ملف العدد < الرئيسية

دينغ هونغ: سباق الحوسبة الكمومية يتسارع بـ"وتيرة أُسّية"

: مشاركة
2026-05-25 15:46:00 الصين اليوم:Source شيا يوان يوان:Author

لم تعد التكنولوجيا الكمومية، التي تمثل لب الصناعات المستقبلية للصين، موجودة في خيال الفيزيائيين ومعادلاتهم فحسب، بل أخذت تشق طريقها نحو التطبيقات بوتيرة غير مسبوقة، لتصبح قوة رئيسية لدفع الجولة الجديدة من الثورة التكنولوجية والتحول الصناعي.

حول هذا الموضوع، أجرت مجلة ((الصين اليوم)) حوارا خاصا مع الفيزيائي دينغ هونغ، عضو المجلس الوطني الرابع عشر للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، والأكاديمي في الأكاديمية الصينية للعلوم، الذي كرس سنوات من عمره في مجال فيزياء المواد المكثفة والتكنولوجيا الكمومية، وقاد فريقه لتحقيق إنجازات لافتة عالميا في مجال الحوسبة الكمومية الطوبولوجية.

الحوسبة الكمومية الطوبولوجية.. سباق طويل نحو المستقبل

تختلف القوانين الفيزيائية التي تحكم العالم الكمومي كل الاختلاف عن قوانين العالم العياني، وفهم خصائصها وتسخيرها، مثل "التراكب" و"التشابك"، قد يفتح الباب أمام تحول ثوري في تكنولوجيا المعلومات. غير أن تحويل هذه النظرية إلى تطبيقات واقعية طريق محفوف بالصعاب. وتبدو الحوسبة الكمومية، بوصفها "دُرّة التاج"، من أكثر المجالات تعقيدا.

حاليا، يشهد العالم تنافسا محتدما على مسارات تقنية متعددة للحوسبة الكمومية، مثل الموصلات الفائقة والفوتونات ومصيدة الأيونات. وعلى الرغم من الزيادة الملحوظة في عدد الكيوبتات، فإن هذه المسارات جميعها تواجه عنق زجاجة مشتركا، وهو إزالة الترابط الكمومي. فالكيوبتات شديدة الهشاشة، وتشبه قلعة رملية دقيقة تُبنى وسط عاصفة عاتية، إذ يسهل أن تقع في الخطأ بسبب تشويش ضوضاء البيئة المحيطة. وفي الوقت نفسه، تظل أنظمة تصحيح الأخطاء الكمومية الفعالة معقدة إلى حد بعيد ومكلفة للغاية.

في مواجهة هذه المعضلة الجوهرية، اختار فريق دينغ هونغ طريقا أكثر وعورة، لكنه قد يفضي إلى حل جذري، وهو الحوسبة الكمومية الطوبولوجية. ويكمن سر هذا النهج في "القدرة الطبيعية على تحمل الأخطاء"، فكما أوضح دينغ هونغ: "تعتمد هذه الحوسبة على السمات الطوبولوجية الخاصة للمادة لترميز المعلومات الكمومية وحمايتها، كأنها تصوغ للكيوبتات الهشة "درعا طوبولوجيا" متينا، يحصنها بطبيعة الحال من الاضطرابات الخارجية الضئيلة." وبحسب التصور النظري، فإن الكيوبتات الطوبولوجية، إذا تحقق ذلك، ستتمتع باستقرار غير مسبوق.

لكن، هناك فجوة كبيرة بين الطموحات والواقع. حتى اليوم، لم يتم بعد تصنيع كيوبت طوبولوجي مستقر وقابل للاستخدام في الحوسبة، وهذا هو الهدف الذي يسعى دينغ هونغ وفريقه لتحقيقه. فقد اكتشفوا الأدلة الحاسمة على وجود "أنماط مايورانا الصفرية" استنادا إلى الموصلات الفائقة القائمة على الحديد، مما يفتح الطريق لصناعة كيوبتات طوبولوجية مستقرة من خلال هذا النظام الفيزيائي الواعد الذي أطلقوا عليه اسم "منصة الحديد- مايورانا".

من أهم وأبرز إنجازات دينغ هونغ وفريقه، نجاحهم في تحقيق "فجوة النطاق الطوبولوجية" الضخمة. قال دينغ هونغ: "كلما اتسعت فجوة النطاق الطوبولوجية، زادت قوة الحماية الطوبولوجية. فجوة نطاق 'منصة الحديد- مايورانا' التي طورناها أكبر بخمسين مرة تقريبا من الحلول الرئيسية الأخرى في العالم. وهذا يعني أن قدرتها على مقاومة التشويش البيئي قد تعززت بشكل أُسّي، مما يجعلها من الأنظمة الأكثر إمكانية لإنتاج كيوبتات طوبولوجية مستقرة وعالية الجودة."

كما أن العمل الطويل المدى في مجالات العلوم الرائدة دفع دينغ هونغ إلى إعادة التفكير في نماذج تنظيم البحث العلمي. قال: "في الصناعات المستقبلية مثل الحوسبة الكمومية، أصبح النموذج التقليدي المتمثل في سلسلة 'البحث الأساسي- تطوير التطبيقات- التصنيع والتسويق' غير فعال. هناك عملية دورية وتصاعدية يرتبط بعضها بالبعض، حيث تدفع التحديات الهندسية البحث والتطوير في العلوم الأساسية، بينما تحفز احتياجات التصنيع والتسويق إعادة تحديد اتجاهات البحث الأساسي. ففي هذا المجال، تصبح أحدث الأبحاث الأكاديمية في جوهرها هي أحدث التقنيات الهندسية."

الذكاء الاصطناعي قوة دافعة.. "عقل خارق" للعلوم الرائدة

اليوم، يتقدم الذكاء الاصطناعي بخطى متسارعة، ليصبح قوة مساعدة مهمة في مواجهة التحديات الجسيمة في الحوسبة الكمومية وغيرها من المجالات الرائدة. كذلك، يولي دينغ هونغ اهتماما خاصا لتطور الذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية عامة تعيد تشكيل مختلف القطاعات، وأداة فعالة في معالجة المعضلات العلمية الكبرى. قال: "كنت ذكرت أن تطور العلوم في الصين سيشهد عشر سنوات ذهبية. والآن، يبدو أنه تحت تأثير الذكاء الاصطناعي، يزداد زخم التطور بشكل مستمر." في الوقت الراهن، تتقدم العلوم والتكنولوجيا العالمية بسرعة فائقة، ويعد التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي من أبرز المحركات.

في مجال الحوسبة الكمومية، يظهر دور الذكاء الاصطناعي بشكل ملموس. قال دينغ هونغ: "يعد تصميم خوارزميات كمومية فعالة من المهام المحورية، لكن قوانين العالم الكمومي غالبا ما تكون مخالفة للحدس البشري، مما يجعل من الصعب على العقل البشري أن يتصورها ويصممها من الصفر. أما الذكاء الاصطناعي، الذي لا يقيد نفسه بأنماط التفكير البشرية، فيمتلك ميزة فريدة في استكشاف وتصميم خوارزميات جديدة."

مع التطور السريع للتكنولوجيا، ظهرت العديد من المشكلات، مثل إساءة استخدامها. يرى دينغ هونغ أن هذه الظاهرة جزء لا يتجزأ من مسار تطور التكنولوجيا، لكن لا يمكن وقف التقدم بسبب العقبات، حيث ستأتي الحلول للمشكلات التكنولوجية في النهاية من خلال تطوير التكنولوجيا، وسيكون تأثيرها الإيجابي على تقدم المجتمع أكثر بكثير من تأثيرها السلبي. كما شدد على ضرورة اللحاق بركب هذا التحول التكنولوجي قائلا: "في الصناعات التقليدية، قد تكون هناك فرصة للتعويض إذا تأخرنا لمدة عشر سنوات، لكن في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، التي تشهد 'نموا أُسّيا'، فإن التأخر يعني فجوة تتسع بسرعة مدهشة ومن المستحيل تعويضها."

إعداد الأكفاء.. وضع حجر الأساس لـ"العصر الذهبي" للعلوم

يعد الأكفاء المؤهلون والبيئة المحفزة للابتكار التي تعزز تنمية الأكفاء ركيزة أساسية، سواء في بحث الحوسبة الكمومية أو في مواكبة تطور الذكاء الاصطناعي. قال دينغ هونغ: "منذ عام 2008، شهدت البيئة البحثية في الصين تقدما كبيرا، حيث أصبحت البنية التحتية في كثير من المختبرات الصينية تضاهي أرقى المستويات العالمية. لكن في مجال الأبحاث النظرية الرائدة، وخاصة فيما يتعلق بمخزون الكوادر المتميزين، ما زلنا نواجه نقصا بالمقارنة مع القوى الكبرى في مجال التكنولوجيا التي لديها سنوات من الخبرة. فهذه الفجوة تتطلب وقتا للتراكم، بالإضافة إلى بيئة ابتكارية قادرة على تحفيز العقول المبدعة لاستمرار الإنتاج والابتكار."

على صعيد إعداد الأكفاء، يولي دينغ هونغ أهمية خاصة للأكفاء ذوي المعارف الشاملة والعابرين للتخصصات. قال: "انظروا إلى مؤسسي شركة أوبن إيه آي، ستجدون أنهم ليسوا خبراء تقنيين بارزين فحسب، وإنما أيضا يمتلكون حسا مرهفا بالصناعة والسوق." ومن هنا، يرى أن نظام التعليم في المستقبل ينبغي أن يتجاوز حدود التخصصات التقليدية، وأن يشجع الاستكشاف والبحث العابر للتخصصات. كما أشار إلى أن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، يجعل الشباب قادرين على إتقان المعارف الأساسية في عدة تخصصات خلال وقت أقصر، ليصبحوا من أصحاب المعرفة الشاملة في العصر الجديد.

في ظل التحولات العميقة في مجال التكنولوجيا، يعتقد دينغ هونغ أن الصين بحاجة ماسة إلى استكشاف وإنشاء نماذج ابتكارية جديدة تتيح التعاون الفعال بين العلوم والتكنولوجيا ورأس المال، وكسر الحواجز بين الجامعات والمعاهد البحثية والشركات. قال: "يجب أن تصبح الشركات أماكن تعليمية للجامعات، ويجب أن تصبح احتياجات السوق الحقيقية موضوعات البحث في المختبرات، لكي يتحقق الارتباط السلس بين الأبحاث المتقدمة والتطبيقات الصناعية."

أضاف دينغ هونغ: "الباحث العلمي ليس مضطرا لأن يعيش حياة قاسية، فالبحث العلمي في حد ذاته عمل زاخر بالمتعة وبالشعور بالإنجاز. لذا يجب أن يكون العمل في مجال البحث العلمي نابعا من القلب ومن الشغف الحقيقي، ويحظى بالدعم والتقدير من المجتمع، كما هو الحال مع أي مهنة محترمة." كما أعرب عن سروره لرؤية عدد متزايد من الشباب الممتازين ينخرطون في البحث العلمي، ويعملون معا على خلق عصر ذهبي غير مسبوق.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4