ملف العدد < الرئيسية

التعاون الصيني- العربي في سياق التعلم المتبادل بين الحضارتين

: مشاركة
2024-01-09 14:38:00 الصين اليوم:Source لوه لين:Author

الثقافة هي روح الأمة، وهي أيضا جسر ورابط تواصل بين. ثمة تاريخ ‏طويل من التبادلات الودية بين الحضارة الصينية، وفي القلب منها الكونفوشية، ‏والحضارة الإسلامية السائدة في العالم العربي. وقد أصبحت الرواية الأدبية ‏الكلاسيكية "ألف ليلة وليلة" التي تعود إلى ذروة مجد العرب، أكثر شهرة في ‏الصين؛ وانتقل الخزف الصيني والحرير والشاي وصناعة الورق إلى أوروبا عبر ‏الدول العربية. قبل ستمائة عام، وصل البحار الصيني المسلم تشنغ خه إلى المنطقة ‏العربية عدة مرات وأصبح رسول صداقة بين الجانبين. وفي العصر الحديث، ‏شهدت كل من الصين والدول العربية تغيرات كبيرة وشرعت تستكشف طريق ‏نهضتها. إن التجارب المتماثلة والهدف المشترك المتمثل في مواصلة التنمية، ‏مكنت الصين والدول العربية من تقاسم السراء والضراء وتكوين صداقة عميقة.‏

تأسس منتدى التعاون الصيني- العربي في يناير عام 2004، فدخلت العلاقة ‏بين الصين والدول العربية إلى مرحلة جديدة في القرن الحادي والعشرين. حددت ‏الدورة الأولى للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني- العربي التي عقدت في ‏سبتمبر عام 2004 بمصر، إقامة مستوى جديد من علاقات الشراكة يتميز بالتكافؤ ‏والتعاون الشامل؛ وفي مايو عام 2010، اقترحت الدورة الرابعة إنشاء علاقات ‏الشراكة القائمة على التنمية المشتركة والتعاون الشامل. في عام 2018، في ‏مراسم افتتاح الدورة الثامنة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني- العربي، ‏أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ عن إقامة الشراكة الإستراتيجية الصينية- ‏العربية المتسمة بالتعاون الشامل والتنمية المشتركة والتوجه نحو المستقبل، ‏واقترح بناء رابطة المصير المشترك بين الصين والدول العربية. في ديسمبر عام ‏‏2022، حضر الرئيس شي جين بينغ القمة الصينية- العربية الأولى وقمة الصين ‏ومجلس التعاون لدول الخليج العربية الأولى، وقام بزيارة دولة إلى السعودية. هذه ‏أول زيارة للرئيس شي جين بينغ إلى الشرق الأوسط منذ انعقاد المؤتمر الوطني ‏العشرين للحزب الشيوعي الصيني، كما أنها أكبر الأنشطة الدبلوماسية الصينية ‏الموجهة إلى العالم العربي منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية.‏

يصادف هذا العام الذكرى السنوية العشرين لإنشاء منتدى التعاون الصيني- ‏العربي. وفي ظل التغيرات التي لم يسبق لها مثيل منذ قرن، استمرت العلاقات ‏الراسخة بين الصين والدول العربية، لمواجهة عدم اليقين، فصارت نموذجا ‏للعلاقات بين دول العالم والتعاون بين البلدان النامية. عزز الجانبان الصيني ‏والعربي بناء آليات التعاون الاقتصادي والتجاري وواصلا تعميق التعاون في ‏مجالات التجارة والاستثمار والتمويل. في عام 2022، بلغ حجم التبادل التجاري ‏بين الصين والدول العربية 4ر431 مليار دولار أمريكي، بزيادة بلغت نسبتها ‏‏6ر30% على أساس سنوي، وحافظت الصين على وضعها كأكبر شريك تجاري ‏للدول العربية.

مبادرة "الحزام والطريق" مبادرة مهمة، وضع الرئيس شي جين بينغ خطة ‏العمل والترتيبات والإرشادات لتنفيذها بكل دقة. حقق البناء المشترك لـ"الحزام ‏والطريق" على مدى العقد الماضي، إنجازات ملحوظة بفضل جهود جميع ‏الأطراف، وتحول من مفهوم نظري إلى عمل حقيقي، وأصبحت هذه المبادرة من ‏المنافع العامة العالمية الأكثر شعبية وأكبر منصة للتعاون الدولي، وقدمت ‏مساهمات مهمة في بناء نمط الاقتصاد العالمي المفتوح ورابطة المصير المشترك ‏للبشرية. إن مبادرة "الحزام والطريق" متجذرة في التربة التاريخية لطريق الحرير ‏القديم وتلبي احتياجات التنمية في البلدان العربية التي تسعى لتنويع الاقتصاد ‏والتصنيع. ‏

في إبريل عام 2023، كتب الرئيس شي جين بينغ، رسالة ردا على ممثلي ‏الفنانين العرب المشهورين الذين شاركوا في زيارة "ملتقى فناني طريق الحرير" ‏للصين، وشجعهم على إبداع المزيد من الأعمال الفنية التي تعكس الصداقة بين ‏الصينيين والعرب، وتقديم مساهمات جديدة لتعزيز الصداقة بين شعوبهم. وقال شي ‏في الرسالة، إن الثقافة يمكن أن تربط القلوب، ويمكن للفن أن يربط بين العالم. كما ‏أشار إلى أنه منذ افتتاح طريق الحرير القديم إلى البناء المشترك لـ"الحزام ‏والطريق"، امتدت التبادلات بين الحضارتين الصينية والعربية عبر آلاف السنين ‏مع تقدير متبادل وكتابة إرث تاريخي للتعلم المتبادل.

في الفترة من 24 إلى 26 أغسطس 2023، عُقد الاجتماع الخامس عشر ‏لقادة بريكس بنجاح في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا والذي أعلن عن انضمام ست ‏دول، هي: السعودية ومصر وإيران والإمارات والأرجنتين وإثيوبيا إلى مجموعة ‏بريكس. وهذا يعد أكبر إنجاز لهذا الاجتماع وحدثا تاريخيا مهما في عملية تطوير ‏بريكس. مع إدراج البلدان ذات التراث الثقافي العميق في مجموعة بريكس، ستعمل ‏الدول الأعضاء على تعزيز التبادل والتعاون لحشد قوة تطور أكبر وتعزيز تقدم ‏الحضارات الإنسانية إلى الأمام.

يتميز هيكل الاقتصاد في الصين والدول العربية بالتكامل إلى حد كبير، ‏الأمر الذي يوفر إمكانات ومساحة كبيرة للتعاون بين الجانبين. بالنسبة للصين، ‏تعتبر الدول العربية شريكا مستقرا في مجال الطاقة منذ فترة طويلة. وبالنسبة ‏للدول العربية، تقدم الصين لها فرصة ومنصة لتسريع خطى التنمية. في سياق ‏التعلم المتبادل بين الحضارتين الصينية والعربية، يجب على الجانبين إجراء ‏التعاون العملي في كافة المجالات:

أولا، تعزيز المواءمة الإستراتيجية وتعميق التعاون الملموس. من ‏الضروري تعزيز المواءمة الإستراتيجية بين مبادرة "الحزام والطريق" وبرامج ‏التنمية في الدول العربية. ينبغي للجانبين تعزيز التعاون في الاقتصاد والتجارة ‏والطاقة والبنية التحتية وما إلى ذلك، وتعميق التعاون في الصناعة الخضراء ‏والمنخفضة الكربون، والصحة والاستثمار والتمويل، واستكشاف آفاق تعاون ‏جديدة في مجالات مثل الفضاء والاقتصاد الرقمي والاستخدام السلمي للطاقة ‏النووية، ومواجهة التحديات الخطيرة مثل الأمن الغذائي وأمن الطاقة. بالإضافة ‏إلى ذلك، يجب على الجانبين التنفيذ المشترك لمبادرة التنمية العالمية وتعزيز ‏التعاون بين البلدان النامية لتحقيق التنمية المستدامة.

ثانيا، الالتزام بالتعددية والاستجابة الفعالة للتحديات. كثير من الدول العربية ‏لها علاقات شراكة إستراتيجية مع الصين. ينبغي للصين والدول العربية أن تعزز ‏التواصل والتنسيق في إطار الآليات المتعددة الأطراف، مثل مجموعة العشرين ‏ومجموعة بريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون، ودعم النظام التجاري المتعدد ‏الأطراف بقوة، ومعارضة الحمائية التجارية بشكل مشترك. تدعم الصين الدول ‏العربية التي تسعى للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية لتسريع خطاها، وذلك من ‏أجل تعزيز التعاون والتنسيق بين الصين والدول العربية وحماية التعددية بشكل ‏مشترك، والمحافظة على المصالح المشتركة للدول النامية.

ثالثا، توسيع مجالات التعاون وتحقيق التنمية المشتركة. ترتبط مفاهيم تنمية ‏الصين بمفاهيم التنمية في الدول العربية فيمكنها تعزيز الترابط والتواصل لتحقيق ‏مصالح أكبر في التنمية. يلتزم الجانب الصيني ببناء نمط جديد للتنمية وتعزيز ‏التنمية العالية الجودة؛ ويعمل الجانب العربي على تنويع الاقتصاد وشق طريق ‏تصنيع جديد متميز بالمنافع الاقتصادية العالية، ورفع مستوى معيشة الشعب ‏والتحول الحضري. يجب على الجانبين الصيني والعربي تحسين التعاون في ‏السلسلة الصناعية وسلسلة التوريد، ومواصلة العمل المشترك في التجارة ‏والاستثمار والتمويل، من أجل بناء علاقات متميزة بجودة أعلى ونتائج أكبر وفوز ‏مشترك.

رابعا، التمسك بالابتكار وخلق زخم جديد للتنمية. الابتكار هو القوة الدافعة ‏التي لا تنضب للتنمية. يجب على الجانبين الصيني والعربي التركيز على ‏المجالات الناشئة، ومواصلة زيادة الاستثمار في البحث والتطوير، وتسريع تحول ‏الإنجازات العلمية والتكنولوجية، وتعزيز تطوير الصناعات الحديثة. فضلا عن ‏ذلك، من الضروري لكل من الصين والدول العربية تعزيز العمل لاستكشاف أنماط ‏تعاون جديدة باستمرار، وتحقيق تكامل المزايا التقنية والسوقية بينها، وتقديم ‏مساهمات في الانتعاش الاقتصادي وتوسع المصالح المشتركة ومساحة التعاون في ‏المستقبل.

باختصار، شكلت التبادلات السلمية للحضارتين الصينية والعربية الممتدة ‏عبر آلاف السنين الماضية صداقة تقليدية قائمة على "روح طريق الحرير"، ويعد ‏البناء المشترك لـ"الحزام والطريق" نقطة التقاء بين التاريخ والواقع للجانبين في ‏الفترة التاريخية الجديدة. نحن على يقين تام بأن التعلم المتبادل بين الحضارتين ‏الصينية والعربية سيقدم قوة روحية قوية لبناء رابطة المصير المشترك للبشرية.

--

د. لوه لين، أستاذ وعميد كلية الشرق الأوسط ومدير مركز الدراسات ‏العربية بجامعة بكين للغات والثقافة.‏

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4