عيد الربيع الصيني، المعروف أيضا بعيد رأس السنة القمرية، واحد من أعرق الأعياد التقليدية في العالم. حل عيد الربيع لعام 2025 في التاسع والعشرين من يناير، حيث احتفل الصينيون بعيد لم شمل الأسرة، فاجتمعت العائلات والأصدقاء وزينت جميع الأراضي الصينية باللون الأحمر والفوانيس والإضاءات.
وفي إطار الجهود العالمية لحفظ التراث الثقافي، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في ديسمبر 2024 هذا العيد على قائمة التراث الثقافي غير المادي. ويعد عيد الربيع رمزا للهوية الثقافية الصينية وجسرا للتواصل بين الشعوب. يُبرز هذا الإدراج أهمية المحافظة على العادات والتقاليد التي تعبر عن القيم الإنسانية المشتركة، مثل الألفة العائلية والتواصل واحترام الطبيعة ودورة الحياة.
سأحاول في هذا المقال، تسليط الضوء على أبعاد هذا العيد وأهميته العالمية، بالإضافة إلى تجربتي الشخصية المستمرة لقرابة ثلاثة عقود في التعايش مع الشعب الصيني وثقافته.
الأبراج الصينية
تتكون الأبراج الصينية من اثني عشر برجا تُحسَب بالعام، ولهذا تسمى أعوام الأبراج الصينية. وترجع احتفالات عيد الربيع إلى عام 2600 ق. م. ويعتمد التقويم القمري الصيني السنوي على دورات القمر، وتستغرق الدورة الكاملة ستين عاما وتتكون من خمس دورات مدة كل دورة اثنا عشر عاما. ويطلق على كل عام من هذه الأعوام الاثني عشر اسم حيوان. وتبدأ أول الأعوام بعام الفأر ثم يأتي بعدها في الترتيب أعوام الثور والنمر والأرنب والتنين والثعبان والحصان والخروف والقرد والديك والكلب والخنزير.
ويشير البعض إلى أن عيد الربيع مرتبط بقدوم الربيع، حيث أن الصين القديمة كانت مجتمعا زراعيا، وقد قام الصينيون عبر آلاف السنين باستخدام التقويم التقليدي بهدف إرشاد المزارعين إلى المواقيت المناسبة لزراعة المحاصيل وحصادها، وكان عيد الربيع محددا بأول يوم لموسم الربيع، ثم أصبح في بداية الشهر الأول من التقويم القمري التقليدي.
عيد يحتفل به العالم
لا يقتصر الاحتفال بعيد الربيع على الصين وحدها، بل يمتد ليشمل مجتمعات صينية كبيرة في أنحاء العالم. ففي نيويورك مثلا، يضاء الحي الصيني بالفوانيس الحمراء وعروض التنين التي تجذب آلاف الزوار. وفي باريس تصبح شوارع المدينة مسرحا لمواكب احتفالية تنبض بالحياة. حتى في سيدني، تعج الموانئ بالعروض النارية التي تضفي طابعا مميزا على الحدث، ويختتم عيد الربيع بمهرجان الفوانيس، حيث تضاء الفوانيس المزخرفة بأشكال وألوان متنوعة، في مشهد يعكس جمال الثقافة الصينية. كما يشارك الناس في حل الألغاز المكتوبة على الفوانيس، مما يضفي طابعا احتفاليا وتفاعليا.
أما في مصر، فقد أصبحت احتفالات الجالية الصينية مناسبة سنوية تجمع بين الثقافتين المصرية والصينية. تقام فعاليات متنوعة تتضمن العروض الفنية والأسواق التقليدية وتجارب الطهي الصيني التي تتيح للجميع فرصة تذوق أطباق شهيرة، خاصة مع انتشار المطاعم الصينية في أماكن كثيرة من مصر ومنها "جياوتسي" و"البط المشوي". والحقيقة أن هذه الفعاليات لا تظهر الترابط الثقافي بين الشعبين فحسب، وإنما أيضا تعكس احترام مصر للتنوع الثقافي واستعدادها للاحتفاء بتقاليد شعوب أخرى.
تجربة شخصية عبر ثلاثة عقود
بالنسبة لي، عيد الربيع أكثر من مجرد مناسبة ثقافية. فخلال ثلاثين عاما مضت، أتيحت لي الفرصة للاحتفال بهذا العيد مع أصدقائي الصينيين سواء في الصين أو خارجها. ولا تزال ذكريات حضور أول احتفال بعيد الربيع في بكين محفورة في ذهني، حيث تجتمع العائلات حول موائد الطعام المليئة بالأطباق التقليدية، ويتبادل الأصدقاء مظاريف النقود الحمراء (هونغباو- العيدية) التي تحمل معنى البركة ورجاء مستقبل أفضل.
خلال فترة دراستي بجامعة بكين في نهاية تسعينيات القرن العشرين، كان عيد الربيع مناسبة للاندماج مع أصدقائي الصينيين، حيث كانوا يدعونني إلى منازلهم لمشاركتهم عشاء ليلة رأس السنة. كان الجو مليئا بالدفء والبهجة، واكتشفت من خلال هذه التجارب القيم العائلية التي تتميز بها الثقافة الصينية. أكثر ما لفت انتباهي هو الدقة في تحضير "جياوتسي" والطريقة التي تحكى بها القصص العائلية أثناء تحضير الطعام، مما يعكس الأهمية العاطفية والاجتماعية لهذا العيد.
وخلال عملي في بكين، كانت هذه المناسبة فرصة لتعزيز العلاقات الثقافية بين مصر والصين. حيث كنا ننظم فعاليات احتفالية يشارك فيها أبناء الجالية المصرية وزملاء صينيون، ونقدم خلالها أطباقا مصرية ونعرف الضيوف على الثقافة المصرية، مما أضاف بعدا جديدا للتواصل الثقافي. كما شاركت أسرتي في هذه الاحتفالات، واستمتعنا بتجربة المظاهر الفريدة للعيد، مثل عروض الرقص الشعبي الصيني ومهرجان الفوانيس، وهذا أثرى فهمنا للثقافة الصينية.
عيد الربيع وتعزيز التعايش الثقافي
يمثل عيد الربيع نموذجا حيا لدعم مبادرة "الحضارة العالمية" التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ في مارس 2023، والتي تهدف إلى تعزيز التبادل الثقافي والحوار بين الشعوب. الاحتفال بهذا العيد في بلدان مختلفة حول العالم، بما في ذلك الدول العربية، يعكس قدرة الثقافة على تجاوز الحدود، وبناء أواصر التفاهم المتبادل. فعلى مدار العقود الماضية، أصبحت فعاليات عيد الربيع جسرا للتواصل بين الصين والعالم، تعبر من خلاله الصين عن استعدادها لتقاسم ثرواتها الثقافية كوسيلة لنشر السلام.
احتفاء بالحضارة والتاريخ
يتميز عيد الربيع بارتباطه بموروث ثقافي يمتد لآلاف السنين. تبدأ الاحتفالات بتحضيرات مكثفة تشمل تنظيف المنازل للتخلص من الطاقة السلبية، وتزيينها بالفوانيس الحمراء التي ترمز للحظ السعيد. كما تقام احتفالات جماعية، تشمل عروض الألعاب النارية ورقصات التنين والأسد التي تهدف إلى طرد الأرواح الشريرة وجلب السعادة. وإلى جانب الطقوس التقليدية، يمثل العيد فرصة للتعبير عن مشاعر الامتنان والوفاء للعائلة. يلتقي الصينيون من أجيال مختلفة حول مائدة واحدة، ويتبادلون الأمنيات الطيبة والهدايا. هذه القيم العالمية التي يحتفي بها الصينيون في عيدهم، تعزز من فهمنا المشترك لأهمية الأسرة والترابط الإنساني.
رسالة للعالم
إن احتفالات عيد الربيع، سواء في الصين أو خارجها، تعكس كيف يمكن للثقافة أن تكون جسرا للتواصل بين الشعوب. ومن خلال مشاركتي في هذه الاحتفالات، شعرت بأن عيد الربيع ليس مجرد مناسبة صينية، بل هو عيد عالمي يخص كل من يؤمن بأهمية التعايش والاحتفاء بالتنوع الثقافي.
ختاما، يُعد عيد الربيع الصيني مناسبة احتفالية تحمل أبعادا حضارية وإنسانية عميقة. وإدراجه ضمن التراث الثقافي غير المادي ليس تكريما للثقافة الصينية فحسب، وإنما أيضا دعوة لجميع شعوب العالم للالتقاء حول قيم السلام والتعايش. ومع اقتراب الاحتفال بعيد الربيع لعام 2025، يمكن أن يشكل هذا العيد فرصة لتجديد الالتزام بقيم التسامح والانسجام التي يحتاج إليها العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى. أدعو كل من لم يشارك في احتفالات عيد الربيع من قبل أن يخوض هذه التجربة. إنها ليست فرصة للتعرف على ثقافة عريقة فحسب، وإنما أيضا دعوة للتأمل في قيم التسامح والاحترام المتبادل.
--
أحمد سلام، المستشار الإعلامي الأسبق بسفارة مصر لدى الصين، وعضو جمعية الصداقة المصرية- الصينية.