.
الدعم العاجل بالامتيازات المالية
تم تخصيص الدعم المالي المستهدف لعدد كبير من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم. وقرر اجتماع لمجلس الدولة عقد في 18 فبراير، تخفيض أو إعفاء المؤسسات من أقساط رسوم الضمان الاجتماعي مرحليا، للتخفيف من تأثير الوباء عليها، وخاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم منها. كما نفذت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات تدابير لضمان تنفيذ الدعم المالي والضريبي الوطني للمؤسسات الرئيسية، وشجعت الحكومات المحلية على تقديم سياسات الدعم المالي المعنية، وتعهدت بزيادة المشتريات الحكومية.
وأثبتت هذه السياسات فعاليتها. في شانغهاي، ساعدت هذه السياسات في تقليل عبء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم بأكثر من 7ر12 مليار يوان (الدولار الأمريكي يساوي 7 يوانات تقريبا حاليا). وفي بكين، مددت فترة تحصيلها لأقساط التأمين الاجتماعي من القطاعات المتضررة من الوباء بشدة، مثل قطاع الفنادق والمطاعم، حتى نهاية يوليو. ويقدر حجم أقساط التأمين الاجتماعي التي سيتم تأجيل دفعها من قطاع الفنادق والمطاعم وحده بنحو 320 مليون يوان. وعلى سبيل المثال، فإن حجم أقساط التأمين التي تدفعها منافذ سلسلة تجهيز المطاعم "Xibei" في بكين 47ر2 مليون يوان شهريا، وعانت من شح الموارد النقدية بعد توقف أعمالها العادية، بسبب تفشي الفيروس، وبفضل السياسات الداعمة التي تسمح لها بتأخير دفع أقساطها للضمان الاجتماعي، يمكن أن تتوفر أمامها فرصة لتجاوز الصعوبات.
دعم مالي يساعد المؤسسات في التغلب على الصعوبات
تعهد اجتماع مجلس الدولة في 25 فبراير، بتعزيز المساعدات الائتمانية (القروض) للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم. وتم تشجيع جهات الإقراض على تمديد فترة القروض للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم والمتناهية الصغر التي تستوفي الشروط وتواجه صعوبات مؤقتة في السيولة، بما فيها المؤسسات الفردية، فيمكنها تأجيل سداد أصل القرض مؤقتا، وتمديد مدفوعات الفائدة حتى 30 يونيو بدون فائدة جزائية. وتعهد بنك الشعب (المركزي) الصيني بإصدار حصص لإعادة القروض والخصومات، بقيمة 500 مليار يوان، لدعم البنوك الصغيرة والمتوسطة في دعمها الائتماني للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم والمؤسسات المتناهية الصغر.
كما دعت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات إلى بذل الجهود لخفض أسعار الفائدة على القروض للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وتعزيز خدمات ضمان التمويل، وطرح منتجات وخدمات تمويل جديدة، وتعزيز الاستثمارات في الأسهم.
ومن أجل دعم التقدم المستقر للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، قامت مقاطعة شاندونغ بخفض فعّال لكلفة تمويل الائتمان أو القروض، وضمنت حصول المؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر على قروض بكلفة أقل من العام الماضي. وأصبحت كلفة التمويل الشاملة للقروض المتضمّنة للمؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر، أقل 5ر0 نقطة مئوية عن العام الماضي.
وطرحت العديد من الأماكن سياسات لتقديم خصومات مالية على القروض وتعويض مخاطر القروض للمؤسسات الرئيسية التي يجب تركيز الضمان لها في مكافحة انتشار فيروس كورونا (كوفيد- 19)..في منطقة قوييانغ للتنمية الاقتصادية في مقاطعة قويتشو بجنوب غربي الصين، خصصت الحكومة 57ر28 مليون يوان، كدعم مالي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
شركة "هايوي" المحدودة لصناعة قوالب النظارات الواقية الطبية، في قويتشو، هي أول شركة تحصل على دعم حكومي بلغ 10 ملايين يوان، على شكل استثمار في الأسهم. هذه الشركة أمضت ثمانية أيام فقط لتطوير قالب نظارات واقية طبية، وقدمت بذلك مساهمة متميزة في زيادة الإمدادات الطبية لمكافحة الوباء واحتواء تفشيه بالمقاطعة.
وتم دفع 5ر18 مليون يوان من قروض رأس المال الداعم لسبع مؤسسات. وحصلت شركة "تشويويه" المحدودة للخدمات العقارية للمستشفيات، في قويتشو، على أكثر من 40 ألف يوان كدعم لسعر الفائدة على قرضها المصرفي. هذه الشركة قامت بشحن الإمدادات الطبية للمستشفيات منذ تفشي الوباء، وقدم بذلك ضمانا قويا لعملية الإمداد والتموين.
ومنذ بداية العام، منحت شركة البنك الصناعي المحدودة، قروضا بقيمة 44ر2 مليار يوان، إلى 135 مؤسسة صغيرة ومتوسطة الحجم، تساهم في الوقاية من الوباء ومكافحته. في غضون ذلك، قام البنك بتمديد وتجديد القروض للمؤسسات الواعدة، المتضررة من الوباء في قطاعات مثل البيع بالجملة والتجزئة والمطاعم والفنادق والخدمات اللوجستية والنقل والسياحة الثقافية.
التكنولوجيا الجديدة تدفع الانتعاش الاقتصادي
تعمل التكنولوجيا الابتكارية، بدعم وتشجيع من الحكومة، على دفع المؤسسات إلى معالجة المشكلات المتعلقة باستئناف الإنتاج وتشغيلها.
تم وضع المنصة التي تدمج سلسلة الكتلة (منصة معلومات متشاطرة عبر شبكة أجهزة الكومبيوتر) مع الخدمات المالية، موضع التفعيل، الأمر الذي سيقلل بشكل فعال، عتبة التمويل والكلفة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. أطلقت هذه المنصة في بكين في شهر فبراير. ويساعد نظام العمل هذا على تأكيد المستحقات، للمؤسسات مثلا، بموجب عقود المشتريات الحكومية عن طريق تقنية سلسلة الكتلة. كما أنه يدمج العديد من الخدمات المالية، بما في ذلك ضمانات التمويل وإدارة الأصول، لتقديم خدمات مالية شاملة في جميع أنحاء سلسلة التوريد للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم. وبدأ عدد من مؤسسات العلوم والتكنولوجيا، وبدعم حكومي أيضا، في استخدام تكنولوجيا سلسلة الكتلة لتوفير الدعم المالي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم.
قدمت منصة تمويل سلسلة الصناعة عبر الإنترنت التي أطلقتها المؤسسة الوطنية الصينية للطاقة الكهربائية، قروضا تصل إلى 49ر19 مليون يوان، بأسعار فائدة تفضيلية، لخمس مؤسسات صغيرة ومتوسطة ومؤسسات متناهية الصغر، تقوم بتصنيع المنتجات الطبية لمكافحة الوباء.
وتشجع الحكومة أيضا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تأثرت أعمالها خارج الإنترنت، بشكل كبير بسبب الوباء، للترويج والتسويق على الإنترنت. وعلى هذا الأساس، استفادت مؤسسة لخدمات مبيعات السيارات في تشوبنغ بمقاطعة شاندونغ، من خاصية البث المباشر على منصة تيك توك وأطلق خدماتها لفحص واختيار وحجز السيارات، عبر الإنترنت. بلغ عدد الزبائن الذين زاروا متجرها قبل الوباء أقل من 100. وحاليا، تقوم الشركة بالبث المباشر لبرامجها مرتين يوميا، لتسويق خدماتها على منصة تيك توك، وتحظى في كل مرة بأكثر من 10000 مشاهدة، وشهدت المبيعات دفعة كبيرة.
أما الجيل الجديد من المنصات والمؤسسات الناشئة المشاركة في بحث وتطوير تكنولوجيا المعلومات وتسويقها، مثل الذكاء الاصطناعي، فقد اكتسب المزيد من فرص التطوير. فمن أجل منع انتشار الوباء، من الضروري تحسين قدرة الفحص الجماعي له والتوعية بالأمراض، فزادت الحكومة مشترياتها من المنتجات ذات التقنية العالية لذلك، مما ساعد المؤسسات الناشئة ذات التقنية العالية على تسريع تطورها.
وتمكنت مؤسسات صينية مثل "إنتل فيوشن" وغيرها من المؤسسات المحلية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، من تطوير أنظمة للتحقق الفوري من درجة حرارة الجسم والتعرف على الهوية بسرعة وكفاءة، مما يقلل من خطر انتقال الفيروس نتيجة وقوف الناس بطابور طويل عند نقاط التفتيش. ويستخدم نظام صوتي ذكي أيضا في التجمعات السكنية، لفحص المرضى والإجابة على الأسئلة العامة أثناء مكافحة الوباء.
لقد أمر الرئيس الصيني شي جين بينغ، باتخاذ المزيد من الإجراءات الضريبية والمالية، الأكثر استهدافا لمساعدة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم والمؤسسات الكبيرة على تجاوز الصعوبات المترتبة على تفشي الوباء. وتواصل السياسات الداعمة هذه فعاليتها، مع اقتراب 50% من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في جميع أنحاء الصين من استئناف أعمالها وإنتاجها اعتبارا من 2 مارس، وفقا لإحصاءات وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات. ومع تطبيق إجراءات مختلفة ستدفع الحكومة الصينية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم لاستئفاف الإنتاج بصورة سريعة ومرتبة في أرجاء البلاد. وعندما يتم القضاء على الفيروس نهائيا، من المرجح جدا أن ينطلق العنان لمطالب المستهلكين المكبوتة، مما يعطي دفعة قوية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، لتعود إلى مسارها الطبيعي.
تشانغ شين، باحث مساعد في قسم أبحاث تطوير الابتكار بمركز أبحاث التنمية التابع لمجلس الدولة الصيني.
©China Today. All Rights Reserved.
24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037


