ملف العدد < الرئيسية

الدمى الحريرية التقليدية في بكين تروي قصص الصين

: مشاركة
2024-12-16 14:12:00 الصين اليوم:Source تشاو يان:Author

تحتضن محافظة هويشوي التابعة لولاية تشياننان الذاتية الحكم لقوميتي بويي ومياو في مقاطعة قويتشو، معهد شنغهوا المهني الذي يقع على ضفاف نهر باينياو، بين الجبال الشاهقة. أسست هذا المعهد غير الهادف للربح السيدة تانغ يان، رئيسة مجلس الإدارة لشركة "تانغرنفانغ" للتطوير الثقافي في حي تونغتشو ببكين. منذ عام 2012، قامت شركتها بمساعدة أكثر من 300 فتاة من الأسر الفقيرة في مقاطعة قويتشو فأصبحن نساء مستقلات اقتصاديا وواثقات بأنفسهن.

رحلة غير تقليدية لخبيرة في تكنولوجيا المعلومات

في ثمانينات القرن العشرين، عندما دخلت دمية باربي الأمريكية إلى الصين أحبتها الكثير من النساء، ومن بينهن تانغ يان. ذات يوم، وجدت تانغ يان مصادفة الدمية الحريرية التقليدية أثناء تجولها في أحد المتاجر، فأعجبت بها كثيرا. قالت: "لم أكن أعلم أن لدينا في الصين مثل هذه الدمى الجميلة." كان هذا اللقاء بمثابة نقطة تحول، فقد تتلمذت تانغ يان، المولعة بالدمى، على يد المعلمة يانغ ناي هوي، وريثة الجيل الثاني لحرفة الدمى الحريرية التقليدية. بل إنها قررت ترك عملها كمهندسة برمجيات وكرست نفسها لتعلم فنون صناعة الدمى الحريرية.

تصنع الدمى الحريرية التقليدية في بكين من الحرير، وتعرف أيضا بـ"التشكيل الحريري". قالت تانغ يان: "كل أجزاء الدمية، من وجهها إلى جسمها، حتى شعرها تصنع من الحرير الطبيعي." بالإضافة إلى ذلك، فإن الحرفية الدقيقة في زينات الدمى تشبه أيضا إلى حد كبير تقنية الترصيع بالخيوط الذهبية والفضية، التي هي من التراث الثقافي غير المادي على المستوى الوطني، مما يجعل كل التفاصيل فريدة من نوعها.

نظرا لتعقيد التقنيات المستخدمة وارتفاع تكلفة المواد الخام، قد يصل سعر الدمية الحريرية إلى عشرات الآلاف يوان (الدولار الأمريكي يساوي 2ر7 يوانات تقريبا حاليا)، وهذا ما جعل تسويقها تحديا كبيرا، فتراجعت مبيعاتها في الأسواق وتقلص عدد الحرفيين المتخصصين فيها.

في البداية، كان صنع الدمى الحريرية مجرد هواية شخصية للسيدة تانغ، ولكن عندما رأت الدمى الحريرية التقليدية تتلاشى تدريجيا، أسست في عام 2003 ورشة صغيرة في حي تونغتشو ببكين تحت اسم "تانغرنفانغ". قالت: "طورنا الدمى بشكل مبتكر وأطلقنا عليها اسما جميلا، وهو 'دمية تانغ'، حيث اختصرت فترة تصنيعها بشكل كبير، وتم تصميمها بشكل يتماشى مع أحدث عناصر الموضة."

انتشرت دمية تانغ، التي تجمع بين الثقافة التقليدية الصينية وعناصر الموضة الحديثة، ودخلت آلاف المنازل. وعلى مدار عشرين عاما، توسعت قاعدة العرض في حي تونغتشو لتصل إلى حوالي 40 ألف متر مربع، كما تم إنشاء فروع متعددة لها في مقاطعتي قويتشو وسيتشوان، بالإضافة إلى العديد من الورشات المخصصة لدعم مشروعات مكافحة الفقر، حيث حققت المبيعات السنوية لدمى تانغ أرقاما مبهرة.

في الوقت نفسه، حظيت دمية تانغ، التي تحمل بصمة الثقافة الصينية، بإعجاب الأصدقاء الأجانب، بعد عرضها خارج البلاد. قالت تانغ يان: "يبدو أن حب الدمية يجري في عروقهم، وبفضل الطابع الثقافي الفريد وسهولة الحمل، أصبحت دمية تانغ الاختيار الأول للهدايا التذكارية للأجانب."

تتمتع دمية تانغ بشعبية واسعة وقد احتلت صدارة المبيعات في سوق "كينغ باور" الحرة في بانكوك، تايلاند. أضافت تانغ يان أن حوالي نصف مبيعات دمى تانغ كان للأجانب، كما أنها ظهرت عدة مرات كهدية دبلوماسية في مناسبات دولية مهمة مثل منتدى التعاون الصيني- الأفريقي، ودورة الألعاب الأولمبية الشتوية ببكين، وقمة مجموعة العشرين، ومنتدى "الحزام والطريق" للتعاون الدولي.

وقد تلقت شركة تانغرنفانغ رسالة شكر من اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية ودورة الألعاب البارالمبية الشتوية في بكين، تقديرا للدعم الكبير الذي قدمته في فعاليات عرض "ثقافة الصين" في القرية الأولمبية الشتوية. وأشادت اللجنة بمساهمات الشركة البارزة في سرد قصة الأولمبياد الشتوية ببكين بشكل جيد ونشر الثقافة الصينية التقليدية الممتازة، مؤكدة أنها شاركت في كتابة فصل جديد في تاريخ المدينة الأولمبية المزدوجة.

في عام 2022، قام المركز الدولي للإبداع والتنمية المستدامة (الصين) التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بعرض منتجات "تانغرنفانغ" على الساحة العالمية، كنموذج عملي لتوارث وحماية التراث الثقافي غير المادي، فصارت الدمية الحريرية التقليدية في بكين حاملا رائعا للثقافة الصينية.

إحياء التراث الثقافي غير المادي بالابتكار

على مدى سنوات، تطور متحف الدمى الحريرية التابع لشركة تانغرنفانغ من مجرد ورشة إنتاج إلى متحف كبير. قالت تانغ يان: "ندعو الجميع لاستكشاف وتجربة صناعة الدمى الحريرية لنشر هذه الحرفة الفريدة على نطاق واسع. فمن خلال ذلك، نجعل المستهلكين يشترون منتجات هذه الحرفة بكل رضا وثقة."

الابتكار هو سر نجاح تانغ يان في إحياء فن الدمى الحريرية ببكين. لا ينضب معين أفكارها البديعة والمبتكرة، وتتحلى بكفاءة عالية لتحويل الأفكار إلى واقع ملموس بسرعة. في عام 2024، طورت شركة تانغرنفانغ خدمة إنتاج الدمى حسب الطلب الخاص. قالت تانغ يان: "يرسل الزبائن صورهم إلينا، ونستخدم تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد الملونة لتصنيع دمى شخصية لهم." أضافت أن الشركة تستخدم طابعات ملونة مستوردة من الخارج، مما يجعل تكلفة إنتاج الوجه لدمية واحدة تصل إلى حوالي 200 يوان، وهو سعر مرتفع نسبيا. لذلك، تعمل شركة تانغرنفانغ الآن على التعاون مع مؤسسات للبحث العلمي في هذا المجال لتصميم وتطوير الطابعات الثلاثية الأبعاد المحلية لتقليص تكلفة إنتاج الدمية بشكل كبير.

تولي تانغ يان اهتمامها لمشروع "دمج التراث الثقافي غير المادي بالتكنولوجيا" كما تخطط في الوقت نفسه مشروع "التكامل بين التراث الثقافي غير المادي والسياحة الثقافية". في عام 1968، عثر أهالي قرية تشانغجياوان في حي تونغتشو ببكين على شاهدة قبر الكاتب الصيني المعروف تساو شيويه تشين، مؤلف رواية ((حلم القصور الحمراء))، وقد لفت هذا الاكتشاف أنظار عشاق روايته إلى هذا المكان، من هنا بدأت مسيرة دراسة ((حلم القصور الحمراء)) في قرية تشانغجياوان القديمة. هذا الأمر ألهم تانغ يان، حيث نشأت لديها فكرة إنشاء دار ضيافة فنية تجمع بين الثقافة المحلية والتراث الثقافي غير المادي. قالت: "ستزين كل غرفة بموضوع مختلف حول شخصيات معينة، مع توفير دمى هذه الشخصيات والمستلزمات المرتبطة بها، مما سيسهم في تطوير السياحة."

بفضل الحب العميق والشعور بالمسؤولية، تواصل تانغ يان عملها للمحافظة على التراث الثقافي وتوارثه، وترى أنه إذا انتظرنا مكتوفي الأيدي، ستندثر هذه الثقافة الرائعة تدريجيا مع رحيل الحرفيين القدامى.

تتبحر تانغ يان في دراسة الملابس التقليدية القديمة، من أجل تصنيع الدمية الحريرية بشكل دقيق وحي. قالت: "في العصور القديمة، كان نظام الملابس من حيث ألوانها وزخارفها يتبع معايير دقيقة تعكس ذوقا رفيعا، ومن هنا، ظهرت العديد من جوانب الثقافة الصينية التي تتمتع بسحر خاص وجاذبية كبيرة. كانت اليابان قد تأثرت بالحرير الصيني في فترة أسرة تانغ وطورت منسوجات نيشيجين التي صارت من أرقى المنتجات الفاخرة في العالم. يعد حرير فترة أسرة تانغ جزءا من التراث التقليدي الصيني، فإن خطوتنا القادمة تهدف إلى تسليط الضوء على هذا الفن العريق والعمل على إحيائه." من أجل تحقيق ذلك، عملت تانغ يان على نشر ثقافة الصباغة والنسج والتطريز، حيث تخطط لإنشاء متحف خاص بهذه الفنون ليكون إضافة لمتحف الدمى الحريرية التابع لشركة تانغرنفانغ.

كما هو واضح للجميع، لم تعد "تانغرنفانغ" مجرد شركة تجارية، بل أصبحت تحمل طابعا بحثيا. في إطار مشروع "خطة بكين العلمية لعام 2015" وموضوع "الاقتباس والتطوير لعناصر أزياء الأقليات القومية في جنوب غربي الصين"، قامت شركة تانغرنفانغ بإصدار كتاب بعنوان ((الرسوم.. قراءة في الزخارف الثقافية لأزياء قومية مياو في جنوب غربي الصين)). ومن المنتظر أن يصدر قريبا كتاب آخر يركز على موضوع الدمى الحريرية التقليدية في بكين.

مستقبل أفضل للأطفال الفقراء

ما هي أفضل طريقة للمحافظة على التراث الثقافي غير المادي في العصر الجديد؟ تعتقد تانغ يان أن الأسلوب التقليدي القائم على تعليم المعلم لتلاميذه يركز فقط على نقل المهارات، لكن الأمر الأكثر أهمية الآن هو كيفية دمج الحرف التقليدية المتميزة بمفاهيم التصميم الحديثة والجماليات العصرية، لضمان حماية وتوارث التراث الثقافي بشكل فعال.

قررت تانغ يان وأصدقاؤها إنشاء كلية للتدريب المهني، للمساهمة في حملة مكافحة الفقر في الصين، وتم اختيار موقع الكلية في مقاطعة قويتشو، التي كانت تواجه تحديات كبيرة في خطط التخلص من الفقر. في عام 2011، وبالتعاون مع معهد شنغهوا المهني في مقاطعة قويتشو، تأسست كلية التراث الثقافي غير المادي التابعة لشركة تانغرنفانغ، الأمر الذي فتح أبوابا نحو مستقبل أفضل للطلاب المحليين الفقراء.

من خلال التدريبات المهنية، والمشاركة في النشاطات الثقافية الكبرى، وفرص الدراسة في الخارج، تسعى كلية التراث الثقافي غير المادي التابعة لشركة تانغرنفانغ إلى توسيع آفاق طلابها وتعزيز مهاراتهم في تنسيق الألوان، وتصميم الرسوم والملابس، وتنمية أذواقهم الأدبية بشكل منهجي.

قالت تانغ يان: "شنغهوا هو المعهد الوحيد الذي يقع في قرية بالصين. عند تأسيس كلية التراث الثقافي غير المادي، كان الطريق من الكلية إلى مركز المحافظة طينيا وعرا يصعب السير عليه، وخاصة في الأيام الممطرة، وكانت السيارة تقطعه في ساعة تقريبا برغم أن طوله لا يتجاوز عشرة كيلومترات." اليوم، صار الطريق أسفلتيا وواسعا وأصبحت السيارة تقطعه في عشر دقائق فقط. خلال السنوات العشر الماضية، غيرت الكلية مستقبل أكثر من خمسمائة فتاة من العائلات الفقيرة في جبال مقاطعة قويتشو. هؤلاء الفتيات اللائي كن عرضة للتسرب من المدرسة، تعلمن وأصبحن شرارات تضيء مشاعل تنير طريق فن الدمى الحريرية.

تخرجت الفتاة وو تشي نا في كلية التراث الثقافي غير المادي. بدأت قصتها بإعجاب بجمال الدمى ثم تحول الإعجاب إلى إيمان قوي بأهمية المحافظة على فن الدمى الحريرية، فأصبحت واحدة من أبرز المساعدين لتانغ يان. حصلت وو تشي نا مؤخرا على شهادة البكالوريوس من معهد بكين للأزياء، وقالت إن معظم زميلاتها يعملن أيضا في مجالات متعلقة بهذا الفن.

قالت تانغ يان: "كان الدافع الأصلي لإنشاء كلية التراث الثقافي غير المادي هو فتح أبواب الأمل للأطفال الفقراء." وأضافت أن الدراسة بالكلية مجانية، وتحصل الطالبات على إعانة شهرية قدرها ثلاثمائة يوان. وبعد التخرج، تضمن شركة تانغرنفانغ توفير فرص العمل للخريجات، حيث يمكن أن يصل الدخل الشهري الأعلى للفرد إلى أكثر من عشرة آلاف يوان.

قالت تانغ يان إن فتاة تعلمت تحت إشرافها مهارات تحضير الشاي والقهوة، ثم فتحت مقهى وزينت كل أركانه بمنتجات مصنوعة يدويا باستخدام التقنيات التي اكتسبتها في الكلية، مما أضفى على المقهى طابعا فريدا. وعندما أصبحت تلك الفتاة ميسورة الحال، لم تنس دعم الجيل الجديد. قالت تانغ يان بسعادة: "هذه ليست قصة نادرة." فالكثير من الخريجات يحرصن على التبرع للكلية بعد عملهن، ومع توسع تأثير الكلية، بادرت العديد من المؤسسات الاجتماعية والمتبرعين إلى تقديم الدعم المالي، مما مكنها من زيادة الإعانة الشهرية لكل طالبة إلى خمسمائة يوان.

بالإضافة إلى ذلك، أنشأت شركة تانغرنفانغ ورشة إنتاج في حي التوطين الجديد، ضمن خطة تخفيف الفقر في محافظة هويشوي بولاية تشياننان في مقاطعة قويتشو. فحصل السكان المحليون الذين انتقلوا إلى منازل جديدة على وظائف مستقرة أيضا.

بشعار "إما أن لا أفعل، وإن فعلت أكون في المرتبة الأولى"، بذلت تانغ يان كل جهودها لتحقيق مبادئها في الحياة في كل ما تحب. في عام 2016، أصبح معهد شنغهوا من النقاط النموذجية لتوارث وابتكار ثقافة القوميات من بين جميع المعاهد المهنية في الصين، وذلك من خلال تقييم مشترك قامت به وزارة التعليم ووزارة الثقافة واللجنة الوطنية لشؤون القوميات. وقد فاز المعهد وطلابه بعدة بطولات في مسابقات وطنية، ونال المرتبة الأولى في جائزة ثمار التعليم التي تمنحها مديرية التعليم في مقاطعة قويتشو، بفضل جهودها الناجحة في مكافحة الفقر. كما أدرجت تانغ يان في "قائمة الخيرين في الصين"، واختيرت ضمن "أبرز عشر شخصيات في العام المنصرم" في ولاية تشياننان، كما حصلت على لقب "الموهبة البارزة" في تقييم حي تونغتشو.

قالت تانغ يان: "خلال الفترة الأخيرة، صار الطلب على الدمى أكثر من العرض." في المستقبل، ستأتي تانغ يان بمزيد من المفاجآت في إطار تعزيز التكامل المتبادل بين التراث غير المادي والاقتصاد.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4