على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

"ديب سيك" وحل مشكلات العالم الصعبة

: مشاركة
2025-03-17 15:09:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

في مقالة "المقهى" لعدد شهر يناير 2025، كتبت في هذا المكان إن ثمة ثلاثة مجالات تنافُس ستحدد شكل علاقات بكين- واشنطن خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهي: التنافس الإستراتيجي والتنافس الاقتصادي والتجاري والتنافس التكنولوجي. وأشرت إلى أن التنافس التكنولوجي هو المحدد الأكثر فاعلية في صياغة مشهد النظام الدولي في السنوات القادمة. كما أشرت إلى أن الرئيس شي جين بينغ قال في السابع والعشرين من مارس 2024: "الشعب الصيني لديه أيضا حقوق تطوير مشروعة ولا يمكن لأي قوة إيقاف وتيرة التقدم العلمي والتكنولوجي الصيني".

في العشرين من يناير 2025، يوم تنصيب الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، أطلقت شركة "ديب سيك (DeepSeek)"، التي يقع مقرها في مدينة هانغتشو بمقاطعة تشجيانغ الصينية، نموذجين لغويين كبيرين ينافسان أداء الأدوات المهيمنة التي طورتها شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة. وحسب تقرير لموقع مجلة ((نيتشر "Nature")) فإن "ديب سيك"، أصدرت "ديب سيك آر1 (DeepSeekR1)"، وهو نموذج "استدلال" مفتوح المصدر جزئيا يمكنه حل بعض المشكلات العلمية بمعيار مماثل لـo1، ويعد نموذج اللغة الأكثر تقدما من "تشات جي بي تي (ChatGPT)" الذي كشفت عنه في أواخر عام 2024 شركة "أوبن إيه آي (OpenAI)"، التي يقع مقرها في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأمريكية.

أثار إطلاق "آر1" ضجة في أوساط التكنولوجيا العالمية، وصار حديث أوساط السياسة والاقتصاد والمال والأعمال ووسائل الإعلام في كافة أنحاء الأرض. في الثامن والعشرين من يناير، نشرت صحيفة ((هوانتشيو "غلوبال تايمز")) الصينية، تقريرا بعنوان "'ديب سيك' تطلق نموذجا جديدا للذكاء الاصطناعي وترامب يحذر من 'جرس إنذار' لصناعة الولايات المتحدة الأمريكية". وجاء في التقرير أن شركة الذكاء الاصطناعي الصينية "ديب سيك" أطلقت في العشرين من يناير نموذجا جديدا متعدد الوسائط مفتوح المصدر، في أعقاب الضجة التي أحدثها نموذج التفكير المفتوح المصدر الفعال من حيث التكلفة "ديب سيك آر1" والذي ينافس "أوبن إيه آي" ولكن بتكلفة أقل بكثير، مما أحدث تموجات عبر سوق الأسهم الأمريكية في اليوم السابق. وفي السابع والعشرين من يناير، نقلت وكالة ((رويترز)) عن الرئيس ترامب قوله إن تكنولوجيا شركة "ديب سيك" الصينية الناشئة يجب أن تعمل كحافز للشركات الأمريكية. وأضاف: "من الجيد أن تتوصل الشركات في الصين إلى طريقة أرخص وأسرع للذكاء الاصطناعي." وقال أيضا: "لقد قرأت عن الصين وبعض الشركات في الصين، واحدة على وجه الخصوص توصلت إلى طريقة أسرع للذكاء الاصطناعي وطريقة أقل تكلفة بكثير، وهذا جيد لأنك لست مضطرا إلى إنفاق الكثير من المال. أرى ذلك إيجابيا."

في التاسع والعشرين من يناير، نشر موقع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) تحليلا جاء فيه: "ربما لم يتخيل أحد الخبراء في عالم الذكاء الاصطناعي أن تتمكن الصين من التغلب على الحظر التكنولوجي المفروض عليها، وأن تقدم للعالم روبوت دردشة يتصدر قائمة التطبيقات التي أقبل المستخدمون على تحميلها من المتاجر الإلكترونية، بما أثر على السوق التكنولوجية الأمريكية. فقد استطاع 'ديب سيك' أن يحظى باهتمام صناعة التكنولوجيا بأكملها في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، منذ إطلاقه في العشرين من يناير. وعلى الرغم من الحظر المفروض على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين، تغلبت بكين على هذا التحدي وتمكنت من صنع روبوت تقول إن تكلفته لا تساوي شيئا أمام تكلفة 'تشات جي بي تي' التابع لشركة 'أوبن إيه آي' الأمريكية. وقد تسبب هذا في خسارة شركة 'إنفيديا' العملاقة لصناعة الرقائق، لما يقرب من ستمائة مليار دولار أمريكي من قيمتها السوقية في يوم 27 يناير، فيما تعد أكبر خسارة في يوم واحد في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية." وقد خصصت محطة BBC حلقة من برنامجها "تريندز" بعنوان "'ديب سيك' الصيني أم 'تشات جي بي تي' الأمريكي.. أيهما أفضل للعرب؟" وفي السابع والعشرين من يناير، نشرت صحيفة ((تشينا ديلي)) الصينية التي تصدر باللغة الإنجليزية تقريرا بعنوان "'ديب سيك' يتفوق على 'تشات جي بي تي' في تنزيلات التطبيقات في الولايات المتحدة الأمريكية"، جاء فيه: "بالإضافة إلى مطابقة الأداء لـo1، أرسل إصدار 'ديب سيك آر1' موجات صدمة عبر صناعة التكنولوجيا الأمريكية لأنه مفتوح المصدر بالكامل، وتحقق هذا الاختراق بتكلفة منخفضة بشكل استثنائي". ونقلت الصحيفة عن ألكسندر وانغ، الرئيس التنفيذي لشركة Scale AI، قوله: "في حين حافظت الولايات المتحدة الأمريكية على ميزة على الصين في سباق الذكاء الاصطناعي على مدار العقد الماضي، فإن إصدار نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بشركة 'ديب سيك' يمكن أن يغير كل شيء." وأضاف أن أداء نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بشركة "ديب سيك" يتساوى تقريبا مع أفضل النماذج من الولايات المتحدة الأمريكية.

في غضون أيام قليلة، أضحى مؤسس "ديب سيك"، ليانغ ون فنغ، نجما في عالم التكنولوجيا، فوصفه البعض بـ"العبقري"، وثمة من اعتبره "وجه صناعة التكنولوجيا في الصين وأملها"، وباتت سيرة هذا الشاب الذي يبلغ من العمر أربعين عاما حديث وسائل الإعلام العالمية. الاسم الرسمي للشركة التي أسسها ليانغ ون فنغ هو "شركة 'ديب سيك' للأبحاث التكنولوجية الأساسية للذكاء الاصطناعي"، وقد تأسست في يوليو 2023 كشركة ناشئة في مجال التكنولوجيا المبتكرة، وتلتزم بتطوير نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) المتطورة والتقنيات المعنية. أطلقت الشركة نموذجها الأول "DeepSeek LLM" في يناير عام 2024، وفي ديسمبر من نفس العام، أطلقت الشركة برنامج نماذج اللغة الكبيرة المفتوح المصدر "V3"، والذي تفوق على جميع برامج نماذج اللغة الكبيرة المفتوحة المصدر من شركة "ميتا (Meta)" ونافس برنامج GPT4-o المغلق المصدر من "أوبن آي إيه"، وفقا لتقارير وسائل إعلام أمريكية. وحقق النموذج "آر1" الذي تم إصداره مؤخرا تقدما تقنيا مهما، من خلال استخدام أساليب التعلم العميق الصرفة للسماح للذكاء الاصطناعي بالظهور تلقائيا مع قدرات الاستدلال. وعلى عكس الأساليب التقليدية، تميزت "ديب سيك" في صناعة الذكاء الاصطناعي من خلال تبني التعلم المعزز (RL) كطريقة تدريب أساسية. وقد سمح تبني التعلم المعزز لشركة "ديب سيك" بتعزيز المنطق والقدرة على التكيف والكفاءة في نماذجها، مما جعلها رائدة في هذا المجال. وحسب تقرير لوكالة أنباء ((شينخوا)) الصينية، فإن روبوت المحادثة "آر1" عندما سُئِل عن معنى "ديب سيك"، أجاب بالقول: "يعكس الاسم مهمة الشركة لاستكشاف وتطوير التقنيات الأساسية للذكاء الاصطناعي بشكل عميق، بهدف دفع حدود ابتكار الذكاء الاصطناعي وتطبيقه." وحسب التقرير الفني لشركة "ديب سيك" عن نموذج "V3"، فإن تكلفة تصنيع "ديب سيك" تبلغ حوالي 57ر5 ملايين دولار أمريكي. وقد قال الخبير الاقتصادي الأمريكي جيفري ساكس، أستاذ ومدير مركز التنمية المستدامة في جامعة كولومبيا الأمريكية، لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن الاختراق الذي حققته شركة "ديب سيك" يُظهر إمكانية الذكاء الاصطناعي المتقدم بتكاليف أقل بكثير مما كان يُعتقد على نطاق واسع في الولايات المتحدة الأمريكية. وقال مارك أندريسن، وهو أحد المستثمرين البارزين في مجال التكنولوجيا: "التكلفة هي تناقض صارخ مع مئات الملايين، إن لم يكن المليارات، التي تستثمرها الشركات الأمريكية عادة في تقنيات مماثلة." ووصف أندريسن "آر1" بأنه أحد أكثر الاختراقات المذهلة التي رآها على الإطلاق. وتعتقد مؤسسة الخدمات المالية والاستثمارية الأمريكية "مورغان ستانلي" أن "ديب سيك" توضح مسارا بديلا للتدريب الفعال للنماذج، بدلا من السباق الحالي بين الشركات العملاقة من خلال زيادة جودة البيانات بشكل كبير وتحسين بنية النموذج. وقالت: "لم يعد الأكبر هو الأذكى دائما." وقال الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، ساتيا ناديلا: "إن رؤية نموذج 'ديب سيك' الجديد أمر مثير للإعجاب للغاية، من حيث كيفية تقديم نموذج مفتوح المصدر يقوم بهذه الحوسبة في وقت الاستدلال، وهو فعال للغاية في الحوسبة." يسمح المصدر المفتوح للباحثين والمطورين والمستخدمين بالوصول إلى الكود الأساسي للنموذج و"أوزانه"، أي المعلومات التي تحدد كيفية معالجة النموذج للمعلومات، مما يمكنهم من استخدام النموذج أو تعديله أو تحسينه ليناسب احتياجاتهم. لقد استفاد "ديب سيك" بشكل كبير من مبادئ المصدر المفتوح، وفي المقابل، أظهر التزاما قويا بمشاركة المعرفة والمساهمة في التقدم الجماعي للتكنولوجيا.

وجاء في تقرير لوكالة ((رويترز)) حول ليانغ ون فنغ، في الثامن والعشرين من يناير، أن هذا الشاب الصيني ظل بعيدا عن الأنظار حتى العشرين من يناير 2025، عندما دعي لحضور ندوة استضافها رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ في بكين، ضمت خبراء ورجال أعمال وممثلي مجالات التعليم والعلوم والثقافة والصحة والرياضة. طُلب من ليانغ، الذي يُعد خبيرا في الصناعة، تقديم آراء ومقترحات بشأن مسودة للتعليق على تقرير أعمال الحكومة السنوي لعام 2024. ووفقا لوكالة ((رويترز))، فإن دعوة ليانغ لمشاركة آرائه بشأن سياسة الحكومة الصينية، سلطت الضوء على اعتراف بكين بدور "ديب سيك" في احتمال قلب نظام الذكاء الاصطناعي العالمي، لصالح الصين. وحسب ((رويترز))، فإن ليانغ قال في مقابلة نادرة أجراها في يوليو 2024: "لا يمكن للذكاء الاصطناعي الصيني أن يظل في موقف اللحاق بالركب إلى الأبد. وكثيرا ما نقول إن هناك فجوة مدتها عام أو عامان بين الذكاء الاصطناعي الصيني والأمريكي، لكن الفجوة الحقيقية هي الفرق بين الأصالة والمحاكاة." ووفقا للوكالة الأمريكية، كشفت المقابلات التي أجراها ليانغ عن اعتقاد بأن صناعة التكنولوجيا في الصين وصلت إلى مفترق طرق حيث كانت تفتقر إلى الثقة وليس إلى رأس المال اللازم للانخراط في اختراقات البحث والتطوير الأساسية. وقال في المقابلة المشار إليها: "في السنوات الثلاثين الماضية، ركزت صناعة التكنولوجيا في الصين فقط على كسب المال، وتجاهلت الابتكار. وأشار إلى أن الابتكار لا تقوده الأعمال فحسب، بل يحتاج أيضا إلى الفضول والرغبة في الإبداع". وحسب تقرير لـ((شينخوا))، في 31 يناير، فإن ليانغ سلط الضوء على أهمية تعزيز التعاون والابتكار من خلال مبادئ المصدر المفتوح، قائلا: "إن بناء بيئة تكنولوجية قوية هو الأولوية. لن نختار المصدر المغلق."  

ولد ليانغ ون فنغ في عام 1985 بمقاطعة قوانغدونغ وأمضى فيها فترة صباه، وقال إنه في ذلك الوقت كان محاطا بأشخاص يفضلون بدء عمل تجاري أكثر من الدراسة، لكنه كان أكثر ميلا إلى الجانب الأكاديمي. وفي سن السابعة عشرة التحق بجامعة تشجيانغ، حيث تخصص في هندسة الإلكترونيات والاتصالات، وتخرج في عام 2007، ثم حصل على درجة الماجستير في هندسة المعلومات والاتصالات في عام 2010. وبعد تخرجه، ذهب إلى مدينة تشنغدو بمقاطعة سيتشوان، حيث جرب طرق تطبيق الذكاء الاصطناعي في مجالات مختلفة، ولكن مشروعاته لم يكتب لها النجاح، فحاول تطبيق الذكاء الاصطناعي في التمويل. في عام 2013، حاول ليانغ دمج الذكاء الاصطناعي مع التداول الكمي وأسس مع زميل له شركة لإدارة الاستثمار. وفي عام 2015، شارك في تأسيس صندوق تحوط كمي يعتمد على استخدام خوارزميات رياضية معقدة للتداول بدلا من التحليل البشري. وبحلول عام 2021، بلغ إجمالي محفظة الصندوق أكثر من 79ر13 مليار دولار أمريكي. في يوليو 2023، أسس شركة "ديب سيك". معظم موظفي "ديب سيك" حاليا هم من الخريجين وطلاب الدكتوراه من أفضل الجامعات في الصين، والذين يعتقد ليانغ أنهم يفضلون العمل لدى "ديب سيك" لأنها تعالج أكبر التحديات في الذكاء الاصطناعي. وقال ليانغ: "من الواضح أن ما يجذب أفضل الأكفاء هو حل مشكلات العالم الصعبة".

الرسالة الأهم التي يؤكدها ظهور "ديب سيك" هي أن محاولات احتكار التكنولوجيا وكبح التقدم التكنولوجي في الصين، تحت ستار ما يسمى بالأمن الوطني، محكوم عليها بالفشل في النهاية. فمنذ عام 2022، وفي محاولة لتأخير تطوير الذكاء الاصطناعي في الصين، قيدت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية تصدير شرائح إنفيديا المتطورة إلى الصين من خلال إستراتيجية "الفناء الصغير بأسوار عالية". ومع ذلك، حققت "ديب سيك" اختراقات أدهشت العالم، مما يثبت مرة أخرى أن العقوبات تدفع الابتكار وليس العكس.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4