وفقا لتقرير صادر عن مؤسسة "غاما شوجيوي" لأبحاث السوق في مارس 2026، بلغت إيرادات الألعاب الإلكترونية التي طورتها فرق صينية بصورة مستقلة في الأسواق العالمية 114ر2 مليار دولار أمريكي خلال شهر فبراير 2026، بزيادة بلغت نسبتها 46ر40% على أساس سنوي. لم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة عابرة، فمنذ أن بدأت هذه الإيرادات في التعافي في عام 2024 من موجة التراجع، أخذت وتيرة النمو تتسارع باستمرار: في عام 2024، ارتفعت إيرادات الألعاب الصينية المطورة ذاتيا في الأسواق الخارجية بنسبة 39ر13% على أساس سنوي، منهية بذلك تراجعا استمر عامين متتاليين؛ وفي عام 2025، ارتفع معدل النمو في الربع الأول إلى 92ر17%.
تكشف هذه البيانات عن تحول تشهده شركات الألعاب الصينية، إذ تجاوزت الشركات مرحلة التجريب الأولي في الأسواق العالمية، ودخلت طورا جديدا من العولمة الأعمق. ولم تعد هذه الموجة من النمو قائمة على تكرار النماذج السابقة، بل على إعادة صياغة جوهرية لمنطق الصناعة.
اكتساب المستخدمين بجودة الألعاب
على مدى سنوات، كان توسع الألعاب الإلكترونية الصينية في الأسواق العالمية يقتصر على فئات محدودة للغاية. أظهر ((تقرير حول الألعاب الصينية في الأسواق الخارجية لعام 2024)) الصادر عن "غاما شوجيوي"، أنه من بين أفضل مائة لعبة هاتف محمول صينية مطورة ذاتيا من حيث الإيرادات في الأسواق الخارجية، أكثر من 60% تنتمي إلى الألعاب الإستراتيجية وألعاب الرماية وألعاب تقمص الأدوار، كما ظلت هذه الفئات الثلاث تتصدر القائمة على مدى خمس سنوات متتالية.
هناك مسار واضح أمام شركات الألعاب، يتمثل في اختيار فئات ألعاب ناضجة أثبتت السوق جدواها، ثم إعادة تقديمها في موضوعات مختلفة، مع اكتساب المستخدمين بسرعة من خلال حملات تسويقية واسعة النطاق أو ما يعرف بـ"شراء الزيارات"، وصولا إلى تحقيق عوائد تجارية. وكانت القدرة التنافسية لهذا النمط تنبع أساسا من التشغيل الدقيق، بما يشمله من توازن آليات الألعاب وضبط وتيرة الفعاليات وإدارة التكاليف.
صحيح أن هذا النموذج لم يفقد فعاليته حتى اليوم، غير أن منفعته الحدية تتراجع وتتناقص. فبحسب بيانات "غاما شوجيوي"، ارتفع الإنفاق التسويقي لألعاب الهاتف المحمول المدرجة ضمن قائمة أكبر مائة لعبة من حيث إجمالي التدفقات النقدية، بنسبة 6ر86% على أساس سنوي، بينما انخفض صافي أرباح أكثر من 60% من شركات الألعاب الرئيسية. أو بعبارة أخرى، تضاعفت الاستثمارات التسويقية تقريبا، لكن العوائد لم ترتفع بالوتيرة نفسها. كما قدم تقرير تحليل الأسواق الخارجية دليلا آخر على ذلك، إذ يشير إلى أن تكاليف التسويق على منصات الإعلان الرئيسية ارتفعت بنسبة تراوحت بين 15% و20%. وهكذا، أدى هذا الارتفاع في التكاليف، إلى جانب تراجع كفاءة تحويل الإنفاق التسويقي إلى إيرادات فعلية، إلى تقليص هوامش الربح في النموذج التقليدي القائم على شراء الزيارات.
كما يشهد هذا القطاع تحولا بنيويا حقيقيا في عام 2026، حيث برزت مجموعة من الألعاب الصينية العالية الجودة والمتعددة المنصات، لتصبح المحرك الرئيسي لنمو السوق. ففي فبراير من هذا العام، سجلت سوق الألعاب القائمة على برنامج العميل في الصين نموا بنسبة 75ر56% على أساس سنوي، في حين جاء أكثر من سبعمائة مليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 8ر6 يوانات تقريبا حاليا) من الزيادة من لعبة واحدة خلال شهر واحد. ومع تراجع فاعلية النموذج القديم، أخذ مسار جديد، يقوم على الجودة، يثبت جدواه عبر أكثر من منتج: لم يعد نمو السوق يعتمد فقط على حملات تسويقية واسعة النطاق، بل أصبح يستند أكثر فأكثر إلى جودة المنتج نفسه. واليوم، لم تعد الجودة العالية مجرد ميزة تنافسية، بل باتت على نحو متزايد شرطا أساسيا لدخول الأسواق العالمية الرئيسية.
لقاء الثقافات في تجربة غامرة
في عام 2024، بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية العالمية نحو 2ر1 تريليون يوان صيني، مسجلا نموا سنويا قدره 31ر3%. أما الألعاب الإلكترونية الصينية، فقد حققت نموا في الأسواق الخارجية، يفوق المعدل العالمي بأكثر من أربع مرات. يشير ذلك إلى تنامي الطلب العالمي على الألعاب الإلكترونية الصينية، غير أن ما ينبغي توضيحه هو أن القوة الأساسية التي تدفع هذا الطلب لا تكمن في حضور العناصر الثقافية الصينية، بل في جودة المنتج والتجربة الغامرة التي تصنعها اللعبة للاعبين.
إن الاستخدام السطحي للرموز الثقافية الصينية، كإدراج رسوم وجوه أوبرا بكين أو زخارف فن قص الورق مباشرة في ملامح الشخصيات أو الخلفيات داخل الألعاب، غالبا ما يكون محدود التأثير. ذلك أن الرمز الثقافي، متى انفصل عن سياقه الأصلي، يصبح عرضة لسوء الفهم. ومن الأمثلة التي كثيرا ما يستشهد بها في هذا الصدد أن الجمهور الأمريكي، خلال عروض مي لان فانغ (فنان أوبرا بكين المشهور) في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1930، اعتقدوا أن رسم الوجه الأبيض دلالة على النقاء، غير أن هذا اللون يرمز إلى المكر والخداع في المسرحيات الصينية. وهذا يذكرنا بأن الرموز الثقافية لا يمكن نقلها ببساطة من سياق إلى آخر نقلا مباشرا.
أما الإستراتيجية الأكثر فاعلية فهي الدمج العميق للعناصر الثقافية داخل بنية المنتج نفسه. وقد أدركت الشركات الرائدة في قطاع الألعاب الإلكترونية أنه يجب التخلي عن أسلوب "الاستخدام الزخرفي السطحي" للعناصر الصينية، لجعل اللاعبين يرغبون في اكتشاف الثقافة الصينية من تلقاء أنفسهم. ومن الأمثلة على ذلك أن إحدى الألعاب، في توظيفها لفن قص الورق الصيني، لم تكتف باستعارة أنماطه البصرية، بل دمجت خاصيته الفنية المتمثلة في "التعبير عن المعنى من خلال الشكل"، في السرد العاطفي داخل اللعبة، الأمر الذي يثير حماسة اللاعبين عبر تجربة غامرة، ويدفعهم إلى الإبداع. وفي لعبة أخرى من ألعاب العالم المفتوح، لم تُقدم شخصية مستوحاة من أوبرا بكين عبر شروح مباشرة، بل تم إدماج أساليب الغناء والحركة المسرحية لأوبرا بكين في مشاهد القتال والأداء في اللعبة بطريقة بارعة. وقد حققت مقاطع الفيديو للسيناريوهات المرتبطة بهذه الشخصية أكثر من عشرة ملايين مشاهدة على منصات الفيديو الأجنبية، كما بادر كثير من اللاعبين الأجانب إلى دراسة معاني كلمات الأغنية وتحليلها.
تكشف هذه الأمثلة، في جوهرها، عن كيفية عرض رموز ثقافية صعبة الفهم عبر منتجات ألعاب يفهمها اللاعبون في مختلف أنحاء العالم. فاللاعب يقترب من ثقافة جديدة في اللعبة الممتعة، ويتعمق فهمه لهذه الثقافة بفضل التجربة الغامرة. تأتي هذه الجاذبية من الداخل كونها جزءا من اللعبة، ولا يضاهيها العرض الثقافي السطحي.
من التوجه إلى الخارج إلى الانطلاق برؤية عالمية منذ البداية
تشير بيانات السنوات السابقة إلى أن أكبر خمس أسواق خارجية للألعاب الصينية من حيث الإيرادات ظلت مستقرة لفترة طويلة، وهي الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وجمهورية كوريا وألمانيا والمملكة المتحدة. تشهد هذه الأسواق الناضجة منافسة محتدمة، مع ارتفاع مستمر في تكلفة اكتساب المستخدمين، غير أن "ازدحام" السوق لا يعني "تشبعها"، إذ لا تزال هناك فرصتان هيكليتان قائمتان.
أولا، فئات الألعاب التي لم تكتشف بعد داخل الأسواق الناضجة. خلال السنوات الأخيرة، شهدت الألعاب الترفيهية نموا سريعا في الأسواق العالمية، حيث ارتفعت حصتها من إجمالي إيرادات سوق الألعاب من 8ر1% في عام 2022 إلى 6% في عام 2024. كما حققت بعض المنتجات التي تجمع بين عناصر الألعاب الترفيهية وآليات الألعاب الإستراتيجية، نجاحا لافتا في أسواق أمريكا الشمالية واليابان وجمهورية كوريا. وهو ما يثبت أنه حتى في سوق تبدو شديدة الازدحام والمنافسة، لا يزال من الممكن، عبر الابتكار في فئات الألعاب، الكشف عن احتياجات فرعية لم تتم تلبيتها بعد على نحو كاف.
ثانيا، العائد الديموغرافي وعائد أنظمة الدفع في الأسواق الناشئة. ففي مناطق مثل جنوب شرقي آسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، تشهد معدلات انتشار الأجهزة الذكية، إلى جانب البنية التحتية للدفع الرقمي، تحسنا سريعا. غير أن العقبة الأكبر أمام دخول هذه الأسواق ليست الحواجز اللغوية أو الفوارق الثقافية، بل عدم مواءمة منطق تصميم المنتجات مع احتياجات المستخدمين المحليين. فكثير من الشركات اعتادت توجيه منتجاتها إلى فئة اللاعبين الشباب من الذكور، في حين أن احتياجات شرائح واسعة من اللاعبات واللاعبين في منتصف العمر وكبار السن، مثل ميولهم للسرد والجمال البصري وإيقاع اللعبة، ظلت مهملة لفترة طويلة.
كما يسود اقتناع في قطاع الألعاب بأنه يتعين على الشركات بناء قدرتها الحقيقية على إنتاج ألعاب موجهة إلى الأسواق العالمية من أجل تحويل هذه الفرص إلى مكاسب فعلية. واللافت في هذا الصدد أن مجلس الدولة الصيني أدرج، في إبريل 2025، تعزيز حضور صناعة الألعاب الإلكترونية الصينية في الأسواق العالمية ضمن النقاط التجريبية المهمة لتوسيع انفتاح قطاع الخدمات، مشجعا على تحقيق تنمية منسقة على امتداد السلسلة كلها، من تطوير الملكيات الفكرية إلى الإنتاج والإصدار، وصولا إلى التشغيل في الأسواق الخارجية. لكن الدعم الخارجي لا يوفر سوى بيئة مؤاتية، أما القدرة الحقيقية فتنبع من المنتج نفسه.
في المؤتمر السنوي لصناعة الألعاب الإلكترونية الصينية لعام 2025، أشار بعض كبار العاملين في القطاع إلى أن تعبير "التوجه إلى الخارج" لم يعد كافيا للتعبير عن الواقع الحالي، إذ إن إستراتيجيات كثير من شركات الألعاب الإلكترونية اليوم تنطلق، في حقيقتها، برؤية عالمية منذ البداية. وقد عدلت بعض الشركات، قبل سنوات، إستراتيجياتها في البحث والتطوير لتقوم على "تصميم المنتجات انطلاقا من احتياجات السوق العالمية"، واتخذت إستراتيجية إصدار تقوم على "الأسواق الخارجية أولا، ثم السوق المحلية"، حتى إن بعض منتجاتها الجديدة حققت، بعد إطلاقها، إجمالي تدفقات نقدية شهرية تجاوزت مائة مليون يوان لعدة أشهر متتالية. أما بعض الشركات الأخرى، فاتبعت مسارا يقوم على تنويع منتجاتها بحسب خصائص الأسواق المحلية المختلفة؛ ففي أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، تولي اهتماما أكبر لعناصر التفاعل الاجتماعي داخل اللعبة، بينما تميل في آسيا إلى دمج عناصر تاريخية في اللعبة.
إن السبب في تحقيق زيادة بنسبة تجاوزت 40%، يكمن في التحول البنيوي لمنطق تطوير المنتج. وهذا التحول يعيد تشكيل هيكل القطاع؛ فالشركات القادرة على التكيف ستدخل أسواقا عالمية أوسع، أما التي تعجز عن ذلك، فقد تجد نفسها أمام خطر الركود والتوقف.
--
وانغ شيوي، شريك مؤسس ومحلل رئيسي في مؤسسة غاما شوجيوي.
