ملف العدد < الرئيسية

الصناعات المستقبلية.. دعوة للتعاون من الصين

: مشاركة
2026-05-25 15:45:00 الصين اليوم:Source ليو ديان:Author

مع دخول الصين مرحلة جديدة من التنمية العالية الجودة، باتت "الصناعات المستقبلية" مفهوما محوريا في تخطيطها الإستراتيجي. وفي ظل الضغوط الناجمة عن تحول نموذج النمو التقليدي، لا تمثل تنمية هذه الصناعات مجرد استجابة للاحتياجات الداخلية لترقية الهيكل الاقتصادي، بل ترسل أيضا إشارة إيجابية إلى العالم لتعميق التعاون القائم على المنفعة المتبادلة وتقاسم ثمار التنمية.

أكد تقرير أعمال الحكومة لهذا العام بوضوح على أهمية تنمية وتطوير الصناعات المستقبلية في المجالات الرائدة، مثل الطاقات المستقبلية والتقنيات الكمومية والذكاء الاصطناعي المتجسد وواجهات الدماغ والحاسوب وتقنية الجيل السادس، وغيرها، الأمر الذي أثار اهتماما واسعا في المجتمع الدولي. فلماذا تولي الصين هذا القدر من الاهتمام للصناعات المستقبلية؟ وما التحديات الأساسية التي ستواجهها في مسار الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ؟ والأهم من ذلك، كيف سيخلق محرك النمو الجديد هذا قيمة للتنمية العالمية؟

لماذا تولي الصين اهتماما متزايدا للصناعات المستقبلية؟

تنظر الصين إلى الصناعات المستقبلية باعتبارها محركا رئيسيا للنمو الاقتصادي، وذلك استنادا إلى تقييم شامل يجمع بين اتجاهات التكنولوجيا العالمية ومتطلبات التحول الداخلي.

أولا، تمثل الصناعات المستقبلية محركا جديدا لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. إن تراجع العوائد الهامشية للصناعات التقليدية قد جعل من الضروري فتح مسارات جديدة للتنمية عبر الابتكار التكنولوجي. ووفقا للتقديرات البحثية المعنية، فمن المتوقع أن تحقق الصناعات الناشئة والصناعات المستقبلية خلال العقد المقبل نموا متوازيا، وأن تبلغا حجما اقتصاديا يعادل حجم الصناعات التكنولوجية المتقدمة في الصين حاليا. والأهم من ذلك، أن هذه التقنيات تتميز بما يعرف بـ"تأثير المُضاعِف"، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي إعادة تشكيل قطاع التصنيع التقليدي، كما تتيح التقنيات الحيوية مسارات تقنية أكثر صداقة للبيئة. ومع تعمق تطبيق هذه التقنيات، ستطلق إمكانات نمو تتجاوز بكثير حدودها الذاتية.

ثانيا، يعكس اهتمام الصين بالصناعات المستقبلية استجابة إيجابية ومشاركة فاعلة في التحولات التكنولوجية العالمية. فهذه الصناعات تمثل ساحة التنافس في الجولة الجديدة من الثورة التكنولوجية، حيث تسارع الاقتصادات الكبرى في العالم إلى وضع الخطط المعنية. فعلى سبيل المثال، تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية على موقعها الريادي استنادا إلى بيئة الابتكار الناضجة؛ في حين يتخذ الاتحاد الأوروبي من التحول الأخضر مدخلا رئيسيا؛ أما اليابان فتركز على تعزيز مكانتها في قطاعي المواد والتصنيع. وفي هذا السياق، تنظر الصين إلى تطوير الصناعات المستقبلية بوصفه خيارا حتميا لمواكبة اتجاهات التكنولوجيا العالمية، كما تسعى إلى الاضطلاع بدور فاعل في إيجاد حلول تكنولوجية لمواجهة التحديات العالمية، مثل تغير المناخ وأمن الطاقة.

ثالثا، يكمن البعد الأعمق في السعي إلى جعل التقدم التكنولوجي يتجاوز مجرد تحقيق النمو، ليعود بالنفع على الإنسان والمجتمع. فقد أثبتت التجارب التاريخية أن الثورات التكنولوجية، إذا افتقرت إلى الشمول، قد تؤدي إلى تفاقم اختلال التوازن في التنمية العالمية. وفي هذا السياق، تولي الصين اهتماما خاصا لشمولية التنمية عند تخطيطها للصناعات المستقبلية. فمن السعي إلى تمكين الدول النامية من تعزيز أمنها الرقمي عبر تقنيات الاتصال الكمومي الأكثر أمانا، إلى مساعدة الدول الشحيحة الموارد على تحقيق التصنيع الأخضر من خلال تقنيات التصنيع الحيوي، وصولا إلى توسيع نطاق استفادة الأشخاص ذوي الإعاقة من تقنيات واجهات الدماغ والحاسوب المنخفضة التكلفة، تعكس هذه الرؤى جهود الصين الرامية إلى تحويل التقدم التكنولوجي إلى منافع عامة عالمية.

من الخطط الطموحة إلى واقع ملموس.. تجاوز التحديات بالانفتاح والابتكار

يتطلب تحويل الخطط الطموحة للصناعات المستقبلية إلى قوى منتجة حقيقية رؤية ثاقبة وقدرة على تجاوز سلسلة من التحديات الأساسية.

يكمن التحدي الجوهري في تحفيز قدرات الابتكار الأصلي لتحقيق اختراقات نوعية. وعلى الرغم من أن الصين تتصدر العالم من حيث نفقات البحث والتطوير، فإنها لا تزال بحاجة إلى الانتقال من مرحلة "اللحاق بالآخرين" إلى "الريادة العالمية" في العديد من المجالات. ونظرا لارتفاع درجة عدم اليقين المرتبطة بالصناعات المستقبلية، ينبغي لأنظمة البحث العلمي أن تعزز قدرتها على حشد الموارد، مع التحلي بالصبر وتحمل قدر من الأخطاء. وعلاوة على ذلك، يتعين كسر الحواجز بين نتائج البحث العلمي وتطبيقاتها في السوق، بما يتيح تحويل الابتكار إلى قوة دافعة لتطوير الصناعات.

أما التحدي الحاسم، فيتمثل في تعزيز مرونة سلسلة الصناعة مع توسيع نطاق الانفتاح. فقد بذلت الصين جهودا متواصلة لتجاوز الاختناقات التقنية في مجالات مثل الرقائق المتقدمة والبرمجيات الصناعية، غير أن ذلك لا يعني التوجه نحو الانغلاق، بل يهدف إلى أن يكون لها صوت أكثر مساواة في التعاون الدولي المعمق. وفي هذا السياق، تدرك الصين إدراكا كاملا أن تطوير الصناعات المستقبلية لا يمكن أن يستغني عن شبكة الابتكار العالمية. ولذلك، يتعين عليها تجنب الوقوع في فخ "الدائرة المغلقة من الدوران الذاتي"، مع الحد في الوقت نفسه من مخاطر الاختناقات في المجالات الحيوية. كما تحرص الصين على العمل مع شركائها الدوليين للإسهام في حماية وبناء نظام ابتكار عالمي أكثر انفتاحا وشمولا واستقرارا.

أما التحدي الأهم، فيكمن في بناء نماذج حوكمة تتلاءم مع التقنيات الجديدة، بما يضمن توجيه التكنولوجيا نحو الخير، نظرا لأن التطور السريع للصناعات المستقبلية غالبا ما يتجاوز أطر المراقبة القائمة. ومن ثم، يتعين أن تنتقل أنماط الحوكمة من الاستجابة السلبية إلى "حوكمة ذكية" تواكب تطور التكنولوجيا وتسير بالتوازي معها. وهذا يعني ضرورة إنشاء منظومة تقييم تضع الانسان في المقام الأول، مع إعطاء الأولوية لتشجيع الابتكارات التكنولوجية القادرة على معالجة التحديات العالمية المشتركة، مثل الفقر والأمراض والبيئة، بما يضمن أن يكون النمو الاقتصادي ليس فقط قويا من حيث الوتيرة، بل أيضا موجها نحو تعزيز رفاه الإنسان.

الصناعات المستقبلية جسرا للتعاون والمنفعة المتبادلة

إن تطوير الصناعات المستقبلية، بوصفها محركا جديدا للنمو، لا يقتصر على تلبية متطلبات التنمية الداخلية في الصين، بل يجسد أيضا دعوة صادقة إلى تعزيز التعاون الدولي مع العالم.

تعمل الصين على تسريع دمج مراكز الابتكار في بكين وشانغهاي ومنطقة خليج قوانغدونغ- هونغ كونغ- ماكاو الكبرى وغيرها في شبكة الابتكار العالمية، بهدف تبادل الموارد العلمية وتعزيز قدرات الابتكار مع مختلف دول العالم. وفي الوقت نفسه، تدعو إلى إنشاء صندوق عالمي للتعاون في الصناعات المستقبلية بمشاركة متعددة الأطراف، لدعم الباحثين من الدول النامية للمشاركة في مشروعات الابتكار، إلى جانب إنشاء مراكز التكنولوجيا النموذجية في إطار التعاون بين بلدان الجنوب. ولا يقتصر هذا النهج على نقل التكنولوجيا فحسب، بل يتعداه إلى التنمية المشتركة لقدرات الابتكار.

توفر الصين، بفضل سوقها الضخمة وتعدد سيناريوهات التطبيق، أفضل ساحات اختبار للتقنيات المستقبلية، كما تفتح أبوابها أمام العالم في مجالات بناء المدن الذكية والرعاية الصحية عن بعد، والتحول نحو الطاقة الخضراء. والأهم من ذلك، تحرص الصين على مشاركة حلولها التكنولوجية الناضجة والميسورة التكلفة مع العالم. فعلى سبيل المثال، ساعدت أنظمة الزراعة الذكية صغار المزارعين في جنوب شرقي آسيا على زيادة دخولها، كما أن أنظمة التشخيص والعلاج بالذكاء الاصطناعي المنخفضة التكلفة أتاحت للسكان في المناطق النائية في أفريقيا الحصول على خدمات طبية عالية الجودة. وتظهر هذه الممارسات أن الحلول التكنولوجية الصينية قادرة على إتاحة إمكانية تحقيق قفزة تنموية للدول في مراحل تنموية مختلفة.

وعلى صعيد الحوكمة، تدعو الصين إلى عدم احتكار عدد محدود من الدول صياغة القواعد التكنولوجية العالمية، بل أن تقوم على مشاركة واسعة تشمل مختلف دول العالم، ولا سيما الدول النامية، في قضايا مثل تدفق البيانات وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي والأمن البيولوجي، بما يفضي إلى وضع قواعد عادلة وشاملة تضمن تقاسم ثمار الثورة التكنولوجية على نحو منصف.

لا يقتصر تخطيط الصناعات المستقبلية على تلبية المتطلبات الداخلية في الصين لتحقيق التنمية العالية الجودة فحسب، وإنما يمثل أيضا تحولا عميقا في نمط تفاعلها مع العالم. وستتحول التطورات في مجالات مثل تقنيات الاتصال الكمومي والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، حتما إلى ثروات للبشرية جمعاء. وتسعى الصين إلى اتخاذ الصناعات المستقبلية جسرا للتعاون، والعمل إلى جانب دول العالم لمواجهة التحديات المشتركة، في إطار انفتاحها على العالم وتقاسم ثمار التنمية القائمة على المنفعة المتبادلة. وهذا يمثل التزام الصين تجاه تنميتها الذاتية، كما يشكل جوابا صادقا عن السؤال الذي يطرحه العصر: "أي عالم نريد أن نبنيه".

--

ليو ديان، باحث مشارك في معهد الصين بجامعة فودان في شانغهاي.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4