ملف العدد < الرئيسية

إعادة تشكيل نمط الانفتاح.. الصين ستواصل توسيع انفتاحها بثبات

: مشاركة
2026-02-14 14:14:00 الصين اليوم:Source دون تشي قانغ:Author

وجه مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي السنوي للصين، الذي عقد في بكين يومي العاشر والحادي عشر من شهر ديسمبر 2025، إشارة واضحة بأن الصين ملتزمة بمواصلة توسيع انفتاحها.

وقد حدد المؤتمر "المضي قدما بثبات في الانفتاح المؤسسي وتوسيع نطاق الانفتاح بمبادرة ذاتية في قطاع الخدمات بطريقة منظمة"، كركيزة أساسية لعمل الانفتاح على الخارج في الصين خلال عام 2026، وخلال فترة "الخطة الخمسية الخامسة عشرة"، مما يمثل مرحلة جديدة لانفتاح الصين تركز بشكل أكبر على "الجودة والقواعد"، وتبرز "الريادة في الخدمات"، وتؤكد على مبدأ "التعاون والفوز المشترك".

ومن هذا المنطلق، يتجاوز الانفتاح المؤسسي وانفتاح قطاع الخدمات الجوانب الاقتصادية، ليتناول قضايا الحوكمة العالمية. فمن خلال توفير المزيد من المنافع العامة في مجالات القواعد والمعايير والحوكمة، يمكن للصين أن تشارك بشكل أفضل في تعزيز تحرير وتسهيل التجارة والاستثمار، مع الانخراط بشكل أعمق في الأجندات العالمية، مثل الحوكمة الرقمية وحوكمة المناخ وحوكمة الصحة. كما يمكنها طرح مقترحات أكثر شمولا واستدامة حول "كيفية الانفتاح" و"لمن يفتح" و"بأي طريقة يفتح".

مع استمرار تطبيق إجراءات الإصلاح الرئيسية ومبادرات الانفتاح، ستعزز الصين، التي باتت أكثر انفتاحا بفضل مؤسساتها الأكثر نضجا وخدماتها الأكثر تطورا وتعاونها الأوسع، دورها كمرساة استقرار ومصدر قوة محركة والمُضاعِف للنمو في خضم التغيرات التي لم يشهدها العالم منذ مائة سنة. وسيضخ ذلك زخما جديدا في مسيرة التنمية العالية الجودة في الصين، مع توفير دعم أقوى وحلول عملية للتعافي الاقتصادي العالمي وتطور الحوكمة العالمية.

الانفتاح المؤسسي يرسخ أسس مؤسسية للتعاون العالي المستوى

أرسل مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي رسالة واضحة لا لبس فيها: لم يعد انفتاح الصين في العصر الجديد مقتصرا على تدفق السلع أو رؤوس الأموال أو الأفراد عبر الحدود، بل بات يركز بشكل متزايد على مواءمة القواعد واللوائح والإدارة والمعايير المحلية مع المعايير الاقتصادية والتجارية الدولية رفيعة المستوى. قد مرت الصين، إلى حد كبير، بمرحلة من الانفتاح تميزت بتخفيض الرسوم الجمركية وتسهيل الوصول إلى الموانئ، وهي الآن تتجه بخطى متسارعة نحو نمط جديد من الانفتاح يرتكز على المواءمة المؤسسية. ويسعى الانفتاح المؤسسي، في جوهره، إلى بناء بيئة أعمال شفافة ومستقرة وقابلة للتنبؤ من خلال الابتكار المؤسسي والإصلاحات الانتقالية في مجالات رئيسية كحماية حقوق الملكية والدعم الصناعي ومعايير البيئة والعمل والمشتريات الحكومية والتجارة الإلكترونية والمراقبة المالية. والهدف من ذلك هو تحقيق توافق عميق بين الإطار المؤسسي المحلي في الصين والقواعد الدولية المعتمدة على نطاق واسع.

تحمل ترتيبات المؤتمر ثلاثة مستويات على الأقل من الأهمية الإستراتيجية، هي: أولا، أنها تمثل خطوة حاسمة نحو التخفيف من حدة عدم اليقين الخارجي، وتعزيز مبادرة الصين في الانفتاح. فاليوم، تحول التنافس العالمي على الانفتاح من "مستويات التعريفات الجمركية" إلى "سلطة وضع القواعد". ومن التجارة الرقمية والاستثمار الأخضر، إلى أمن سلاسل التوريد وتدفقات البيانات العابرة للحدود، أصبحت القواعد العالية المعايير متغيرات حاسمة في إعادة تشكيل تقسيم العمل العالمي. من خلال التوسع المطرد في الانفتاح المؤسسي، ترسخ الصين تنميتها بشكل أعمق في النظام الاقتصادي العالمي عبر توفير قواعد عالية الجودة، منتقلة من التكيف السلبي إلى مشاركة أكثر فاعلية في صياغة القواعد.

ثانيا، أن هذا النهج يعكس أيضا جهدا منهجيا لاستخدام الانفتاح كدافع للإصلاح. فالانفتاح المؤسسي، بطبيعته، موجه نحو الإصلاح. ويسهم قياس الأداء وفقا لاتفاقيات عالية المستوى، مثل الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ، واتفاقية الشراكة في الاقتصاد الرقمي، في خلق ضغط داخلي يدفع نحو تحسينات محلية في سياسات المنافسة، واللوائح البيئية وحماية العمال والحوكمة الرقمية. وتساعد هذه العملية على إزالة العوائق الخفية وسد الثغرات المؤسسية، مما يعزز سوقا محلية موحدة وعادلة وشفافة وقابلة للتنبؤ، ويترجم "التحسينات المؤسسية الملموسة" إلى "فرص سوقية حقيقية" للشركات.

ثالثا، أن هذا النهج يوفر مسارا عمليا لتوسيع نطاق "العوائد المؤسسية". فسواء من خلال "اختبار الضغط" لمناطق التجارة الحرة التجريبية بما يتوافق بشكل شامل مع قواعد التجارة العالية المستوى، أو من خلال العمليات الجمركية الخاصة على مستوى جزيرة هاينان في ميناء التجارة الحرة، تستخدم الصين برامج تجريبية وتجارب مرحلية لتحقيق نتائج قابلة للتحقق ونماذج قابلة للتكرار وعوائد قابلة للقياس الكمي. وبمجرد أن يصل الانفتاح المؤسسي إلى نطاق كاف، فإنه لا يقتصر على "فتح مدينة واحدة" أو "تعزيز ميناء واحد". بدلا من ذلك، يساعد هذا النهج على تحسين تخصيص الموارد على مستوى الدولة من خلال تغيير مؤسسي منسق.

ومن خلال مواصلة الصين تعزيز انفتاحها المؤسسي وفقا للتوجه الذي حدده مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي هذه المرة، فإنها ستشارك في الحوكمة الاقتصادية العالمية على نحو أعمق، مما يوفر للعالم مؤسسات أكثر استقرارا وشفافية وموثوقية.

توسيع نطاق الانفتاح بمبادرة ذاتية في قطاع الخدمات بطريقة منظمة

إذا كان "الانفتاح المؤسسي" يحدد إطارا مؤسسيا لانفتاح الصين على العالم، فإن "توسيع نطاق الانفتاح بمبادرة ذاتية في قطاع الخدمات"، يحدد نقطة الاختراق الرئيسية للمرحلة التالية، ألا وهي قطاع الخدمات.

فقد احتلت الصين المرتبة الأولى عالميا في تجارة السلع لعدة سنوات متتالية. كما حافظت تجارتها في الخدمات على مكانتها بين الأكبر عالميا، وتجاوزت حاجز التريليون دولار أمريكي لأول مرة في عام 2024. وشهد قطاعا خدمات الإنتاج الراقية والتجارة الرقمية نموا قويا بشكل خاص. وفي هذا السياق، حدد مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي "توسيع نطاق الانفتاح بمبادرة ذاتية في قطاع الخدمات" كمهمة رئيسية، مما يشير إلى نية واضحة لاستخدام الخدمات كركيزة أساسية لتطوير "منحنى نمو ثان" للاقتصاد الصيني.

يشير التوسيع "بطريقة منظمة" إلى وتيرة العمل وحدوده. سيتم الانفتاح تدريجيا، قطاعا تلو الآخر، ومنطقة تلو الأخرى، مع الحرص على عدم تجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بالأمن الوطني وأمن البيانات والاستقرار المالي. سيتم فتح ما يمكن فتحه بحزم، وسيتم التعامل مع ما يتطلب الحذر بحذر، وسيتم تنظيم ما يجب تنظيمه بدقة. أما الانفتاح "بمبادرة ذاتية" فيؤكد على المبادرة. هذا ليس انفتاحا تحت ضغط خارجي، بل هو عملية تسترشد بمرحلة التنمية الخاصة بالصين، وهيكلها الصناعي ومزاياها النسبية.

من منظور التوجه السياسي، فإن الانفتاح بمبادرة ذاتية في قطاع الخدمات له ثلاث نقاط تركيز رئيسية على الأقل: أولا، تعزيز السماح بالنفاذ إلى الأسواق في مجموعة من القطاعات ذات الأولوية. تعد قطاعات التمويل والاتصالات والرعاية الصحية والتعليم والثقافة والخدمات المتخصصة من أكثر المجالات حساسية لتحرير الخدمات لمختلف دول العالم، كما أنها نقاط تجمع للحلقات العالية القيمة في سلسلة القيمة. من خلال التقليص المستمر لـ"المناطق المحظورة" و"المناطق الرمادية" عبر القائمة السلبية، وتوسيع "المجال الإيجابي" للسماح المتكافئ بالنفاذ إلى الأسواق، فإن هذا لا يساعد في جذب المزيد من الاستثمار الأجنبي العالي الجودة للمشاركة في تطوير قطاع الخدمات الصيني فحسب، وإنما يسهم أيضا في تحفيز الشركات المحلية لتعزيز قدراتها المهنية وجودة خدماتها، وبدورها، تهيئ المنافسة الكاملة الظروف لظهور علامات تجارية خدمية قادرة على المنافسة عالميا.

ثانيا، بناء ميزة الانفتاح في المجالات الناشئة. أكد مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي عام 2025 بوضوح على تشجيع ودعم تصدير الخدمات، والتنمية النشيطة للتجارة الرقمية والتجارة الخضراء. وهذا يعني أنه من الحوسبة السحابية والإنترنت الصناعي وحلول الذكاء الاصطناعي إلى التمويل الأخضر وخدمات إدارة أصول الكربون، فإن الصين لا تهدف أن تكون "المصنع العالمي" في مجال التصنيع فحسب، وإنما أيضا أن تصبح "مزودا عالميا للحلول" في الخدمات الرقمية والخضراء، وتشارك في وضع القواعد العالمية وصياغة المعايير من خلال الانفتاح والتعاون.

ثالثا، لتحقيق التوازن بين المعايير الدولية والواقع المحلي في الترتيبات المؤسسية. يرتبط انفتاح تجارة الخدمات ارتباطا وثيقا بموضوعات مثل تدفق البيانات عبر الحدود وحماية خصوصية الأفراد وحوكمة الخوارزميات. وفي هذا السياق، يتعين على الصين الانخراط بفعالية في صياغة المعايير الدولية وتعزيز التعاون بشأن قواعد التجارة الرقمية ومعايير التمويل الأخضر، مع مراعاة مرحلة تطورها الذاتي، لبناء إطار مؤسسي يجمع بين الانفتاح والأمن والشمول، مما يوفر مسارا صينيا متميزا للحوكمة العالمية للتجارة في مجال الخدمات.

ومع انتقال الانفتاح بمبادرة ذاتية في قطاع الخدمات من برامج تجريبية تدريجية على نطاق كمي إلى تطبيق أكثر منهجية، من المرجح أن يتحول هيكل التجارة الخارجية للصين من نموذج تهيمن عليه تجارة السلع إلى نموذج ثنائي المحرك يعتمد على السلع والخدمات معا، ما يؤدي إلى تسريع الارتقاء نحو المستويات المتوسطة والعليا في سلسلة القيمة العالمية.

"مرساة الاستقرار" و"المضاعف" في شبكات التعاون العالمية

الانفتاح ليس أداء فرديا من جانب واحد، بل هو أداء جماعي متناغم لتحقيق فوز متعدد الأطراف. وضع مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي "تعزيز التعاون والفوز المشترك في مجالات متعددة" في نفس الفقرة مع "المضي قدما بثبات في الانفتاح المؤسسي وتوسيع نطاق الانفتاح بمبادرة ذاتية في قطاع الخدمات بطريقة منظمة" للتخطيط الموحد، مما يشير بوضوح إلى أن انفتاح الصين لا يسعى ببساطة لـ"تحسين الكفاءة الداخلية"، بل هو استجابة استباقية للاحتياج المشترك للعالم لتوقعات مستقرة وفرص تنموية.

من ناحية، سيستمر الانفتاح المؤسسي العالي المستوى وانفتاح قطاع الخدمات في ترسيخ مكانة الصين كـ"مرساة الاستقرار" ضمن شبكات التعاون العالمية. في ظل تصاعد الحمائية العالمية وتزايد تشظي التجارة والاستثمار، فإن التزام الصين الراسخ بالمحافظة على نظام التجارة المتعددة الأطراف، الذي تتمحور حوله منظمة التجارة العالمية، وتعزيز توقيع المزيد من اتفاقات التجارة والاستثمار الإقليمية والثنائية العالية المستوى، ودفع التكامل بين التجارة والاستثمار والتطور الموحد للتجارة الداخلية والخارجية، هو في حد ذاته إطلاق لإشارة قوية للعالم بـ"الاستقرار الطويل الأجل والانفتاح المستمر".

تحتل الصين صدارة العالم في تجارة السلع للعام الثامن على التوالي، ويتواصل نمو حجم تجارة الخدمات فيها، وهي الشريك التجاري الرئيسي لأكثر من 150 دولة ومنطقة. ولا يزال "الاستثمار في الصين" اختيارا إستراتيجيا للشركات العالمية المتعددة الجنسيات في تخطيطها الطويل الأجل. في المستقبل، مع تسريع إطلاق ثمار الانفتاح المؤسسي، ستصبح مراكز الانفتاح الرئيسية مثل مناطق التجارة الحرة التجريبية وميناء هاينان للتجارة الحرة، أكثر ترابطا مع الأطر المتعددة الأطراف، مثل الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ ومبادرة "الحزام والطريق" وتعاون دول بريكس، لتوفر للدول في جميع أنحاء العالم اختيارات سوقية وقنوات تعاون أكثر تنوعا.

من ناحية أخرى، سيصبح الانفتاح بمستوى أعلى "مضاعفا" يضخم التعاون المتبادل المنفعة بين الصين والعالم. فسواء في التجارة الرقمية أو التجارة الخضراء، أو في الخدمات الطبية أو التعليمية أو الثقافية والسياحية، فإن انفتاح قطاع الخدمات يتمتع بطبيعته بتأثير انتشار قوي: من جهة، يساعد على ترقية الصناعات الداخلية للصين وتحسين فرص العمل، ومن جهة أخرى، من خلال نقل التكنولوجيا وبناء القدرات وتنسيق المعايير، يساعد المزيد من الدول النامية على تعزيز قدرتها على المشاركة في تقسيم العمل العالمي، لتحقيق مجتمع المصالح المشتركة الذي "يكون فيه كل منا في الآخر".

--

دون تشي قانغ، باحث في معهد تشونغيانغ للدراسات المالية التابع لجامعة رنمين الصينية.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4