على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

الثعبان في الثقافتين الصينية والمصرية

: مشاركة
2025-02-19 10:43:00 الصين اليوم:Source :Author

احتفل الصينيون في التاسع والعشرين من يناير 2025 برأس السنة الجديدة حسب التقويم القمري الصيني. هذا العام هو عام الثعبان. ومن المهم هنا أن نشير إلى أن دولا عديدة تحتفل بـ"اليوم العالمي للثعابين" في السادس عشر من يوليو كل عام بهدف زيادة الوعي حول الثعابين وأنواعها المختلفة وأدوارها الحيوية في النظم البيئية. كما تسعى العديد من المبادرات إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة الشائعة حول الثعابين، وتوضيح أهميتها في التوازن البيئي، فضلا عن أن الثعابين تعد مكونا مهما في التنوع البيولوجي، ولها العديد من الفوائد، مثل مكافحة الآفات والقوارض ودخولها في العديد من الصناعات الطبية والعلمية.

الثعبان له رمزية خاصة في كل الثقافات تقريبا، فهو رمز للشر في بعض الثقافات والعقائد، ويرتبط بالخصوبة والطب في ثقافات أخرى. هناك أكثر من ثلاثة آلاف نوع من الثعابين في الكرة الأرضية، منها الأناكوندا الخضراء وهي الأثقل وزنا، والثعبان الشبكي وهو الأطول، وثعبان باربادوس وهو الأصغر.

ثمة قواسم عديدة بين الثقافتين الصينية والمصرية، تناولتها بحوث ودراسات متنوعة، ومنها مشروع بحثي حول العلاقات الثقافية بين مصر والصين، قام به مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية بمؤسسة ((الأهرام)) في مصر عام 2021، وشمل دراسة مهمة أعدها د. أيمن السيد عبد الوهاب، تحت عنوان "مصر والصين.. المشترك الحضاري"، والتي أكدت أن الفكر الفلسفي الصيني اتسم بنزعته الإنسانية التي مثلت الخط الرابط للحضارة الصينية من خلال ربطها التكاملي بين الإنسان والطبيعة.

يحظى الثعبان باحترام كبير في الصين. ونجد أن أحد أقدم كتب الأساطير الصينية وهو ((شانهاي جينغ)) والذي يعني "كتاب الجبال والبحار"، ويرجع تاريخ تدوينه إلى ما قبل فترة أسرة تشين (221- 206 ق. م)، سجل العديد من الآلهة والإلهات الذين كانت الثعابين جزءا منها. كانت آلهة البحر الأربعة في الصين القديمة ترتدي الثعابين كزينة على آذانها وتستخدم الثعابين للسفر. وفي الأساطير الصينية فإن "فو شي" وأخته "نيوي وا، اللذين خلقا البشر من الطين، لكل منهما جسد نصفه بشر ونصفه ثعبان. وحسب البروفيسور هوا شياو ينغ، الأستاذ المساعد في جامعة شرق الصين للمعلمين، اعتبر الثعبان رمزا للقوة العظيمة للطبيعة، والقدرة على التحكم في الثعابين تمثل القدرة على التحكم في الطبيعة.

في الصين، يطلق على الثعبان عادة اسم التنين الصغير. يعتقد كثيرون أن صورة التنين مستمدة من الثعبان. وعلى الرغم من أن التنين يمكن أن يتباهى برأس الحصان وقرون الغزلان وقشور الأسماك ومخالب النسور، فإن الجسم يكون دائما لثعبان. كانت الثعابين أيضا طوطما شائعا لأبناء قوميات صينية، ومنهم أبناء قومية توجيا الذين يعيشون في مقاطعات سيتشوان وقويتشو وهونان. كان القدماء الصينيون، الذين عاشوا في المنطقة التي تسمى حاليا بمقاطعة فوجيان، يرسمون وشم الثعابين كشكل من أشكال العبادة.

لا تزال الصين تحتفل اليوم بالعديد من مهرجانات الثعبان والمناسبات التذكارية له. ففي اليوم السابع من الشهر السابع حسب التقويم القمري الصيني، يتجول سكان بلدة تشانغهو في مقاطعة فوجيان في المدينة حاملين الثعابين الحية. وبعد المهرجان، يتم إرجاع الثعابين إلى البرية.

وفي الثقافة الصينية أيضا، يبدو أيضا أن الثعبان له علاقة معقدة بالتنين، وهو شعار رمزي للأمة، وفي بعض الأحيان لا يمكن التمييز بينهما، وفي أوقات أخرى كان يُعتقد على نطاق واسع أن الثعبان هو النموذج الأولي الرئيسي للتنين. على غرار التنين، كان الثعبان من العناصر المهمة طوال التاريخ الصيني، ولكن على عكس التنين، كانت معاني الثعبان رمزية ومتقلبة. في كتاب ((شوون جيتسي)) الذي يعني "شرح المقاطع الصينية"، وهو كتاب مرجعي أساسي عن المقاطع الصينية كتب في القرن الثاني الميلادي، ذكر مؤلفه شيوي شن، كيف كان الناس يخافون الثعابين ويحيون بعضهم البعض بالسؤال عما إذا كانوا قد واجهوا أيا منها مؤخرا، مما يشير إلى وجود الثعابين في حياتهم.  

 هناك العديد من الكتابات والبحوث حول دلالة الثعبان في مختلف الثقافات، ومنها المقالة الشيقة والثرية التي نشرتها في الثامن عشر من يناير 2025 صحيفة ((تشينا ديلي)) الصينية التي تصدر باللغة الإنجليزية للكاتب تشاو شو، ويقول فيها: "تخيل ثعبانا ملتفا وصعب المراس، وغارقا في المعاني، يخرج من أعماق التاريخ الثقافي للعالم ليترك بصماته على الخيال البشري. ربما يكون هذا الثعبان هو الكوبرا التي تقف على قناع ذهبي للملك المصري توت عنخ آمون، رمزا للحماية والسلطة الإلهية. أو ربما يكون رأس ميدوسا؛ الغرغونة ذات الرأس المغطى بالأفاعي بدل الشعر والتي ما إن ترمق أحدا حتى يتحول إلى حجر." والغرغونة هي امرأة بشعة، وإحدى الغرغونات كان اسمها ميدوسا ولها شعر أشبه بالأفاعي. أما بالنسبة لمن يميلون إلى الفن، فهناك التمثال الهلنستي الشهير "لاوكون وأبناؤه"، والذي يجسد اللحظة المؤلمة عندما وقع الكاهن الطروادي وأبناؤه في فخ الثعابين البحرية.

وفقا لدورة الأبراج الصينية التي تتكون من اثني عشر عاما، يرمز لكل منها بحيوان، وهي على الترتيب: الفأر الثور والنمر والأرنب والتنين والثعبان والحصان والخروف والقرد والديك والكلب والخنزير، في الأبراج الصينية، بدأ عام الثعبان لعام 2025 في التاسع والعشرين من يناير. وبالنظر إلى الصورة الأكبر، يبدو أن الثعابين تتسلل بنفس القدر من البروز، إن لم يكن أكثر، من خلال الأساطير والرموز في الثقافات الأخرى أيضا. ما يبرز أكثر حول هذا المخلوق الغامض هو تعقيده، أو بالأحرى ازدواجيته.

الثعبان له حضور قوي فى نقوش الآثار الفرعونية القديمة، فقد كانت الأفعى "وادجيت" إلهة الحماية في مصر السفلى وحارسة الفراعنة، والتي غالبا ما يتم تصويرها على أنها كوبرا تُعرف باسم الصل. بعد أن وحد الملك مينا (نارمر) مصر العليا والسفلى في سنة 3100 قبل الميلاد تقريبا، ظهرت الكوبرا "وادجيت " إلى جانب نسر "نخبت"، إلهة مصر العليا، على تاج الفرعون، رمزا لوحدة الأرضين.

ومن بين آلهة الثعابين البارزة الأخرى "رينينوتيت"، إلهة التغذية والحصاد في الأساطير المصرية القديمة، التي صُورت على هيئة امرأة برأس كوبرا تراقب مخازن الحبوب. وفي الأيقونات الملكية المصرية القديمة، كان الثعبان الذي يزحف بالقرب من الأرض يحتفى به، لارتباطه بالتربة ولأنه يرمز إلى الخصوبة. وكانت نفس السمة تربط الثعبان أيضا بالعالم تحت الأرض، فقد كان يُعتقد أن الثعابين تظهر في مقابر الفراعنة لتحمي رحلة الملك إلى الحياة الآخرة.

ومع ذلك، فإن الثعبان يظهر في نقوش الآثار الفرعونية القديمة كقوة للفوضى والدمار. كان "أفيب" أو "أبيب"، الثعبان الضخم، العدو اللدود لإله الشمس "رع". في كل ليلة، كان "أفيب" يحاول التهام قرص الشمس الخاص بالإله "رع" أثناء رحلته عبر العالم السفلي. وعلى الرغم من هزيمة "أفيب" كل ليلة، لم يكن من الممكن تدميره بشكل دائم. لقد جسدت المعركة الليلية وجهة النظر المصرية للصراع الدائم بين النظام والفوضى، والحاجة المستمرة للحفاظ على التوازن في الكون.

في عام 332 قبل الميلاد، غزا الإسكندر الأكبر مصر خلال حملته العسكرية عبر الإمبراطورية الفارسية. وبعد وفاته في عام 323 قبل الميلاد، انقسمت إمبراطوريته، وخضعت مصر في النهاية لحكم قائده بطليموس الأول، فكان ذلك بداية عصر البطالمة في مصر. قبل الحكام البطالمة الرموز المصرية بما في ذلك الثعابين وعززوها، وجلبوا إلى مصر أساور تحمل طابع الثعبان.  

في نهاية المطاف، هُزمت كليوباترا السابعة (70/69- 30 ق. م)، آخر ملوك البطالمة في مصر، على يد أوكتافيوس (63 ق.م- 14م)، الذي عُرف فيما بعد باسم أغسطس، وهو أول إمبراطور روماني. وبينما انتحرت كليوباترا بلدغة ثعبان في عام 30 قبل الميلاد، تبنى أغسطس، الذي وضع مصر تحت السيطرة الرومانية المباشرة، رمزية الثعبان بقوة لتعزيز شعوره بالشرعية. كانت العملات المعدنية التي سكت خلال فترة حكمه تصور في الغالب ثعبانا ملفوفا حول مذبح، مما يدل على ارتباط الإمبراطور بالآلهة والحماية الإلهية.

ويُعتقد أن الثعبان في هذا السياق يمثل "أسكليبيوس"، إله الطب والشفاء اليوناني الروماني. كان "أسكليبيوس" يُصور غالبا وهو يحمل عصا ملفوفة حولها ثعبان، والمعروفة باسم عصا "أسكليبيوس". في الواقع، كانت الثعابين المقدسة تحفظ في المعابد المخصصة للإله ويسمح لها أحيانا بالتجول بحرية حول المرضى، حيث كان يُعتقد أنها قادرة على نقل طاقة الشفاء.وكانت رمزية عصا "أسكليبيوس" قوية إلى درجة أنه تم اعتمادها فيما بعد كشعار لمنظمة الصحة العالمية.

ويعتقد بعض المؤرخين أن الصفة المزدوجة للثعبان، كرمز للشفاء والأذى، تنبع من طبيعة سمه، الذي يمكن أن يكون ساما وعلاجا. يتماشى هذا الجانب المتناقض جيدا مع حاكم مثل أوكتافيوس، الذي كان قادرا على توجيه ضربات مميتة لأعدائه، ومع ذلك كان حريصا على أن يُنظر إليه على أنه معالج للعالم الروماني الذي مزقته الحرب.

احتضن العالم الروماني صور الثعابين، ودمجها في اللوحات الجدارية والفسيفساء والتماثيل والأساور الذهبية التي يستحضر تصميمها الدائري الرمز القديم لـ"أوروبوروس"؛ الثعبان الذي يلتهم ذيله. كلمة "أوروبوروس" مشتقة من الكلمتين اليونانيتين أورا (ذيل) وبورا (أكل)، يعد "أوروبوروس" أحد أقدم رموز البشرية، ويجسد الطبيعة الدورية للوجود، أي التغيرات الموسمية وتتابع الليل والنهار ودورة الحياة والموت. إن مفهوم التجديد يكمن وراء هذه الدورات، كما ينعكس في إسقاط الثعبان لجلده وتغييره بشكل دوري. في الواقع، ظهرت في مصر القديمة أنواع مختلفة من الثعابين في الكتابة والفن الهيروغليفي، بعضها يحمل معنى الولادة الجديدة والخلود.

وعلى غرار نظرة المصري القديم للحياة الأبدية، يلعب الثعبان دورا مهما في ملحمة جلجامش، وهي واحدة من أقدم الأعمال الأدبية المعروفة، والتي نشأت في بلاد ما بين النهرين القديمة حوالي عام 2100 قبل الميلاد. في القصة، ينجح جلجامش، بطل الرواية الخائف من الموت، في استعادة "نبات الحياة" من قاع البحر، فيسرقه ثعبان ويأكله. إن الخسارة، التي تُفسر على نطاق واسع على أنها ترمز إلى حتمية الموت، تعزز الموضوع المركزي للملحمة: الحكمة المكتسبة من خلال قبول قيود الحياة، وأهمية إيجاد المعنى داخل تلك القيود.

في عام 2024، عُرضت قطعة مكسورة من الفخار تحمل جزءا من ملحمة جلجامش المكتوبة بالخط المسماري في متحف سوتشو في مدينة سوتشو بمقاطعة جيانغسو في شرقي الصين، خلال معرض أقامه المتحف البريطاني. وفي الوقت نفسه، تُروى قصة توت عنخ آمون من خلال معرض لا يزال قائما في متحف شانغهاي بعنوان "على قمة الهرم.. حضارة مصر القديمة". ويضم المعرض منحوتة حجرية للملك توت عنخ آمون حيث يوجد ثعبان في غطاء رأسه. صحيح أن الثعبان تضرر إلى حد كبير ولكنه لا يزال واضحا. ومن الجدير بالذكر أن تمثال أبو الهول العظيم في الجيزة كان يحمل في الأصل كوبرا على جبهته كجزء من غطاء رأسه، على الرغم من تآكله بالكامل تقريبا بمرور الوقت.

إذا كان الثعبان له دلالة ورمزية في ثقافات الشعوب، فإن ذلك يتجلى بشكل أكثر في ثقافة الصينيين وثقافة المصريين، وسواء نظرنا إلى الثعبان كرمز للخير أو للشر، فإن كثيرين يحرصون على زيارة "بيت الأفاعي" في حدائق الحيوان ويستمتعون بالألعاب التي يكون الثعبان جزءا منها. في عام الثعبان نتمنى للجميع خيرا وفيرا وصحة وعافية.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4