يُعد معرض الصين الدولي للاستيراد في نسخته السادسة، والتي عُقدت خلال الفترة من الخامس إلى العاشر من نوفمبر 2023، بمثابة جسر ومنصة مهمة لخلق ظروف مؤاتية لتسهيل النشاط الاقتصادي والتبادل التجاري والاستثماري والتعاون بين الشركات العربية والصينية، مما يساهم في مواصلة توسيع مجالات التعاون في القطاعات الجديدة والواعدة لعرض المنتجات العربية أمام كبريات الشركات الصينية الحكومية والخاصة، وكذا الشركات الأجنبية المشاركة في المعرض في سوق قوامه مليار وأربعمائة مليون شخص إضافة إلى سوق الصين الخارجية. كما يُعد هذا المعرض بمثابة تأكيد على الدور المحوري والمهم للصين في تحرير التجارة الدولية ودفع العولمة الاقتصادية. نسخة المعرض لهذا العام، والذي بلغت مساحته 367 ألف متر مربع، وهو رقم قياسي، أكدت على العديد من الحقائق المهمة، وتميزت في الآن ذاته، ببعض المبتكرات الجديدة في تنظيمه، علاوة على استمرار حرص الدول العربية على المشاركة فيه، حيث شاركت كل من مصر وتونس والإمارات والبحرين وسلطنة عمان بأجنحة وطنية لعرض أبرز المنتجات المميزة في كل دولة، بالإضافة إلى مشاركة شركات خاصة عديدة من مصر والسعودية والإمارات واليمن وسوريا ولبنان وغيرها من الدول في قطاعات المنتجات الاستهلاكية والزراعية وصناعة الخدمات، وغيرها.
تصميم الصين الراسخ على الانفتاح
كانت رسالة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى نسخة المعرض لهذا العام، تأكيدا على تصميم الصين الراسخ على تعزيز الانفتاح الرفيع المستوى وتعزيز بناء اقتصاد عالمي مفتوح وعالي الجودة. إذ أكد شي في رسالته أن التعافي الاقتصادي العالمي في الوقت الحاضر يحتاج إلى الزخم، ويتطلب من جميع الدول العمل معا والسعي لتحقيق التنمية المشتركة. كما جدد التأكيد على أن الصين ستظل دائما فرصة مهمة للتنمية العالمية، وستعزز بقوة الانفتاح الرفيع المستوى، وستواصل دفع العولمة الاقتصادية في اتجاه أكثر انفتاحا وشمولا واستفادة وتوازنا لتحقيق الفوز المشترك. وذكر الرئيس شي جين بينغ أن الصين عقدت خمس دورات ناجحة من هذا المعرض، وذلك منذ عام 2018، حيث وفر المعرض منصة للشراء الدولي، وأداة لتعزيز الاستثمار والتبادل الثقافي والتعاون المنفتح.
وقد شاركت في المعرض هذا العام قرابة 300 شركة من شركات فورتشن 500 والشركات الرائدة في الصناعة، بما في ذلك أفضل العلامات التجارية للمركبات في العالم، وأكبر عشر شركات للأجهزة الطبية وأفضل عشر شركات كهربائية صناعية، وثلاثة من شركات التعدين العملاقة، وأربعة من كبرى شركات تجارة الحبوب، وخمس شركات شحن كبرى، وتم إنشاء منطقة خاصة بالمنتجات الزراعية الأفريقية لأول مرة.
أهمية متزايدة للمعرض
يُعد معرض الصين الدولي للاستيراد رابطا أساسيا ومهما للأنشطة التجارية والاقتصادية بين الصين وكافة دول العالم. وقد عززت المنصات الأربع الرئيسية للمشتريات الدولية، وترويج الاستثمار، والتبادلات الشعبية، والتعاون المفتوح دورها في تعزيز مكانة الصين لتصبح نمطا تنمويا جديدا ونافذة ومنصة لتعزيز الانفتاح الرفيع المستوى ومنتجا عاما دوليا يتقاسمه العالم.
ولا شك أن هذا المعرض وغيره من الأنشطة التى تقوم بها الصين، ستثري التعاون بين الصين والدول الأخرى لتكون الصين مروجا نشيطا وبانيا ومساهما في الاقتصاد العالمي المفتوح، وتساهم بشكل عالي الجودة في انتعاش الاقتصاد العالمي وتقديم مساهمات أكبر في التنمية والرخاء العالميين.
ولعل الأرقام والحقائق هي أكبر دليل على نجاح معرض الصين الدولي للاستيراد 2023، والذي يُعد المعرض الوحيد على مستوى العالم للاستيراد، فقد تم التوصل إلى صفقات إجمالية قُدرت مبدئيا بنحو 41ر78 مليار دولار أمريكي لمشتريات بضائع وخدمات لمدة عام واحد، وهو رقم قياسي. حضر دورة هذا العام للمعرض، مشاركون من 154 دولة ومنطقة ومنظمة دولية، وأكثر من 3400 شركة من 128 دولة ومنطقة، وعرضت خلاله 442 منتجا وتقنية وخدمة جديدة. وشهدت المنطقة الحاضنة للابتكار، عرض أكثر من 300 مشروع ابتكاري من 39 دولة ومنطقة. وقد فاق عدد المشروعات الابتكارية هذا العام نظيرتها خلال العامين السابقين. ومن المتوقع أن تصل واردات الصين من السلع والخدمات إلى 17 تريليون دولار أمريكي من حيث القيمة التراكمية في غضون السنوات الخمس المقبلة.
التبادل التجاري بين الصين والدول العربية
تُعتبر الصين أكبر شريك تجاري للدول العربية. وتضاعف حجم التجارة بين الجانبين تقريبا في عام 2022 مقارنة بنظيره لعام 2012 ليصل إلى 4ر431 مليار دولار أمريكي، مقارنة مع 4ر222 مليار دولار أمريكي في عام 2012. وفي النصف الأول من العام الجاري، بلغ حجم التجارة بين الجانبين 9ر199 مليار دولار أمريكي.
وفي حقيقة الأمر، شهدت السنوات الأخيرة، توسعا كبيرا في نطاق التعاون بين الصين والعالم العربي من القطاعات التقليدية ليمتد إلى مجالات مثل الطيران والفضاء والاقتصاد الرقمي. ويوفر معرض الصين الدولي للاستيراد منصة شاملة لكلا الطرفين لاستكشاف المزيد من مجالات التعاون الممكنة.
وأظهرت البيانات أنه منذ عام 2001، ظلت السعودية أكبر شريك تجاري للصين في منطقة الشرق الأوسط. ومنذ عام 2013، أصبحت الصين أكبر شريك تجاري للسعودية. وفي عام 2022، بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين أكثر من 116 مليار دولار أمريكي، بزيادة سنوية بلغت نسبتها 1ر33%، بحسب وكالة شينخوا الصينية. كما ارتفع حجم التبادل التجاري بين الإمارات العربية المتحدة والصين إلى مستوى تاريخي خلال العام الماضي، ليزداد بنسبة 4ر37% على أساس سنوي في عام 2022 ليصل إلى3ر99 مليار دولار أمريكي. وبلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والعراق 37ر53 مليار دولار أمريكي في عام 2022، بزيادة بلغت نسبتها 1ر43% على أساس سنوي. وتجاوز حجم التبادل التجاري بين الكويت والصين 4ر31 مليار دولار أمريكي في العام الماضي، فيما شاركت الشركات الصينية في تشييد وتنفيذ أكثر من 80 مشروعا كبيرا في الكويت.
وقد عززت الصين التعاون مع الدول العربية في العقد الماضي، في مجال التقنيات المتطورة، مثل الجيل الخامس والبيانات الكبرى والمعلومات المكانية والطاقة الجديدة. وبالتالي فإن ما يجعل الصين دولة مصدّرة مرنة هو تنوع المنتجات التي تصنعها من الزراعة والملابس والمنسوجات إلى الإلكترونيات والآلات وأجهزة الكمبيوتر. حيث أنه في عام 2021، فإن ما يقرب من نصف (47%) إجمالي صادرات الصين إلى العالم العربي، تتكون من الآلات ومعدات النقل. كما ارتفعت قيمة الاستثمارات الجديدة بين الصين والدول العربية إلى 44ر1 مليار دولار أمريكي، بزيادة سنوية بلغت نسبتها 7%. وقد عززت مبادرة "الحزام والطريق" التعاون بين الصين والدول العربية، مما أدى إلى ازدهار التجارة والاستثمار وتعزيز التعاون في البنية التحتية، حيث يمر ثلثا صادرات الصين إلى الدول العربية الآن عبر البنية التحتية المبنية من قبل دول الخليج العربية.
أبرز الدول العربية المشاركة
من المهم والضروري أن تسعى الدول العربية، بل وتلح، لبناء وترك بصمة للعلامات التجارية العربية لكافة المنتجات التي تشتهر بها المنطقة العربية من أغذية وملبوسات وخامات وثروات والعمل على الوصول إلى المستهلكين الصينيين والتواصل مباشرة مع المستثمرين والمشترين والمواقع الإلكترونية التجارية المشهورة في الصين، وكانت أبرز الدول المشاركة بالمعرض هذا العام:
جمهورية مصر العربية: تهتم الحكومة الصينية بفتح أسواقها أمام المنتجات الزراعية المصرية وتعزيز التنمية المتوازنة والصحية للتجارة الثنائية بين البلدين، فكانت المعروضات في معرض هذا العام من مصر تتمثل في البرتقال والعنب والتمر والبنجر. وكافة هذه المنتجات دخلت بنجاح إلى السوق الصينية. حيث تعتبر مصر هي الدولة الأولى والوحيدة المسموح لها بتصدير التمر للأسواق الصينية، كما أنها ثاني أكبر بلد مصدر للبرتقال الطازج إلى الصين وهناك العديد من المنتجات مثل الرمان ولوف الاستحمام والأغذية الطازجة والمحفوظة مثل الأجبان والعسل الأسود والرمان الطازج.. إلخ.
تونس: سعت تونس من خلال مشاركتها بمعرض هذا العام إلى دعم صادرات زيت الزيتون التونسي، حيث تُعد تونس ثالث أكبر منتج لزيت الزيتون في العالم والرمان والخضراوات المتحولة مثل معجون الفلفل والطماطم، بالإضافة إلى إيجاد حل لعملية ترويج التمور التي تشهد صعوبات لدخول السوق الصينية.
البحرين: أفرد الجناح البحريني جناحا خاصا لاستعراض التراث العريق والترويج لإمكاناته وإبراز قطاع اللؤلؤ والمجوهرات البحرينية والتعريف بالجهود التي تبذلها مملكة البحرين على صعيد إحياء قطاع اللؤلؤ الطبيعي، بالإضافة إلى الوصول للسوق الصينية باعتبارها أكبر مقصد للصادرات الدولية ومركزا يجمع أهم تجار المجوهرات والعلامات التجارية الراقية، بما يتيح الحصول على مزيد من العملاء الدوليين في جمهورية الصين الشعبية وآسيا والعالم.
إضافة إلى عرض أهم المنتجات البحرينية، من حيث التصدير، مثل الألومنيوم والذهب البحريني وبعض البهارات البحرينية والمياه المُنكهة البحرينية، والعطورات العربية البحرينية، والكثير من المنتجات الأخرى. وشهد الجناح البحريني بالمعرض إقبالا كبيرا، هذا بالإضافة إلى مشاركة أكبر للشركات البحرينية الأخرى التي لها إمكانية دخول السوق الصينية.
سوريا: حرص الجناح السوري على عرض المنتجات السورية المتميزة من الزيوت والصابون ومنتجات المحافظة على البشرة، وغيرها من المنتجات الزراعية والتي لاقت إقبالا واسعا من الجمهور الصيني.
حقائق عديدة يؤكدها معرض هذا العام
أولا: حرص الصين على المشاركة والمنفعة المتبادلة مع جميع دول العالم، خاصة وأن جمهورية الصين الشعبية تُعد ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر دولة مُصدّرة في العالم، وثاني أكبر دولة مستوردة في العالم، وثاني أكبر متلقٍ للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم.
ثانيا: أن الصين تمثل قوة مهمة في العمل على إعادة تنشيط وتسريع وتيرة الاقتصاد العالمي وتعمل على اجتياز الأزمات الاقتصادية الناجمة عن الجوائح والحروب ومشكلات سلاسل التوريد، وهو ما يتجلى في أحد أبعاده المهمة في دور الصين الرائد في صناعة المعارض والمؤتمرات الاقتصادية الدولية، وعلى رأسها "معرض الصين الدولي للاستيراد"، الذي تحرص على تنظيمه سنويا منذ عام 2018، ويعتبر تجربة رائدة ليس لها مثيل في أي دولة من دول العالم، إذ يندر أن تقوم دولة ما بتنظيم معرض خاص بالاستيراد على المستوى الوطني بهذا الزخم والضخامة على المستوى العالمي، ويقدم منصة لرواد الأعمال والتجار في جميع أنحاء العالم.
ثالثا: أن المعرض يمثّل جزءا مهما من سياسة الصين الاقتصادية والتنموية الطويلة الأجل في بُعدها الخارجي، والتي ترتكز على دعم التعددية الحقيقية والانفتاح على العالم الخارجي، والالتزام بالعولمة الاقتصادية، والجودة العالية وتبني العديد من الخطوات والإجراءات المحلية بهذا الصدد، وهو ما عكسته كلمة الرئيس الصيني شي جين بينغ في افتتاح المعرض.
وبصفة عامة، يمكن القول إن معرض الصين الدولي للاستيراد بشانغهاي أصبح فرصة هائلة أمام الحكومات والمستثمرين العرب لاستعراض كافة المنتجات العربية والعمل على الاستفادة من الفرص المتاحة في السوق الصينية بأكملها. فقد شهد المعرض بنسخته السادسة توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، والتي ستتيح فرصا استثمارية وشراكات إستراتيجية واعدة في مختلف المجالات بين الجانبين العربي والصيني. ومن المتوقع أن تثمر هذه الجهود عن مزيد من الازدهار والنمو للمؤسسات الوطنية العربية وتعزيز القدرة التنافسية للمنطقة العربية.
ومن دون شك، فإنه من خلال معرض الصين الدولي للاستيراد، تؤكد الصين من جديد أمام العالم عزمها على مواصلة تعزيز الانفتاح بشكل أكثر شمولا وتشاركا، وستعمق الصين وستعمل جاهدة على الارتقاء بشراكات التعاون في إطار "الحزام والطريق" مع جميع الأطراف، وصولا إلى مرحلة جديدة من التنمية العالية الجودة، والتعاون المربح لدول العالم وشعوبها وكذلك للصين ولشعبها.
--
أحمد سلام، المستشار الإعلامي الأسبق بسفارة مصر لدى الصين وخبير في الشؤون الصينية.