يدير سو كوي، وهو رائد أعمال من مواليد ثمانينيات القرن الماضي، أعماله بمفرده، كشركة فردية تعتمد على أدوات الرسوم المتحركة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. على مكتبه لا يوجد سوى حاسوب محمول وكوب ماء وحقيبة قماشية. من هذا المكتب البسيط، أنتج سو كوي منصة باسم عظام التنين للرسوم المتحركة، تضم أكثر من ستة آلاف مستخدم مسجل حول العالم.
في الساعة العاشرة صباحا من كل يوم، يصل سو كوي إلى مكتبه في "مجمع خط العرض الشمالي للذكاء الاصطناعي" بمنطقة تشونغقوانتسون في بكين، الذي يوفر مساحات مكتبية منخفضة التكلفة ودعما للشركات الفردية في المنطقة التي تعد مركز العلوم والتكنولوجيا بالعاصمة الصينية. يبدأ يوم سو كوي بمراجعة مقترحات المستخدمين وملاحظاتهم حول منتجه، ثم يقضي ست ساعات على الأقل في البرمجة وتصحيح الأخطاء باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مثل كلاود ستوديو من شركة تنسنت وتطبيق دوباو. قال سو كوي: "الذكاء الاصطناعي بأكمله يعمل كمجموعة موظفين لدي، لا يشكون ولا يتعبون أبدا، وطالما أن التعليمات واضحة ينفذون المطلوب."
عمل فردي
ظل سو كوي لسنوات حتى عام 2023 يعمل مهندسا كبيرا وخبيرا تقنيا في شركات تكنولوجيا معروفة. ثم جاءت موجة من أدوات الذكاء الاصطناعي مثل "شات جي بي تي" و"ديب سيك" وغيرهما، فجعلته يعيد النظر في طريقة عمله القديمة. فتساءل: باستخدام الذكاء الاصطناعي، هل يمكن لشخص واحد أن يقوم بالعمل الذي كان يحتاج إلى فريق سابقا؟
في عام 2024، أطلق سو كوي منتجه مستخدما الذكاء الاصطناعي لكتابة الأكواد والكشف عن الأخطاء وتوليد الرسوم المتحركة، وحتى صياغة النصوص الترويجية. عندما سمع سو كوي لأول مرة مصطلح "الشركة الفردية" في نوفمبر عام 2025، أدرك أن هذا الوصف ينطبق عليه تماما، وأنه يستوفي متطلبات "مجمع خط العرض الشمالي للذكاء الاصطناعي" في تشونغقوانتسون، فقرر الانتقال إليه.
في ذلك الوقت، كانت الشركات الفردية قد بدأت في الظهور بهدوء كنمط جديد لريادة الأعمال في جميع أنحاء الصين؛ من منطقة لينقانغ الجديدة بشانغهاي إلى حي باوآن في مدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ. تستفيد تلك الشركات الفردية من انخفاض التكاليف وسرعة القرارات والمرونة في الاستجابة فتزدهر في القطاعات المتخصصة، وفي نفس الوقت، يدفعها تقدم الذكاء الاصطناعي والسياسات الداعمة إلى إعادة تعريف ما يمكن أن يحققه الابتكار على نطاق صغير.
تطلق الكثير من المدن الصينية سياسات مستهدفة لدعم تطوير الشركات الفردية. شنتشن، وهي أول مدينة أطلقت خطة عمل لتطوير الشركات الفردية، تقدم قسائم تدريبية تصل قيمتها إلى عشرة ملايين يوان على الأكثر سنويا (الدولار الأمريكي يساوي 8ر6 يوانات حاليا) لكل متقدم لتعويض تكاليف الحوسبة واستخدام النماذج اللغوية الكبيرة. كما أن مدينة سوتشو بمقاطعة جيانغسو أدرجت تطوير الشركات الفردية ضمن إستراتيجيتها على مستوى المدينة، وأنشأت "صندوق الشباب للابتكار" بقيمة مليار يوان، وتقدم الاستثمار في الأسهم القائم على السياسات بما يصل إلى عشرين مليون يوان على الأكثر للمشروعات العالية الجودة. وفي بكين، يقدم "مجمع خط العرض الشمالي للذكاء الاصطناعي" الذي استقر فيه سو كوي، تخفيضات في الإيجار لمدة أقصاها ثلاث سنوات وإعانات لتكاليف الحوسبة، مما يخلق بيئة داعمة للشركات الفردية التقنية. يوجد حاليا أكثر من مائة وعشرين شركة للذكاء الاصطناعي في هذا المجمع، من بينها ست وعشرين شركة فردية يتراوح عدد العاملين فيها بين شخص وأربعة أشخاص وأربع عشرة شركة فردية بحتة، تركز على مجالات مثل الذكاء الاصطناعي المتكامل مع الصناعة والثقافة والتمويل.
بالنسبة للسيد سو كوي، الانضمام إلى "مجمع خط العرض الشمالي للذكاء الاصطناعي" يعني أكثر من مجرد الحصول على مساحة مكتبية. لقد التقى بزملاء دراسة قدامى وزملاء عمل سابقين وحتى شركاء مبيعات محتملين. في السابق، كان يعمل في المنزل بمفرده، فكانت حالته النفسية غير مستقرة، إذ ظل يشك في أنه على الطريق الصحيح. أما الآن، فإن اللقاءات والتبادلات مع رواد أعمال آخرين بانتظام منحته ثقة أكبر.
ليس سو كوي الوحيد الذي يفعل ذلك. فإلى جانب ريادة الأعمال التقنية، ترسخت الشركات الفردية في مجالات متنوعة مثل التجارة الإلكترونية العابرة للحدود والصناعات الإبداعية الثقافية. استقر تشن تسي شون، مؤسس شركة "هومي للعلوم والتكنولوجيا"، في "مجمع مكعب الحدود الصفرية"، وهو مكان يوفر مساحة مكتبية وسكنا بالمجان في منطقة لينقانغ الجديدة بشانغهاي. في غضون أربعة أشهر، نجح تشن تسي شون في بيع نوع من البطانيات إلى السوق اليابانية. قال السيد تشن: "في الربع الأخير لعام 2025، تجاوزت مبيعات شركتي خمسة ملايين يوان."
افتتح "مجمع مكعب الحدود الصفرية" في أغسطس عام 2025، وجذب أكثر من مائة وخمسين شركة فردية وفريقا صغيرا في خمسة أشهر فقط، بفضل دعمه للامتثال للبيانات العابرة للحدود ومطابقة الموارد.
قال السيد تشن: "أنشأت هذه الشركة الفردية في عام 2025، واستغرق إنجاز تسجيلها ثلاثة أيام فقط. توفر الحكومة مساحة مكتبية مجانية وسياسات داعمة. بدء عمل تجاري بمفردي أسهل بكثير مما كنت أعتقد".
يشير صعود هذه الشركات إلى تحول أعمق في كيفية إنجاز العمل. يرى تشانغ تشن بنغ، الأستاذ في معهد الصناعات الثقافية التابع لجامعة شنتشن، أن الشركات الفردية هي نوع جديد كل الجدة من المنظمات، وقال: "الشركة الفردية هي هيكل بسيط وفعال للغاية يجمع بين رواد الأعمال المهرة المنفردين وأدوات الذكاء الاصطناعي، وتكون متحررة من قيود علاقة العمل التقليدية التي تكبل القيمة الفردية." وأضاف أن مقاييس نمو الشركات نفسها تتغير. في الماضي، كان المستثمرون ينظرون إلى زيادة التوظيف كعلامة على توسع الشركة. أما الآن، فإن المنافسة تدور حول من يمكنه تنسيق مهام الأعمال المعقدة بكفاءة أكبر.
من الفرد إلى الفريق
كان ران وي يعمل كبائع أجهزة طبية في مدينة هانغتشو بمقاطعة تشجيانغ، وقد استقال من وظيفته في سبتمبر عام 2025، وبدأ في بناء موقعه الإلكتروني باستخدام الذكاء الاصطناعي لتقديم خدمات استشارات السياسات ومبيعات المنتجات والمساعدة في إيجاد شركاء التعاون لأصحاب الشركات الفردية.
من السطر الأول للكود البرمجي للمنتج إلى النسخة النهائية الجاهزة للإطلاق، استغرق الأمر من ران وي ثماني وأربعين ساعة فقط. يعمل ران وي الآن في "مركز المستقبل للذكاء الرقمي" بمدينة هانغتشو، متقاسما المساحة مع مؤسسي شركات فردية آخرين. قال ران وي: "عادة، نحن مستقلون، كل منا يعمل على مشروعه الخاص. ولكن عندما يأتي طلب كبير لا يمكن لشخص واحد أن يتعامل معه، يمكننا تشكيل فريق بسرعة: يتولى أحدنا التسويق بالذكاء الاصطناعي، ويبرع آخر في تصميم واجهة المستخدم، ويتخصص ثالث في تطوير الأجهزة. وعند انتهاء المشروع، نفترق بنفس السرعة. إنه نوع جديد من التنظيم لعصر الذكاء الاصطناعي؛ تعاون لا تحركه بنية المؤسسات، بل يتشكل حول العمل نفسه بشكل طبيعي."
ومع كل هذا التفاؤل، يعترف ران وي بأن الشركات الفردية لا تزال تعاني عقبات كثيرة مثل التمويل والثقة والقدرات. وقد لاحظت تانغ نينغ يوي، الأستاذة في كلية آنتاي للاقتصاد والإدارة بجامعة جياوتونغ في شانغهاي، هذه التحديات عن كثب، وقالت: "يعتمد الإقراض المصرفي التقليدي بشكل كبير على الأصول الثابتة كضمانات، لكن الأصول الأساسية للشركات الفردية تتركز في الأصول غير الملموسة مثل الملكية الفكرية وحقوق الإيرادات المستقبلية والائتمان الشخصي، والتي يصعب تقييمها وتقديمها كرهن".
أشار قو مينغ هوا، رئيس مجلس إدارة مجموعة داهوا في سوتشو، إلى نقاط ضعف هيكلية أخرى، وقال: "بالاعتماد على اتخاذ القرارات والعمليات التشغيلية الفردية فقط، تعاني الشركات الفردية من قيود متأصلة في التقدير الإستراتيجي والمعرفة المهنية والقدرة الإدارية والقدرة التنافسية في السوق."
لكن جيانغ شيويه فنغ، الأستاذ في جامعة شرقي الصين للمعلمين، عبر عن نظرة أكثر تفاؤلا، وقال إن شركات التكنولوجيا الفائقة المبتكرة اليوم تعرف بقيمتها العالية وتكاملها العالي، وهي تجمع بين أنماط التفكير ونماذج الأعمال والنهج التكنولوجي. على عكس التصنيع التقليدي بمصانعه الكبيرة، يمكن لعدد صغير من الأشخاص الآن إنشاء شركات من الطراز الأول. وأضاف: "صعود الشركات الفردية هو نمط صناعي جديد واعد. يجب أن ندرك نموذج العمل الجديد وما يقدمه من فرص الاختراقات التكنولوجية والارتقاء الصناعي. المهمة الآن هي التحول من النماذج القديمة إلى الجديدة."
--
يوان يوان، صحفية في مجلة ((Beijing Review)).
