ملف العدد < الرئيسية

مستقبل شانغهاي يأتي للناس بخيال كبير

: مشاركة
2024-07-10 16:50:00 الصين اليوم:Source ليو شي لين:Author

في مارس عام 2009، زار المؤرخ الأمريكي جيفري واسرستروم شانغهاي، وفي عام 2010، استضافت المدينة معرض الإكسبو العالمي، فكتب واسرستروم: "مستقبل شانغهاي يأتي للناس بخيال كبير." كانت شانغهاي تقوم بتجميل جزء من ضفتي نهر هوانغبو وبناء الوظائف الثقافية. وبعد بضع عشرة سنة، تحول النهر الأم الآخر لمدينة شانغهاي، نهر سوتشو، من أطلال "الآثار الصناعية الصدئة" و"المدينة القديمة المتداعية" إلى "حزام جميل مفعم بالحياة" و"مكان للابتكار". تتشكل منظومة جديدة متمثلة في "النهرين (هوانغبو وسوتشو)"، وأصبحت مثالا مهما لتجديد المدنية وتوارث الثقافة التقليدية، مما يوفر مرجعية مفيدة لإنهاض المناطق الحضرية عن طريق الثقافة وتعزيز تطور المدن عن طريق الابتكار.

تجديد وإحياء النهرين

النهران الرئيسيان في شانغهاي هما هوانغبو وسوتشو. تضمنت ((الخطة الرئيسية لمدينة شانغهاي 1999- 2020)) في مايو عام 2001: "تحويل شانغهاي إلى مدينة كبرى عالمية ذات اقتصاد مزدهر ومجتمع حضاري وبيئة جميلة." لكن بسبب الظروف المختلفة حينذاك، انتشرت على شواطئ النهرين المصانع مع ضجيج أصوات آلاتها، والأرصفة الصاخبة والمشغولة، والمناطق التجارية والسكنية المزدحمة الصاخبة، فتلوثت مياه النهرين، وأصبحت البيئة المحيطة بهما سيئة، مما جعل وظائف المدينة لا تلبي احتياجات السكان في الحياة والإنتاج.

منذ تطبيق انفتاح وتطوير منطقة بودونغ الجديدة في تسعينات القرن العشرين، أصبح برج لؤلؤة الشرق هو المعلم الرئيسي للمدينة، وارتفعت مجموعة من البنايات في منطقة بودونغ الجديدة بسرعة، حيث تقع مجموعة من البنايات المندمجة التي تسمى بـ"معرض البنايات ذات الطراز المعماري العالمي" في منطقة بوشي، وأصبحت أجمل حزام للمواقع السياحية الحضرية في شانغهاي. لكن كان بين العمارات مصانع وأرصفة ومناطق سكانية وأكواخ. إن التغيرات الهائلة التي طرأت على شواطئ نهر هوانغبو لا تنفصل عن معرض الإكسبو العالمي لعام 2010 في شانغهاي. كان الموضوع الرئيسي لهذا الإكسبو هو "مدينة أفضل لحياة أفضل"، الأمر الذي قدم فرصة إستراتيجية لتحويل نهر هوانغبو من حيز الإنتاج إلى حيز الحياة ومن وظيفة الفعل إلى وظيفة الثقافة. انتقل حوض جيانغنان لبناء السفن ومصنع شانغهاي الثالث للحديد والصلب وسكان الأكواخ على ضفتي نهر هوانغبو إلى أماكن أخرى، وأصبحت ضفتا نهر هوانغبو مساحة للفنون والثقافة والبيئة المناسبة للمعيشة والعمل والسياحة، مما فتح فصلا جديدا لشانغهاي. وقد وضعت حكومة المدينة حينذاك خطة المحافظة على حيز الثقافة لمنطقة وايتان للترشيح كموقع للتراث العالمي.

وضعت حكومة شانغهاي إدارة نهر سوتشو في جدول الأعمال بسرعة، بعد تحقيق نتائج ملموسة في تجديد نهر هوانغبو. يعتبر نهر سوتشو أحد مهود الصناعات الوطنية الحديثة الصينية وشهادة حقيقية بأن شانغهاي "أكبر مدينة صناعية صينية". انتشرت على ضفتيه مصانع النسيج والكيمياويات والآلات والمطاحن. عاش وعمل هنا آلاف العمال، وكان ضجيج الآلات الكبيرة لا يتوقف ليل نهار، وتراكمت البضائع بشكل غير منظم، وكانت المواصلات مزدحمة، وصرفت المياه الملوثة إلى النهر حسب إرادة أصحاب المصانع. كان الوضع يشبه إلى حد كبير نهر التايمز في لندن أو نهر السين في باريس. بدأ تجديد نهر سوتشو وإدارته مع اعتماد الجولة الجديدة من الخطة العامة لمدينة شانغهاي لعام 2018، التي طالبت بوضوح "دفع بناء منطقة تجمعات ثقافية على ضفتي نهر هوانغبو وعلى طول نهر سوتشو". ثم أدرج رسميا في الخطة العامة لتطور مدينة شانغهاي، استعادة البيئة وإحياء ثقافة نهر سوتشو. وبحلول عام 2020، تم إكمال الإصلاح وتحسين وظائف 45 كيلومترا من الجزء الجوهري لنهر هوانغبو و42 كيلومترا من الجزء الجوهري لنهر سوتشو، الأمر الذي حسن هيكل النهر وترتيب الوظائف والمواقع البيئية والملامح الثقافية لشانغهاي، وأرسى أساسا جديدا لتطور المدينة في المستقبل.

الخبرات الرئيسية لتجديد وإحياء النهرين

قال أرسطو: "يتجمع الناس في المدينة للحياة، ويبقون في المدينة من أجل حياة أفضل." كلام أرسطو هو أحد مصادر إلهام تحديد "مدينة أفضل لحياة أفضل" كالموضوع الرئيسي، وتحديد مفهوم جديد لتطور المدينة. المدن لا تبنى من أجل زيادة عدد السكان وتنمية الاقتصاد وجمع الثروة فحسب، وإنما أيضا لتوفير سبل حياة جديدة ذات قيمة ومغزى وحلم للناس. إن تجديد النهرين وإحيائهما في شانغهاي هو التطبيق الحي لهذا المفهوم الجديد لتطور المدينة، مغزاه الجوهري ليس تطهير القنوات وإنتاج المزيد من المنتجات الصناعية واليومية، بل هو إعادة المياه النقية والمناظر والبيئة الجميلة إلى السكان. إن تحقيق هذه الغاية صعب، نظرا لاختلافات المصالح والاحتياجات. ومن أجل حل هذه المشكلات، قامت حكومة شانغهاي باستكشافات وحصلت على إنجازات مثمرة، وقدمت مرجعية للمدن العالمية في تجديد المدن وإحياء الثقافة.

أولا، الحكومة تلعب دورا رئيسيا في هذه العملية، وفي نفس الوقت، تهتم بمشاركة المدنية في كامل العملية، وتوازن المصالح العامة والخاصة إلى حد كبير عن طريق التشاور والحوكمة المشتركة مع السكان. الكثافة السكانية والمباني على طول النهرين مرتفعة بالفعل، وهناك نقص كبير في الأراضي الفضاء، وتحويل ضفاف النهر يعني أن بعض المساحات التي كانت في الأصل ملكا للوحدات والمجتمعات سيتم فتحها كأماكن عامة، والتي ستواجه معارضات مختلفة. لا يمكن دفع تحسين ضفاف النهرين بدون إرشاد الحكومة، وإذا قامت الحكومة بالعمل من دون وضع اعتبار لإرادة السكان، فسوف تؤدي إلى تناقضات عديدة. انطلقت الحكومة من مصالح السكان في عملها ووضعت مصالح السكان في مكانة مهمة، الأمر الذي دفع تحقيق الهدف وقدم أمثلة ممتازة في هذا المجال. أزقة جينيانغلي وتاويوانلي التي بنيت في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين هي أزقة شيكومن النموذجية في شانغهاي. وافق السكان على خطة التجديد في البداية لكنهم غيروا رأيهم لاحقا. زود بعض السكان مرحاض خاص بأنفسهم بدلا من استخدام مرحاض عام، لأنهم رأوا أن التجديد سوف يقلص مساحتهم العامة المستخدمة، فلم يوافقوا على الخطة. لكن بعد التجديد وقد أصبح لدى كل أسرة حمام خاص بدلا من المرحاض العمومي، تحسنت البيئة. وخلال عملية إصلاح البيوت في تجمع هونغشيوي، لم يوافق بعض السكان على الإصلاح، إذ كانوا يعتقدون أن الإصلاح غير ضروري، لكن مع تطبيق خطة التجديد، خاصة بعد بناء حديقة زهور أوسمانثوس الحلوة وغرفة الزهور للتشاور، وافقوا على الخطة وطرحوا طلبا بتحويل الجدار بين التجمعين إلى حزام تشجير.

ثانيا، تهتم الحكومة بابتكار السياسات والآليات في عملية التنفيذ بعد بحث وإكمال الخطة العامة، لكي تضمن تنفيذ الخطة بشكل حقيقي وتؤثر إيجابيا على كل ركن في المدينة. إن الخطة العامة هي التصميم والتدبير النظامي، والنتيجة تعتمد على المنفذين. تركز حكومة شانغهاي على احتياجات السكان، وتم تشكيل نظام "ثلاثة متخصصين وثلاثة مستشارين" في عملية الاستكشاف لتحسين التجمع: متخصص العمل السياسي والمخطط والعامل الصحي، مستشار الإدارة ومستشار القانون ومستشار الحوكمة، وقد أصبح هذا النظام وسيلة مفيدة لدفع حوكمة الحيز المكاني وتحسين وظائف المدينة. على سبيل المثال، تتكون تجمعات لياويوان هوايوان السكنية من ثلاثة تجمعات يبلغ متوسط عمرها أكثر من 30 سنة، وتقع في طريق جيانغبو السكني، تبلغ مساحتها 26 ألف متر مربع، وتعيش فيها 416 أسرة، لكن لم يكن هناك ساحة عامة جيدة. اقترح المخطط "هدم الجدران المحيطة وتوسيع الحيز المكاني"، ومن أجل تنسيق الآراء المختلفة والتناقضات، عقدت عشرات الاجتماعات المختلفة، وتم بناء ساحة عامة ترفيهية للسكان. تقع حديقة "كوداي" بالقرب من جامعة تونغجي وكانت حزام التجميل على طول طريق فوشين الذي يبلغ طوله 80 مترا، ومن أجل توسيع وظائفه، اقترح المخطط وضع أرجوحات وزلاقات للأطفال، ووضع أشكال هندسية ملونة على الأرض.

التطلع إلى المستقبل: تعزيز التطوير المنسق بين الثقافة والاقتصاد وبين الصناعات الحديثة النوعية والمدينة الجديدة

تتحول وظائف الضفاف الرئيسية لنهر هوانغبو ونهر سوتشو من الصناعة إلى الحياة، ويتم بناء حزام تشجير يمتاز بالحيوية، لكن هناك بعض المشكلات والتحديات الجديدة. تضعف وظائف الإنتاج والتصنيع للمدينة إلى حد ما عند تعزيز حوكمة البيئة والخدمات العامة وصناعة السياحة والثقافة، مما يؤدي إلى المشكلات المتمثلة في الهيكل الصناعي الواحد وتجانس التخطيط الوظيفي والاستثمارات الفائقة الحد في الموارد العامة والتكاليف العالية في الأداء والضمان. الكثير من المدن تواجه هذه المشكلات في التوارث والتجديد. وفي ظل المنجزات المحققة في الإدارة البيئية وإكمال تخطيط الوظائف الثقافية العامة، يجب تعزيز تطوير الصناعات الحديثة النوعية، ودفع التطوير المنسق بين الخدمات العامة والاقتصاد الحقيقي، وتزويد حيز الثقافة العامة بالوظيفة الصناعية.

أولا، يجب زيادة وظيفة الإنتاج للحيز العام. يجب تحديد الموقع الرئيسي لنهري هوانغبو وسوتشو في الخدمات العامة. بيد أن نزع وظيفة الإنتاج عن الضفاف بشكل سريع يؤدي إلى الانفكاك بين الإنتاج والحياة، ويصبح حيز الخدمات العامة مركزا على الاستهلاك فقط من دون إنتاج، مما يزيد الضغط على الميزانية الحكومية، وهذا ليس مستداما. يجب الاهتمام بتنمية الاقتصاد الحقيقي وتعزيز الوظيفة الصناعية على أساس مبدأ "الجميل والعملي" في المستقبل، لتتحول موارد الحيز إلى أرض الكنوز لدفع ريادة الأعمال وتحقيق الثراء.

ثانيا، يجب تطوير صناعة الثقافة والسياحة عن طريق اختراق العوائق. يهتم تطوير ضفاف النهرين بالثقافة والسياحة في التخطيط الصناعي الحالي، ووظيفته الرئيسية هي تعزيز بناء شانغهاي الجميلة. كانت الوظيفة الرئيسية لضفاف النهرين في التاريخ هي التصنيع، وقد أثر التلوث والضجة على حياة الناس اليومية تأثيرا خطيرا. لذلك، التصنيع والصناعة ليسا النقطتين المركزيتين في الجولة الجديدة من الخطة العامة الجديدة. يجب بحث وتطبيق إعادة التصنيع والتصنيع الجديد للنهرين في المستقبل، وتعزيز تنوع وظائفها بجانب وظيفة الثقافة والسياحة، لجعل ضفاف النهرين قوة جديدة لتنمية اقتصاد شانغهاي.

ثالثا، يجب تسريع دمج تطور الصناعات بتطور المدينة. ثمة تناقض في تطور ضفاف النهرين حاليا، إذ لم يتشكل نظام صناعي جديد ذو حجم مماثل مقارنة مع نظام الصناعات التقليدية، الأمر الذي يؤدي إلى الإفراط في الوظائف المعيشية والنقص في الوظائف الصناعية الكافية. ويجب تطوير التصنيع المتطور والخدمات الإنتاجية والزراعة الحضرية، وتحقيق الاندماج الكافي مع الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبرى والنماذج الكبيرة على أساس استخدام الحيز الحالي بشكل كاف، لبناء نظام الصناعة الحديثة النوعية المتسق مع بيئة النهرين وبيئة الإنسانية، وتشكيل الحزام الحضري التجريبي والمبتكر المتمثل في "الصغير والجميل" و"الصغير والجديد" و"العالي الإنتاج" و"الكامل النظام" و"المعقول التخطيط".

 

--

ليو شي لين، رئيس معهد العلوم الحضرية بجامعة جياوتونغ في شانغهاي، وباحث مخضرم وعميد قسم الأبحاث بالجمعية الصينية لتعزيز التحول الحضري.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4