في دول جنوب شرقي آسيا، تمرق الدراجات الكهربائية التي تنتجها شركة ياديا بين الشوارع والأزقة؛ وفي أوروبا، تطلق مكيفات الهواء النقالة التي تنتجها شركة يوآو نسائم منعشة تخفف قسوة الحرارة؛ وعلى خط سكة حديد جاكرتا- باندونغ الفائق السرعة، تعمل القطارات الكهربائية المزودة بأبواب من شركة كانغني. من الدراجات الكهربائية ذات العجلتين إلى الأجهزة المنزلية الذكية الصغيرة، ومن أجهزة أشباه موصلات الطاقة إلى أنظمة أبواب القطارات الكهربائية، فإن مقاطعة جيانغسو، وهي قاعدة رئيسية للتصنيع الذكي ونافذة مهمة لانفتاح الصين على الخارج، شهدت صعودا قويا للتصنيع الذكي. من هنا يدخل "التصنيع الذكي الصيني" الأسواق العالمية عبر الابتكار المتقدم والتفوق التكنولوجي.
التحول الذكي.. نحو صناعة أكثر ذكاء
في قاعدة ووشي لشركة مجموعة ياديا المحدودة للتكنولوجيا، يتم تجميع دراجة كهربائية كاملة في خمس وثلاثين ثانية، وفي كل دقيقة تقدم مدينة ووشي للأسواق العالمية 4ر2 دراجة في المتوسط. هنا يجري تركيب المحركات الكهربائية والعجلات بانسياب وانتظام، بينما تظهر الشاشات الإلكترونية المعلقة فوق خط الإنتاج أحدث البيانات لحظة بلحظة. تظهر الشاشة القدرة الإنتاجية المستهدفة وعدد حالات الإخفاق في الفحص النهائي وغيرهما من بيانات الإنتاج، الأمر الذي يوفر مراجع دقيقة لضبط وتيرة العمل وضمان جودة المنتجات.
قال قوه بي يا، مدير عام التصنيع في قاعدة ووشي لشركة ياديا، إن نسبة التصنيع الذكي في ورش الإنتاج وصلت إلى 30%. وأشار إلى أن مصنع ياديا الذكي مزود بأنظمة وأجهزة ذكية ورقمية، ومنها الناقل المتحرك ذو السلسلة المعلقة وأنظمة التطبيقات والمنتجات في معالجة البيانات (SAP) ونظام التعرف والتمييز الآلي بالاستشعار الضوئي.
قال وانغ جيا تشونغ، النائب الأول لرئيس شركة ياديا: "التقنيات الذكية لم ترفع الإنتاجية فحسب، وإنما أيضا أسهمت في الارتقاء بجودة المنتجات وسلامتها." وأشار إلى أن الجودة العالية هي قدرة تنافسية جوهرية لدراجة ياديا الكهربائية، التي تتصدر المبيعات في العالم لثماني سنوات متتالية وتصل إلى أكثر من مائة دولة.
في خزائن العرض لشركة يانغجيه المحدودة للتكنولوجيا الإلكترونية في مدينة يانغتشو، تصطف حبيبات سوداء لا يتجاوز حجم كل منها حجم حبة الأرز. قال ليانغ ياو، نائب رئيس مجلس إدارة شركة يانغجيه: "هذه هي أجهزة أشباه موصلات الطاقة، التي تعرف أيضا باسم 'الأرز الاصطناعي الإلكتروني'، إذ لا غنى عنها في أي منتج يعتمد على الكهرباء."
منذ انطلاق مشروع المصنع الذكي في عام 2021، استثمرت شركة يانغجيه 875 مليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 1ر7 يوانات تقريبا حاليا) في بناء نظام التصنيع الذكي المدمج بجيل جديد من تكنولوجيا المعلومات. حاليا، تبلغ القدرة الإنتاجية اليومية للشركة 150 مليون وحدة من أشباه موصلات الطاقة، وتصدر كل سنة حوالي ستين مليار وحدة منها إلى كل أنحاء العالم.
هناك تحد بارز: كيف يمكن فحص هذا الكم الهائل من المكونات الدقيقة بسرعة وكفاءة لضمان الجودة؟ في ورشة الفحص الذكية للمكونات الدقيقة والفائقة الرقة بشركة يانغجيه، يمكن لكل جهاز فحص ثلاثين ألف مكون في ساعة، استنادا إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية. فارتفعت الكفاءة بنسبة 30% وانخفض معدل العيوب من 65ر2% إلى 05ر1%.
قال ليانغ ياو: "أسهمت تقنيات التصنيع الذكي بشكل ملحوظ في رفع نسبة المنتجات المطابقة للمعايير وتحسين أدائها، وكذلك تحتل الشركة مراكز متقدمة على مستوى العالم في عدة قطاعات فرعية. على سبيل المثال، تحتل ثنائيات الطاقة التي تنتجها شركتنا المرتبة الأولى في الصين والمرتبة الثانية عالميا من حيث حصة السوق، بينما تبلغ حصتها في السوق العالمية للثنائيات الالتفافية للألواح الكهروضوئية 4%. ومؤخرا، أدرجت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية شركة يانغجيه ضمن فئة المصانع الذكية المتميزة لعام 2025."
البحث والتطوير وفق احتياجات الأسواق المستهدفة
يحتل "التصنيع الذكي في جيانغسو" صدارة المبيعات في الأسواق العالمية، وذلك بفضل الجهود المتواصلة التي تبذلها الشركات لتعزيز البحث والتطوير وفق احتياجات الأسواق المستهدفة.
قال وانغ جيا تشونغ: "أنشأت شركة ياديا، منذ إطلاقها إستراتيجية العولمة في عام 2007، عشر قواعد للتصنيع والبحث في الصين وفيتنام وإندونيسيا وتايلاند والمكسيك وغيرها من الدول والمناطق، حيث تجاوز عدد منافذ البيع لها أربعين ألفا. وقد أقامت الشركة منظومة متكاملة مستهدفة السوق العالمية، تجمع بين البحث والإنتاج والإمداد والتسويق والخدمات." كما أشار السيد وانغ إلى أن صادرات ياديا شهدت نموا ملحوظا بنسبة تتراوح بين 40% و50%، خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2025، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
تعد إستراتيجية البحث والتطوير وفق احتياجات الأسواق المستهدفة مفتاحا حاسما لتسريع توجه الدراجات الكهربائية الصينية نحو الخارج. قال وانغ جيا تشونغ: "تجري شركة ياديا البحث والتطوير مع مراعاة الاحتياجات الخاصة لمختلف الأسواق. في أوروبا، نعدل التصميم الهندسي للدراجة، حيث نوسع مساحة المقعد لمراعاة أن المستهلكين يتسمون بطول القامة وضخامة البنية. وفي جنوب شرقي آسيا، نزيد من قطر العجلة وقوة المحرك والخلوص الأرضي للدراجة بسبب سوء حالة الطرق وكثرة الأمطار وأعاصير التيفون. وفي بعض الأسواق مثل إندونيسيا، يوجد عدد كبير من مستخدمي الدراجات الكهربائية في قطاع التوصيل، الذين يحتاجون إلى مسافة أطول بشحنة واحدة، فتعمل الشركة على رفع كفاءة البطارية وقدرة الدراجة على تحمل الصدمات."
في ورش الإنتاج لشركة يوآو المحدودة للتكنولوجيا الذكية في جيانغسو، تم فحص وتعبئة دفعة من مكيفات الهواء النقالة قبل تصديرها إلى أوروبا، التي عانت من موجات الحر الصيف الماضي.
قال وو تشينغ بينغ، رئيس مجلس إدارة شركة يوآو: "تعمل شركتنا في مجال البحث والتطوير والإنتاج والتسويق والخدمات للأجهزة المنزلية الذكية الصغيرة، مثل مكيفات الهواء النقالة وأجهزة إزالة الرطوبة وتنقية الهواء والسخانات. تصدر منتجاتنا إلى أكثر من 60 دولة ومنطقة، بما في ذلك أمريكا الشمالية وأوروبا. وتبلغ حصة إنتاجنا من مكيفات الهواء النقالة في السوق العالمية 16%، وتحتل الصدارة في ألمانيا وفرنسا وجمهورية كوريا."
ما السر وراء الإقبال المتزايد على منتجات شركة يوآو في الأسواق العالمية؟ قال لو جيون، مدير قسم البحث والتطوير بشركة يوآو: "من جهة، هناك طلب كبير على المكيفات النقالة في الأسواق الخارجية. في المدن الأوروبية، تمنع بعض أحيائها القديمة تركيب الوحدات الخارجية لمكيفات الهواء، كما أن تكلفة التركيب اليدوي تتجاوز أحيانا سعر الجهاز نفسه، مما يجعل المكيف النقال، الذي يعمل بالكهرباء فور توصيله ومن دون أي تركيب، حاجة أساسية لا غنى عنها. ومن جهة أخرى، تتقدم منتجات شركة يوآو خطوة أبعد من منتجات الشركات الأخرى في مجال الحلول الذكية، فهي مزودة ببطاريات شمسية ويمكن التحكم فيها عبر شبكة الواي فاي، مما يحقق الاستخدام المرن لها داخل البنايات أو في الهواء الطلق."
أضاف وو تشينغ بينغ: "أهم ما نمتاز به هو قدرتنا على تقديم منتجات مصممة حسب الطلب؛ فمن مرحلة البحث والتطوير إلى الإنتاج بالجملة، لا يستغرق الأمر أكثر من ستة أشهر، في حين يحتاج المنافسون في الخارج إلى عام أو عامين عادة. ولكي نحافظ على قدرتنا التنافسية في الأسواق الدولية، لا بد من الارتقاء المستمر بكفاءة البحث والتطوير والتصنيع، والابتكار انطلاقا من احتياجات الأسواق المستهدفة."
من الدراجات الكهربائية التي تتصدر الأسواق العالمية إلى الأجهزة المنزلية الصغيرة التي تمضي نحو آفاق أرحب، تسرع الشركات في جيانغسو وتيرة دخولها إلى السوق العالمية، وفي الوقت نفسه، تعمل على الارتقاء بقدرتها التنافسية، منتقلة من الاعتماد على ميزة السعر المنخفض إلى ميزة التقنية العالية.
جهود الدولة في دعم الشركات
حينما ترفع الشركات أشرعتها نحو الأسواق الخارجية، ترافقها السياسات الداعمة.
خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2025، وصل حجم التجارة الخارجية لمقاطعة جيانغسو، 31ر3 تريليونات يوان، وسجل رقما قياسيا جديدا، محققا نموا سنويا بنسبة 2ر5%، أي أعلى من المعدل الوطني بنسبة 7ر1%.
تظهر هذه الأرقام المبهرة كيف تسير جيانغسو بخطوات ثابتة، لتعزيز الانفتاح العالي المستوى ودفع التنمية العالية الجودة.
أولا، تسرع جيانغسو وتيرة دخول شركاتها المحلية إلى السوق العالمية، من خلال تعميق التعاون والتنسيق بين الحكومة والشركات. في النصف الأول من عام 2025، ساعدت الجهات الحكومية في حي شيشان بمدينة ووشي شركة ياديا وشركة تايلينغ على المشاركة في المعارض التجارية خارج البلاد، مثل معارض الدراجات ذات العجلتين في البرازيل وتركيا، لدخول الأسواق الناشئة في أمريكا الجنوبية وشرقي أوروبا.
ثانيا، تحسن جيانغسو خدماتها للتجارة الخارجية وتعمل على تعزيز الدعم المالي. على سبيل المثال، أطلقت مدينة نانجينغ أول منصة خدمات متكاملة حكومية للتأمين الائتماني تجمع بين التأمين الشامل ودعم أقساط التأمين وتقييم الجدارة الائتمانية وغيرها من الوظائف، بهدف دعم الشركات لتحقيق تنويع الأسواق.
ثالثا، تبذل جيانغسو جهودها في تنسيق الموارد وتسخيرها بكفاءة لتوفير خدمات دقيقة للشركات. شكلت الجهات الحكومية في المنطقة الوطنية لتنمية الصناعات العالية التقنية بمدينة تشانغتشو، مجموعة من الفرق الاستشارية في مجالات الجمارك والضرائب والصرف الأجنبي والمصارف ومكاتب المحاماة لتنظيم دورات تدريبية ضمن برنامج "حماية الشركات في مسار الذهاب إلى الخارج"، كما عقدت لقاءات لتبادل الخبرات الناجحة في منطقة المخازن الجمركية الشاملة، من أجل تقديم ضمانات شاملة للشركات في مسيرتها نحو الأسواق الخارجية.
قال يوي تشن هاي، وهو مسؤول في إدارة التنمية الاقتصادية التابعة لمنطقة التنمية الاقتصادية والتكنولوجية بمدينة نانجينغ: "نبذل أقصى الجهود لتحقيق الاستقرار في التجارة الخارجية. والخطوة الأولى هي تقديم الدعم والدفء للشركات، أي وضع احتياجاتها في مقدمة الأولويات، ودفع انفتاحها العالي الجودة من خلال الخدمات الدافئة، وتعزيز دور الدولة لتشجيع الشركات على التوجه نحو الخارج."
في ظل سياسة "استقرار التجارة الخارجية والاستثمار الأجنبي"، يكتب "التصنيع الذكي في جيانغسو" فصلا جديدا في مسيرة تطوره، وينال إقبالا عالميا بالإبداع والانفتاح والاندماج.
