ملف العدد < الرئيسية

عن تشو أن لاي وحكايات الصداقة الصينية- المصرية

: مشاركة
2026-08-25 11:59:00 الصين اليوم:Source وو سي كه:Author


تتعاقب السنون وتتوالى الأيام، ويصادف هذا العام الذكرى السنوية السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر. في عام 1956، أقامت مصر، الدولة المهمة في العالم العربي وأفريقيا، العلاقات الدبلوماسية مع الصين، مما شجع عددا كبيرا من الدول العربية والأفريقية على أن تحذو حذوها، فانبلج عهد جديد في العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول العربية والأفريقية، وسطرت صفحة مشرقة في تاريخ دبلوماسية الصين الجديدة.

عملت في مصر ثلاث مرات، وقضيت على ضفاف النيل ثلاثة عشر عاما. كانت المرة الأولى من أواخر عام 1973 إلى مطلع عام 1980، في أعقاب حرب أكتوبر مباشرة، حيث عايشت التحول التاريخي الذي انتقلت فيه مصر من حالة الحرب إلى السلام، ولا تزال مشاهد الدمار والأنقاض في منطقة قناة السويس ماثلة في ذاكرتي. أما المرة الثانية فكانت بين عامي 1993 و1996، حين عملت مستشارا برتبة وزير مفوض، فرأيت جراح الحرب وقد التأمت، ومنطقة القناة وقد استعادت نشاطها وحيويتها. وفي المرة الثالثة، توليت منصب سفير الصين لدى مصر بين عامي 2003 و2007، وشهدت مصر وهي تستعيد حيويتها مستفيدة من فرص السلام، فيما كانت مناطق تنمية جديدة تنهض في قلب الصحراء. وإضافة إلى ذلك، زرت مصر مرارا خلال عملي مبعوثا خاصا للحكومة الصينية لشؤون الشرق الأوسط بين عامي 2009 و2014، وشهدت مسيرتها في السعي إلى الاستقرار وتحقيق التنمية وسط التحولات. وعلى امتداد أكثر من أربعين عاما من العمل الدبلوماسي، عايشت عن قرب وكنت شاهدا على علاقات الصداقة بين الصين ومصر وهي تصمد أمام مختلف التقلبات والاختبارات، وتزداد رسوخا مع مرور الزمن، فيما تتسع مجالات التعاون وتتنامى مضامينه باستمرار، حتى أضحت نموذجا يحتذى به لعلاقات الصداقة والتعاون بين الصين والدول النامية. وإنني لأشعر بارتياح عميق وشرف كبير لأن عملي الدبلوماسي كان جزءا من هذه المسيرة التاريخية، ولأنني أسهمت فيها بأقصى جهدي.

خلال سنوات عملي الطويلة في مصر، ربطتني علاقات صداقة واسعة بمختلف الأوساط المصرية. وكان ما لمسته لديهم من محبة صادقة وإجلال عميق لرئيس مجلس الدولة الأسبق تشو أن لاي يثير في نفسي تأثرا بالغا، ولا يزال راسخا في ذاكرتي.

الدكتور يوسف والي: رئيس مجلس الدولة تشو أن لاي قدوتي طوال حياتي

تأسست جمعية الصداقة المصرية- الصينية في عام 1958. وفي أوائل ستينيات القرن العشرين، تأثرت العلاقات بين البلدين لبعض الوقت بتداعيات الوضع الدولي. وفي محاولة لتبديد سوء الفهم، قام الدكتور إبراهيم توفيق الطحاوي (1919- 1992) كان آنذاك وزيرا برئاسة الجمهورية في مصر، ورئيس جمعية الصداقة المصرية- الصينية آنذاك بزيارة إلى الصين على رأس وفد من الجمعية. وقد استقبل تشو أن لاي الوفد بحفاوة، وشرح لأعضائه بصورة معمقة سياسة الصين الخارجية السلمية، مؤكدا على الأهمية الكبيرة التي توليها الصين لتطوير علاقاتها مع مصر. وكان الدكتور يوسف والي أصغر أعضاء الوفد سنا. وقد استعاد لاحقا ذكريات ذلك اللقاء، قائلا إن تشو أن لاي جلس إليهم في حديث ودي وصريح حتى ساعة متأخرة من الليل، وإن صدقه وتواضعه وقربه من الناس تركت أثرا عميقا في نفوس الجميع. وعند انتهاء اللقاء، سلم تشو أن لاي إلى الوزير الطحاوي رسالة بخط يده موجهة إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وطلب منه إيصالها إليه. وقد بدا على الطحاوي شيء من التردد، فقال له تشو أن لاي على الفور: "أعلم أنكم ستزورون الاتحاد السوفيتي أيضا، لكننا أصدقاء، والصدق والأمانة أساس التعامل بين الأصدقاء، وأنا أثق بكم ثقة كاملة." وقد لامست كلماته الصادقة قلوب جميع أعضاء الوفد المصري، وانغرست في وجدان الدكتور والي عميقا صورة تشو أن لاي بما اتسم به من صدق ومودة. وقال إن الطحاوي ظل طوال أيام زيارته لموسكو يحتفظ برسالة تشو أن لاي في جيب داخلي ملاصق لصدره، خشية أن يصيبها أي مكروه، ولم يهدأ له بال إلا بعد أن سلمها إلى الرئيس جمال عبد الناصر.

تولى الدكتور يوسف والي بعد ذلك مناصب مهمة، من بينها وزير الزراعة ونائب رئيس الوزراء، لكنه ظل على مدى عقود رئيسا لجمعية الصداقة المصرية- الصينية، وبذل جهودا كبيرة في سبيل تعزيز الصداقة بين البلدين. وكان كثيرا ما يقول إن تشو أن لاي هو قدوته طوال حياته. وفي عام 2006، بمناسبة الذكرى السنوية الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، منحته الحكومة الصينية جائزة تكريما لإسهاماته البارزة في تعزيز الصداقة الصينية- المصرية. وحتى عندما تعرض لتداعيات الاضطرابات السياسية التي شهدتها مصر في عام 2011، كان أول ما شغله بعد الإفراج عنه هو الصداقة المصرية- الصينية، وواصل العمل بنشاط على تعزيز التبادل الثقافي بين البلدين. كما أنشأ متحف الصداقة المصرية- الصينية داخل حرم المتحف الزراعي المصري، لعرض الهدايا التي تلقاها على مدى عقود من التواصل مع الصين، ليتيح للمزيد من المصريين التعرف إلى روائع الفنون والحرف التقليدية الصينية.

الصداقة بين تشو أن لاي وجمال عبد الناصر

عند الحديث عن الصداقة الصينية- المصرية، تظل الصداقة بين تشو أن لاي والرئيس جمال عبد الناصر من أكثر القصص تداولا بين المصريين. فقد التقيا في يانغون عشية انعقاد مؤتمر باندونغ في عام 1955، وسرعان ما نشأت بينهما منذ اللقاء الأول مشاعر الألفة والتقدير المتبادل. وخلال مؤتمر باندونغ، تبادلا الدعم وتعاونا عن كثب، مما أسهم في تمهيد الطريق لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، كما أرسيا صداقة استمرت مدى الحياة. وقال الرئيس جمال عبد الناصر ذات مرة في خطاب ألقاه أمام الجمهور إن تشو أن لاي "قائد بارز في آسيا، وأحد صانعي الثورة الصينية، ورمز حي للشعب الصيني العظيم". وقد أصبح الزعيمان، من خلال تواصلهما الودي والصادق، صديقين مخلصين، كما قدما نموذجا لتضامن قادة آسيا وأفريقيا وتعاونهم. وبعد إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر في عام 1956، ظل تشو أن لاي يولي أهمية كبيرة لتطوير العلاقات بين البلدين، وقدمت الصين دعما ثابتا لمصر في نضالها من أجل صون سيادتها الوطنية وتنمية اقتصادها الوطني، كما قدمت لها ما استطاعت من مساعدات.

وفي الفترة من أواخر ديسمبر عام 1963 إلى فبراير عام 1964، قام تشو أن لاي بجولة شملت عشر دول أفريقية، واختار مصر لتكون محطته الأولى. وبعد ثمانية أعوام، التقى الصديقان القديمان مجددا على أرض أفريقيا، وكان اللقاء حافلا بالمودة. وأقام الرئيس جمال عبد الناصر مأدبة استقبال كبرى تكريما لتشو أن لاي، وقلده بنفسه وسام الجمهورية، كما دعا جميع الحاضرين إلى الوقوف تحية له. وخلال الزيارة، عقد تشو أن لاي والرئيس جمال عبد الناصر أربع جولات من المحادثات، شرح خلالها تشو أن لاي بصورة معمقة مواقف الصين ورؤاها بشأن عدد من القضايا المهمة، مما أسهم في تبديد ما كان لدى بعض الدول الأفريقية من شكوك. كما زار الأهرامات ومشروعات الري في أسوان وغيرها من المواقع. وانطلاقا من الأهمية التي أولتها الصين لمكانة مصر، استطلع تشو أن لاي مسبقا رأي الرئيس جمال عبد الناصر في المبادئ الخمسة التي طرحتها الصين بشأن علاقاتها مع الدول العربية، وقد حظيت هذه المبادئ بتقدير كبير من الرئيس جمال عبد الناصر. وظلت، لفترة طويلة، من المبادئ المهمة التي استرشدت بها الصين في تطوير علاقاتها مع الدول العربية والأفريقية. وقد عرفت هذه الجولة التي شملت عشر دول أفريقية، وكانت مصر محطتها الأولى، باسم "إعصار تشو أن لاي"، إذ أثارت موجة واسعة من الاهتمام بالصين في أفريقيا، وأصبحت معلما بارزا في تاريخ الدبلوماسية الصينية.

وساعدت زيارة تشو أن لاي لمصر المصريين على التعرف إلى الصين بصورة أعمق، وأصبح كثير منهم أصدقاء مخلصين للصين. وأثناء زيارته للأهرامات، قدم تشو أن لاي بنفسه قلم حبر صيني الصنع إلى رياضي مصري كان يتسلق الهرم، وهي قصة جميلة لا يزال المصريون يتناقلونها حتى اليوم. وكانت سهير عبد القادر، الفتاة الصغيرة التي قدمت الزهور إلى تشو أن لاي آنذاك، واحدة من هؤلاء الأصدقاء. وقد ظلت تذكر أن تقديمها الزهور له شرف تعتز به طوال حياتها، وحافظت على مدى عقود على صلات وثيقة بالجانب الصيني. وقد شغلت لفترة طويلة منصب الأمينة العامة للجنة المنظمة لمهرجان القاهرة السينمائي، وكانت تحرص في كل دورة على مشاركة الصين، وتبادر إلى دعوتها لإيفاد أعضاء في لجان التحكيم. وكلما فاز فيلم صيني بجائزة، كانت تسارع بسعادة إلى تهنئة الجانب الصيني.

وفي الدورة التاسعة والعشرين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في عام 2005، دعت سهير عبد القادر الصين للمشاركة كضيف الشرف، وشارك في المهرجان ثلاثون فيلما صينيا. وقد أتيحت للسينما الصينية من خلال هذه المشاركة فرصة مميزة لإبراز حضورها على الساحة الدولية، وحظيت بتقدير واسع. وبصفتي سفير الصين لدى مصر آنذاك، دعيت إلى السير على السجادة الحمراء والمشاركة في عدد من فعاليات المهرجان، وهو ما أشعرني بفخر كبير. وبعد تقاعدها، واصلت سهير عبد القادر جهودها النشيطة في بناء جسور التواصل بين الفنانين الصينيين والأفارقة، كما تولت رئاسة مهرجان الفنون والفلكلور الأفروصيني، وواصلت الإسهام في تعزيز التبادل الثقافي والفني بين الصين ومصر وحتى أفريقيا.

وعندما يذكر الانطباع الذي تركته جولة تشو أن لاي في أفريقيا لدى المصريين، أتذكر حديثا جمعني بالسيد أحمد أبو الغيط، وزير خارجية مصر آنذاك، خلال فترة عملي سفيرا في مصر. فقد استعاد من تلقاء نفسه، وبكثير من التأثر، مشاهد زيارة تشو أن لاي إلى مصر في ذلك العام. وقال إنه كان آنذاك طالبا في المرحلة الثانوية، ووقف بين الحشود التي خرجت لاستقبال تشو أن لاي، فرأى عن قرب حضوره المهيب، ثم شاهد لاحقا ما جمعه بمختلف الأوساط المصرية من تواصل صادق ومودة حقيقية. وأضاف أن تلك المشاهد ظلت راسخة في ذاكرته، وأن تشو أن لاي ترك في مصر، بل وفي أفريقيا كلها، انطباعا جميلا للغاية وأثرا بعيد المدى.

حسن رجب: تشو أن لاي هو أكثر من أكن له التقدير والإجلال

في أواخر عام 1993، وبعد وقت قصير من وصولي إلى مصر لتولي مهامي، انتهت مدة عمل سفير الصين لدى مصر، فتوليت مهام القائم بالأعمال بالإنابة في السفارة. ومع بدء زياراتي الرسمية إلى مختلف الأوساط، كان السيد حسن رجب، أول سفير لمصر لدى الصين، من أكثر الشخصيات التي كنت أتطلع إلى لقائها. فقد كان اسمه مألوفا لدي منذ أول مرة عملت فيها في مصر، لكن لم تتح لي من قبل فرصة للقائه. وبصفته أول سفير لمصر لدى الصين، حظي حسن رجب بترحيب حار وحفاوة كبيرة في الصين. في 17 سبتمبر عام 1956، تسلم الرئيس ماو تسي تونغ أوراق اعتماده وتبادل معه حديثا وديا، كما استقبله تشو أن لاي مرات عدة وأقام مآدب على شرفه. وبعد أن غادر حسن رجب السلك الدبلوماسي، تفرغ لدراسة تقنية صناعة ورق البردي التي كانت قد اندثرت لأكثر من ألف عام، ونجح في إحيائها، ويقال إنه "أبو صناعة ورق البردي في مصر". كما أسس في القاهرة "القرية الفرعونية"، التي أصبحت من المعالم السياحية المعروفة. وفي قاعة عرض صناعة ورق البردي التي أنشأها، تعلق صور تجمعه بعدد من القادة الصينيين، فيما تمنح أزهار اللوتس المستقدمة من الصين الزوار الصينيين شعورا خاصا بالألفة.

وبعد أيام قليلة من حلول عام 1994، زرت السيد حسن رجب في منزله. وعلى الرغم من أنه كان قد تجاوز الثمانين من عمره، فإن حديثه عن الصين ظل مفعما بالمشاعر. وأخرج مجموعة من الصور القديمة، وأخذ يحدثني عن ذكرياته في الصين: تقديم أوراق اعتماده إلى الرئيس ماو تسي تونغ، والمشاركة في العمل التطوعي في موقع خزان المقابر الثلاث عشرة لأسرة مينغ (1368- 1644م)، إلى جانب صور ثمينة له مع تشو أن لاي. وكانت الصورة التي يعتز بها أكثر هي التي تجمعه مع تشو أن لاي وفي زاويتها اليمنى من أسفل توقيع بخط يد تشو أن لاي كتبه بالفرشاة، وأهداها إليه. وبينما كان يتأمل الصورة، استعاد بتأثر لقاءاته العديدة مع تشو أن لاي، ولا سيما خلال حرب السويس. وقال إنه منذ لقائه الأول مع تشو أن لاي، اعتبره معلما وصديقا عزيزا، وكان كلما واجه مسألة صعبة، يفكر في طلب مشورته. وكانت معارف تشو أن لاي الواسعة ورؤاه الثاقبة تساعده دائما على تبديد الحيرة ورؤية الأمور بوضوح. كما كان تشو أن لاي يتعامل مع الناس بتواضع وصدق، من دون أدنى مظهر من مظاهر التعالي بصفته رئيس مجلس الدولة لبلد كبير، الأمر الذي عمق إعجاب حسن رجب به، وزاد فهمه للثقافة الصينية التقليدية الأصيلة.

وبعد أن جمع السيد حسن رجب الصور، قال لي بنبرة جادة ومهيبة: "إن الصداقة المصرية- الصينية أمانة ينبغي أن تتوارثها الأجيال، وأنا سعيد جدا بلقائك اليوم. وهذه الصور التي اخترتها هي شواهد تاريخية على الصداقة بين مصر والصين. لقد تقدمت بي السن، وربما لا يدرك أبنائي تماما ما تحمله هذه الصور من قيمة ومعنى، لذلك قررت أن أعهد بها إليك، وأنا على ثقة بأنك ستحافظ عليها وتنقل ما تحمله من رسالة إلى الأجيال المقبلة."

وعند الوداع، سلمني السيد حسن رجب هذه الصور الثمينة بكل عناية وجدية، آملا أن تستمر الصداقة المصرية- الصينية جيلا بعد جيل. وعلى مدى عقود، ظللت أحتفظ بهذه الصور بعناية، وأروي بوسائل مختلفة، قصص الصداقة التي تقف وراءها. وفي عام 2016، بمناسبة الذكرى السنوية الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، توليت رئاسة تحرير كتاب تذكاري بعنوان "حكايات الصين ومصر". وكتب وزيرا خارجية البلدين مقدمتين للكتاب، كما أسهم فيه نحو ثلاثين شخصية من مختلف الأوساط في الصين ومصر، ممن شاركوا بصورة مباشرة في مسيرة التبادل الودي بين البلدين، بمقالات مؤثرة تسجل فصولا من الصداقة الصينية- المصرية. وكانت الصورة التي تجمع تشو أن لاي بحسن رجب وتحمل توقيع تشو أن لاي بخط يده من أكثر الصور لفتا للأنظار في الكتاب. وقد رويت في النص المرافق لها قصة تسليم حسن رجب هذه الصور إليّ، فأصبحت من أبرز مواد الكتاب. وأذكر بوضوح أنه كان قد مضى آنذاك اثنا عشر عاما على رحيل حسن رجب في عام 2004، وكان بوسعنا أن نطمئنه إلى أننا لم ننسه. كما كنت أود أن أخبره بأنني سلمت هذه الصور الثمينة إلى جيل جديد من الشباب المتحمسين لقضية الصداقة الصينية- المصرية، مواصلا بذلك نقل الأمانة من جيل إلى جيل، حتى تظل الصداقة بين الصين ومصر متدفقة بلا انقطاع كنهري اليانغتسي والنيل. وهذا، في رأيي، خير وفاء لذكرى السيد حسن رجب، الذي قدم إسهامات بارزة في خدمة الصداقة بين البلدين.

وخلال فترة عملي سفيرا للصين لدى مصر، ظلت في غرفة الاستقبال بمقر إقامتي الرسمي صورتان بالأبيض والأسود التقطتا خلال زيارة تشو أن لاي إلى مصر في عام 1963. إحداهما صورة له أمام الأهرامات وتمثال أبي الهول إلى جانب نائب رئيس مجلس الدولة تشن يي وعدد من المسؤولين المصريين المرافقين، والأخرى صورة له على السلم خارج مقر إقامة أعضاء السفارة وبعض أفراد الوفد. لقد سجلت في التاريخ الجهود الكبيرة التي بذلها تشو أن لاي في إقامة العلاقات بين الصين ومصر وتطويرها، وأصبحت صفحة خالدة في تاريخ الدبلوماسية الصينية. وقال لي صديق مصري ذات مرة بتأثر: "إن تشو أن لاي ليس للصين وحدها، بل للعالم أيضا." وقد وجدت في هذه الكلمات صدى عميقا في نفسي.

وبعد سبعين عاما من صقل الزمن واختبارات العواصف، ازدادت الصداقة الصينية- المصرية رسوخا وحيوية، وأصبحت العلاقات بين البلدين نموذجا يحتذى به للصداقة والتضامن والتعاون بين الدول النامية، ومثالا للتعاون الجماعي بين الصين والدول العربية وبين الصين والدول الأفريقية. وعند نقطة انطلاق تاريخية جديدة، أثق بأن الجانبين الصيني والمصري سيواصلان التمسك بالمقاصد الأصلية لإقامة العلاقات الدبلوماسية، والمضي قدما يدا بيد، ليظلا أخوين يتبادلان الدعم بثبات، وشريكين يعمقان التعاون المتبادل المنفعة، وصديقين يعززان التنسيق في المحافل المتعددة الأطراف، بما يدفع العلاقات الثنائية نحو بناء مجتمع المستقبل المشترك بين الصين ومصر في العصر الجديد.

--

وو سي كه، دبلوماسي مخضرم، والمبعوث الخاص الأسبق للحكومة الصينية لشؤون الشرق الأوسط وسفير الصين لدى مصر من عام 2003 إلى 2007.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4