الثقافة هي روح الأمة، وهي أيضا جسر ورابط تواصل بين. ثمة تاريخ طويل من التبادلات الودية بين الحضارة الصينية، وفي القلب منها الكونفوشية، والحضارة الإسلامية السائدة في العالم العربي. وقد أصبحت الرواية الأدبية الكلاسيكية "ألف ليلة وليلة" التي تعود إلى ذروة مجد العرب، أكثر شهرة في الصين؛ وانتقل الخزف الصيني والحرير والشاي وصناعة الورق إلى أوروبا عبر الدول العربية. قبل ستمائة عام، وصل البحار الصيني المسلم تشنغ خه إلى المنطقة العربية عدة مرات وأصبح رسول صداقة بين الجانبين. وفي العصر الحديث، شهدت كل من الصين والدول العربية تغيرات كبيرة وشرعت تستكشف طريق نهضتها. إن التجارب المتماثلة والهدف المشترك المتمثل في مواصلة التنمية، مكنت الصين والدول العربية من تقاسم السراء والضراء وتكوين صداقة عميقة.
تأسس منتدى التعاون الصيني- العربي في يناير عام 2004، فدخلت العلاقة بين الصين والدول العربية إلى مرحلة جديدة في القرن الحادي والعشرين. حددت الدورة الأولى للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني- العربي التي عقدت في سبتمبر عام 2004 بمصر، إقامة مستوى جديد من علاقات الشراكة يتميز بالتكافؤ والتعاون الشامل؛ وفي مايو عام 2010، اقترحت الدورة الرابعة إنشاء علاقات الشراكة القائمة على التنمية المشتركة والتعاون الشامل. في عام 2018، في مراسم افتتاح الدورة الثامنة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني- العربي، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ عن إقامة الشراكة الإستراتيجية الصينية- العربية المتسمة بالتعاون الشامل والتنمية المشتركة والتوجه نحو المستقبل، واقترح بناء رابطة المصير المشترك بين الصين والدول العربية. في ديسمبر عام 2022، حضر الرئيس شي جين بينغ القمة الصينية- العربية الأولى وقمة الصين ومجلس التعاون لدول الخليج العربية الأولى، وقام بزيارة دولة إلى السعودية. هذه أول زيارة للرئيس شي جين بينغ إلى الشرق الأوسط منذ انعقاد المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني، كما أنها أكبر الأنشطة الدبلوماسية الصينية الموجهة إلى العالم العربي منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية.
يصادف هذا العام الذكرى السنوية العشرين لإنشاء منتدى التعاون الصيني- العربي. وفي ظل التغيرات التي لم يسبق لها مثيل منذ قرن، استمرت العلاقات الراسخة بين الصين والدول العربية، لمواجهة عدم اليقين، فصارت نموذجا للعلاقات بين دول العالم والتعاون بين البلدان النامية. عزز الجانبان الصيني والعربي بناء آليات التعاون الاقتصادي والتجاري وواصلا تعميق التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والتمويل. في عام 2022، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية 4ر431 مليار دولار أمريكي، بزيادة بلغت نسبتها 6ر30% على أساس سنوي، وحافظت الصين على وضعها كأكبر شريك تجاري للدول العربية.
مبادرة "الحزام والطريق" مبادرة مهمة، وضع الرئيس شي جين بينغ خطة العمل والترتيبات والإرشادات لتنفيذها بكل دقة. حقق البناء المشترك لـ"الحزام والطريق" على مدى العقد الماضي، إنجازات ملحوظة بفضل جهود جميع الأطراف، وتحول من مفهوم نظري إلى عمل حقيقي، وأصبحت هذه المبادرة من المنافع العامة العالمية الأكثر شعبية وأكبر منصة للتعاون الدولي، وقدمت مساهمات مهمة في بناء نمط الاقتصاد العالمي المفتوح ورابطة المصير المشترك للبشرية. إن مبادرة "الحزام والطريق" متجذرة في التربة التاريخية لطريق الحرير القديم وتلبي احتياجات التنمية في البلدان العربية التي تسعى لتنويع الاقتصاد والتصنيع.
في إبريل عام 2023، كتب الرئيس شي جين بينغ، رسالة ردا على ممثلي الفنانين العرب المشهورين الذين شاركوا في زيارة "ملتقى فناني طريق الحرير" للصين، وشجعهم على إبداع المزيد من الأعمال الفنية التي تعكس الصداقة بين الصينيين والعرب، وتقديم مساهمات جديدة لتعزيز الصداقة بين شعوبهم. وقال شي في الرسالة، إن الثقافة يمكن أن تربط القلوب، ويمكن للفن أن يربط بين العالم. كما أشار إلى أنه منذ افتتاح طريق الحرير القديم إلى البناء المشترك لـ"الحزام والطريق"، امتدت التبادلات بين الحضارتين الصينية والعربية عبر آلاف السنين مع تقدير متبادل وكتابة إرث تاريخي للتعلم المتبادل.
في الفترة من 24 إلى 26 أغسطس 2023، عُقد الاجتماع الخامس عشر لقادة بريكس بنجاح في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا والذي أعلن عن انضمام ست دول، هي: السعودية ومصر وإيران والإمارات والأرجنتين وإثيوبيا إلى مجموعة بريكس. وهذا يعد أكبر إنجاز لهذا الاجتماع وحدثا تاريخيا مهما في عملية تطوير بريكس. مع إدراج البلدان ذات التراث الثقافي العميق في مجموعة بريكس، ستعمل الدول الأعضاء على تعزيز التبادل والتعاون لحشد قوة تطور أكبر وتعزيز تقدم الحضارات الإنسانية إلى الأمام.
يتميز هيكل الاقتصاد في الصين والدول العربية بالتكامل إلى حد كبير، الأمر الذي يوفر إمكانات ومساحة كبيرة للتعاون بين الجانبين. بالنسبة للصين، تعتبر الدول العربية شريكا مستقرا في مجال الطاقة منذ فترة طويلة. وبالنسبة للدول العربية، تقدم الصين لها فرصة ومنصة لتسريع خطى التنمية. في سياق التعلم المتبادل بين الحضارتين الصينية والعربية، يجب على الجانبين إجراء التعاون العملي في كافة المجالات:
أولا، تعزيز المواءمة الإستراتيجية وتعميق التعاون الملموس. من الضروري تعزيز المواءمة الإستراتيجية بين مبادرة "الحزام والطريق" وبرامج التنمية في الدول العربية. ينبغي للجانبين تعزيز التعاون في الاقتصاد والتجارة والطاقة والبنية التحتية وما إلى ذلك، وتعميق التعاون في الصناعة الخضراء والمنخفضة الكربون، والصحة والاستثمار والتمويل، واستكشاف آفاق تعاون جديدة في مجالات مثل الفضاء والاقتصاد الرقمي والاستخدام السلمي للطاقة النووية، ومواجهة التحديات الخطيرة مثل الأمن الغذائي وأمن الطاقة. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الجانبين التنفيذ المشترك لمبادرة التنمية العالمية وتعزيز التعاون بين البلدان النامية لتحقيق التنمية المستدامة.
ثانيا، الالتزام بالتعددية والاستجابة الفعالة للتحديات. كثير من الدول العربية لها علاقات شراكة إستراتيجية مع الصين. ينبغي للصين والدول العربية أن تعزز التواصل والتنسيق في إطار الآليات المتعددة الأطراف، مثل مجموعة العشرين ومجموعة بريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون، ودعم النظام التجاري المتعدد الأطراف بقوة، ومعارضة الحمائية التجارية بشكل مشترك. تدعم الصين الدول العربية التي تسعى للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية لتسريع خطاها، وذلك من أجل تعزيز التعاون والتنسيق بين الصين والدول العربية وحماية التعددية بشكل مشترك، والمحافظة على المصالح المشتركة للدول النامية.
ثالثا، توسيع مجالات التعاون وتحقيق التنمية المشتركة. ترتبط مفاهيم تنمية الصين بمفاهيم التنمية في الدول العربية فيمكنها تعزيز الترابط والتواصل لتحقيق مصالح أكبر في التنمية. يلتزم الجانب الصيني ببناء نمط جديد للتنمية وتعزيز التنمية العالية الجودة؛ ويعمل الجانب العربي على تنويع الاقتصاد وشق طريق تصنيع جديد متميز بالمنافع الاقتصادية العالية، ورفع مستوى معيشة الشعب والتحول الحضري. يجب على الجانبين الصيني والعربي تحسين التعاون في السلسلة الصناعية وسلسلة التوريد، ومواصلة العمل المشترك في التجارة والاستثمار والتمويل، من أجل بناء علاقات متميزة بجودة أعلى ونتائج أكبر وفوز مشترك.
رابعا، التمسك بالابتكار وخلق زخم جديد للتنمية. الابتكار هو القوة الدافعة التي لا تنضب للتنمية. يجب على الجانبين الصيني والعربي التركيز على المجالات الناشئة، ومواصلة زيادة الاستثمار في البحث والتطوير، وتسريع تحول الإنجازات العلمية والتكنولوجية، وتعزيز تطوير الصناعات الحديثة. فضلا عن ذلك، من الضروري لكل من الصين والدول العربية تعزيز العمل لاستكشاف أنماط تعاون جديدة باستمرار، وتحقيق تكامل المزايا التقنية والسوقية بينها، وتقديم مساهمات في الانتعاش الاقتصادي وتوسع المصالح المشتركة ومساحة التعاون في المستقبل.
باختصار، شكلت التبادلات السلمية للحضارتين الصينية والعربية الممتدة عبر آلاف السنين الماضية صداقة تقليدية قائمة على "روح طريق الحرير"، ويعد البناء المشترك لـ"الحزام والطريق" نقطة التقاء بين التاريخ والواقع للجانبين في الفترة التاريخية الجديدة. نحن على يقين تام بأن التعلم المتبادل بين الحضارتين الصينية والعربية سيقدم قوة روحية قوية لبناء رابطة المصير المشترك للبشرية.
--
د. لوه لين، أستاذ وعميد كلية الشرق الأوسط ومدير مركز الدراسات العربية بجامعة بكين للغات والثقافة.