استهدفت الخطة الخمسية الرابعة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية (2021- 2025) والأهداف الطويلة المدى حتى عام 2035 في الصين، تسريع وتيرة تطوير "الصناعات المستقبلية"، وتنمية الصناعات الرائدة والأساسية، والدفع بالتكامل والتجمع والتنمية الخضراء للصناعات الناشئة الإستراتيجية، سعيا لرفع نسبة إسهامها في الناتج المحلي الإجمالي إلى 17%، وذلك في قطاعات محورية تشمل الجيل الجديد من تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية والطاقة الجديدة والمواد الجديدة والمعدات المتطورة ومركبات الطاقة الجديدة، وحماية البيئة الإيكولوجية والطيران والفضاء والمعدات البحرية، مع تسريع التطبيق المبتكر للتكنولوجيا الجوهرية الرئيسية، ورفع القدرة على ضمان عوامل الإنتاج، وتنمية وتعزيز محركات جديدة للتنمية الصناعية. كما وضعت الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026- 2030) الذكاء الاصطناعي والتحديث الصناعي في صميم إستراتيجية التنمية، بما يرسخ التحول عن نموذج النمو التقليدي، نحو الاعتماد أكثر على التكنولوجيا.
ويحظى ملف "الصناعات المستقبلية" بالمزيد من الاهتمام والمناقشة، وذلك فيما يتعلق بطبيعة إسهاماته المتوقعة في الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل الفجوة بين دول ومناطق العالم في القدرة على الاستفادة من التطور التكنولوجي لدعم القطاع الصناعي، بما يسهم في تحقيق معدلات نمو اقتصادي وتأثير ذلك على القدرات التنافسية للدول والأقاليم المختلفة.
"الصناعات المستقبلية" والدور الصيني في هذا المجال
تعد "الصناعات المستقبلية" إحدى الركائز الأساسية للنظام الصناعي الحديث؛ إذ تمثل المجال الحيوي لاختراق التقنيات الرائدة، كما تشكل الحاضنة الرئيسية لتوليد قوى منتجة حديثة النوعية، كنمط متقدم من التطور الاقتصادي القائم على توظيف المعرفة، بما يتيحه ذلك من إمكانات واسعة للابتكار والنمو. ويشكل تحرك الدول نحو تبني إستراتيجيات متوسطة وطويلة الأمد لتطوير "الصناعات المستقبلية" أولوية إستراتيجية في الوقت الراهن، لأهمية تلك الصناعات كمحرك رئيسي لإعادة تشكيل القدرة التنافسية للدول. وتشير مؤسسة مورغان ستانلي إلى أنه من المتوقع أن تشهد السوق العالمية للروبوتات الشبيهة بالبشر نموا هائلا خلال العقد المقبل، مع إمكانية وصول حجم مبيعاتها في الصين إلى نحو مليونين وستمائة ألف وحدة بحلول عام 2035. وحسب تقرير لموقع "فورتشن بيزنس إنسايتس" فإن قيمة سوق الروبوتات الشبيهة بالبشر العالمية بلغت 89ر4 مليارات دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن تنمو من 24ر6 مليارات دولار أمريكي في عام 2026 لتصل إلى 13ر165مليار دولار أمريكي بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 60ر50% خلال الفترة المتوقعة.
وتقوم المقاربة الصينية على تعميق التكامل بين الابتكار التكنولوجي والصناعي، مع تمكين الشركات من الاضطلاع بدور قيادي في عملية الابتكار، إلى جانب تطوير سياسات موجهة خصيصا لتلك القطاعات. مع تقديم دعم أكبر للحكومات المحلية للقيام بدور أكبر في تطوير "الصناعات المستقبلية"، في إطار انتقال الاقتصاد الصيني تدريجيا من نموذج النمو الكمي إلى نموذج قائم على الابتكار والجودة. وهو توجه ليس جديدا، ففي عام 2013 أصدرت مدينة شنتشن "سياسة تطوير الصناعات المستقبلية في شنتشن". وفي عام 2017، اقترحت مدينة نانجينغ بناء النظام الصناعي "4+4+1" بهدف تسريع تحسين ورفع مستوى الصناعات الرائدة في المدينة، وأعقب ذلك العديد من المدن والمقاطعات الصينية.
وبالتوازي مع التوجه نحو تطوير "الصناعات المستقبلية"، تشهد الصين تقدما ملحوظا فيما يتعلق بالتقنيات الرائدة. حيث يتم التركيز على مجالات تشمل التكنولوجيا الكمومية والتصنيع الحيوي وطاقة الهيدروجين والاندماج النووي وواجهات الدماغ والحاسوب والذكاء الاصطناعي المتجسد وشبكة الجيل السادس. وقد حظيت القطاعات الست بأولوية ضمن توصيات الخطة الخمسية الخامسة عشرة، عبر التأكيد على ضرورة تطوير مسارات تكنولوجية متعددة وبناء نماذج أعمال قابلة للتطبيق وصياغة أطر تنظيمية ملائمة لدعم نمو هذه القطاعات، بما يعزز تحرك الصين نحو بناء قاعدة تكنولوجية متقدمة قادرة على دفع عملية التصنيع والنمو على المدى الطويل.
وقد انعكس هذا التوجه على حجم إنتاج "الصناعات المستقبلية" وتطوره؛ ففي عام 2024 بلغ حجم إنتاج "الصناعات المستقبلية" نحو 7ر11 تريليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 8ر6 يوانات تقريبا حاليا)، مع توقعات بارتفاعه إلى 4ر13 تريليون يوان في عام 2025، ثم إلى 5ر15 تريليون يوان في عام 2026، بمعدل نمو سنوي يبلغ نحو 15%.
آفاق التعاون العربي- الصيني في مجال "الصناعات المستقبلية"
في ظل أهميتها المتزايدة ودورها المستقبلي في الاقتصاد والنمو العالمي، وما حققته الصين من اختراقات مهمة في مجال "الصناعات المستقبلية"، مع تحركات دول عربية نحو الاستفادة من التطورات التكنولوجية المتلاحقة خاصة في مجال التصنيع سواء في مجال "الصناعات المستقبلية" أو في تطوير الصناعات التقليدية، يشكل التعاون العربي- الصيني في هذا المجال أولوية في الوقت الراهن، الأمر الذي يجعل من المهم أن يحظى بمناقشة وتنسيق موسعين على كافة المسارات خلال الفترة المقبلة.
يعزز من هذا التوجه أن التعاون بين الدول العربية والصين يشهد توسعا في مجالات صناعية متعددة تتخطى القطاعات التقليدية. ففي مجال التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي تعمل أكثر من ستة آلاف شركة صينية في الإمارات في مجالات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية والحوسبة السحابية. كما توظف الشركات الصينية استثماراتها لتطوير الصناعات المحلية بالمنطقة، مع التركيز على الاستفادة من التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والحلول الصناعية المبتكرة. وفي مجال البنية التحتية الذكية، تستثمر الشركات الصينية في مشروعات السكك الحديدية والموانئ ومراكز البيانات بما يسهم في بناء مدن المستقبل.
وقد أكدت التوجيهات الصادرة في إطار الخطة الخمسية الخامسة عشرة الصينية على الانفتاح والتعاون الدولي، بوصفهما ركيزتين أساسيتين في مسار التحديث. ويتطلب ذلك تعميق الانفتاح العالي المستوى، إلى جانب تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز التعاون الدولي بما يسهم في تكامل المصالح وتبادل الفرص. ويعكس الانفتاح الاقتصادي الصيني نموذجا متقدما للتكامل مع الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت الصين الشريك التجاري الرئيسي لأكثر من مائة وستين دولة ومنطقة، مع حفاظها على مكانتها كثاني أكبر سوق للاستيراد عالميا لفترة ممتدة. مما يعزز من دورها كفاعل اقتصادي دولي مؤثر.
وبذلك يمكن أن يستند التعاون العربي- الصيني في مجال الصناعات المستقبلية إلى مقاربة تقوم على تبادل الخبرات والمنفعة المتبادلة. وربما يكون من الملائم البدء بدراسة التجربة الصينية وتحقيق توأمة بين مدن عربية ومدن صينية في هذا المجال لتعميق تبادل الخبرات. وعلى سبيل المثال، تعهدت مقاطعة جيانغسو بتعميق خطتها الثلاثية لتطوير الصناعات المستقبلية، في حين تهدف مقاطعة تشجيانغ إلى إنشاء عشر مناطق تجريبية جديدة، بينما تعمل مقاطعة سيتشوان على تبني إجراءات مماثلة. ويعكس هذا التوجه قدرة الحكومات المحلية على توظيف مزايا السوق الواسعة وسلسلة التوريد المتكاملة والقدرات التكنولوجية المتقدمة، لتشكيل تجمعات صناعية قادرة على المنافسة عالميا، وتلك تجربة من المهم الاستفادة منها.
ويمكن أن تشارك الشركات العربية بقوة في حاضنات الأعمال الصينية، ففي سبتمبر 2023 تأسس مركز شانغهاي للابتكار النموذجي كأول منصة وطنية لنماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى، وقد نجح في جذب أكثر من مائتي شركة. ويضم مجمع الابتكار الوطني لتكنولوجيا المعلومات في بكين أكثر من ألف شركة. ومن شأن مشاركة الشركات العربية في هذه الحاضنات الاستفادة من الخبرة الصينية.
ويمكن الاستفادة من التجربة الصينية في ريادة الأعمال في مجال الصناعات المستقبلية، فخلال الأحد عشر شهرا الأولى من عام 2025، سجلت الصين نحو 283 ألف شركة جديدة في الصناعات المستقبلية، بزيادة سنوية بلغت نسبتها 8ر35%. كما ارتفع عدد شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي المسجلة حديثا بأكثر من 29 ضعفا، في حين زاد عدد شركات الروبوتات الشبيهة بالبشر بنسبة 9ر48%. وهو ما يتطلب إيجاد تنسيق بين رواد الأعمال في هذا المجال لدى الجانبين.
ونظرا لأن تطور "الصناعات المستقبلية" لا يقتصر على تطوير صناعات جديدة تقوم على توظيف التكنولوجيا المتقدمة، ولكن أيضا إعادة هيكلة وتحديث الصناعات التقليدية، فإن هذا يعد مجالا مهما للتعاون العربي- الصيني عبر تحديث منظومة الصناعات التقليدية في دول المنطقة العربية.
وختاما، تمثل الصناعات المستقبلية إحدى أبرز الاتجاهات المعاصرة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والصناعة، كما تعد مكونا أساسيا في التحولات الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد العالمي. ومن المتوقع أن يكون لهذه الصناعات تأثير عميق على مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبشرية خلال العقود القادمة. لذا، فمن المهم أن يحظى هذا الملف بأولوية قصوى في أجندة التعاون العربي- الصيني على المسارات الثنائية الحكومية وغير الحكومية.
--
د. خديجة عرفة، رئيسة الإدارة المركزية للتواصل المجتمعي بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء المصري.
