على مقهى في الشارع الصيني < الرئيسية

بين الصين ومصر.. شهادة على سنوات مجيدة

: مشاركة
2026-08-25 12:07:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author


سجل اليوم الثلاثون من شهر مايو عام 2026 مرور سبعين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر. سبعة عقود من الزمان حافلة بالأحداث والمحطات والتحولات والانعطافات الدولية، أثبتت خلالها الصين ومصر أن علاقتهما محصنة وقادرة على عبور أي تقلبات على الساحة الدولية، بل ومواصلة ديدنها المتمثل في الثبات والتطور، فالسمة الأساسية لتلك العلاقات أنها دائمة التطور والارتقاء. سبعة عقود تمثل قوة دافعة للبلدين في مسيرتهما نحو عشرية ثامنة يتجه فيها كوكبنا نحو تحولات كبرى.

لقد كان الإعلان عن إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين الصين ومصر في عام 1956 لحظة فارقة في صياغة المشهد الجيوستراتيجي الدولي، في فترة كانت الحرب الباردة في أوجها وفي وقت كانت الصين الجديدة تواجه حصارا دبلوماسيا وتشويها إعلاميا غربيا، وكانت مصر الثورة تتعرض لحملة غربية محمومة للنيل من سيادتها واستقلال قرارها الوطني. لم يكن اعتراف مصر بجمهورية الصين الشعبية مجرد إعلان عن قيام علاقات دبلوماسية بين بلدين عريقين لم ينقطع التواصل بينهما، وإنما رؤية إستراتيجية لقادة البلدين مبنية على إرث من التواصل الحضاري والثقافي. فسجلات التاريخ تخبرنا أن الإسكندرية هي أول مدينة في قارة أفريقيا ورد ذكرها في السجلات التاريخية الصينية.

العلاقات الصينية- المصرية أعمق وأوسع كثيرا من مجرد روابط دبلوماسية رسمية، فالتواصل بين الشعبين الصيني والمصري لوحة فسيفسائية بوجوه متعددة، بدأت خطوطها الأولى منذ آلاف السنين، وقد شاء قدري أن أكون جزءا منها. كنت أعرف في صغري، مثل كثيرين من أبناء جيلي في مصر والدول العربية، مقولة "اطلبوا العلم ولو في الصين"، ولكن لم يجل بخاطري أنني سأكون يوما في ثنايا نسيج هذه العلاقة بين أقدم حضارتين في تاريخ البشرية، وشاهدا على أدق تفاصيل تطورها خلال العقود الأخيرة، مستوعبا ثقافة شعبي الصين ومصر وسياسة البلدين وتاريخهما ورؤيتهما ومسار تحولاتهما. لم يكن وصولي إلى الصين في تسعينيات القرن العشرين رحلة عابرة، ولم يكن "تمثيل" مصر لدى الصين و"تمثيل" الصين لدى مصر والمجتمع العربي مهمة مؤقتة. ومثلما أعطتني مصر قاعدة معرفية متميزة من خلال الدراسة في جامعتها الأشهر، جامعة القاهرة، وتحديدا في واحدة من معاهدها العلمية المرموقة وهي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، احتضنت الصين، وتحديدا مجلة ((الصين اليوم)) التابعة للمجموعة الصينية للإعلام الدولي، ذلك الشاب القادم من مصر. كنت وما زلت أدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقي، وأزعم أن ما أسهم به في العلاقات الصينية- العربية يحظى بتقدير صيني وعربي. وأشعر بالفخر دائما عندما يخبرني أصدقاء بأن التعريف الأكثر التصاقا باسمي في محركات البحث هو أن حسين إسماعيل يعد من أبرز الجسور الثقافية التي تربط الصين بالعالم العربي، ويلعب دورا محوريا في نقل الفكر والثقافة والمجتمع الصيني للقارئ العربي عبر عشرات المؤلفات والترجمات. إن الصين لم تمنحني الفرصة لمعرفة تاريخها وثقافتها وسياساتها وتقريبا كل شيء فيها فحسب، وإنما أيضا اعترفت بالمهمة التي أنهض بها من خلال العديد من الأوسمة والجوائز والتكريمات. بعد سنوات قليلة من عملي في ((الصين اليوم))، تم تكريمي من قبل المجموعة الصينية للإعلام الدولي كنموذج للخبراء الأجانب في الصين، وفي عام 1999، ولم يكن قد مضى على عملي في الصين سبع سنوات منحتني الحكومة الصينية "جائزة الصداقة"، وهي أرفع وسام وطني تمنحه جمهورية الصين الشعبية للخبراء والشخصيات الأجنبية؛ تقديرا لإسهاماتهم البارزة والمخلصة في دعم مسيرة التحديث والإصلاح والانفتاح في الصين، فضلا عن تعزيز جسور التعاون والتبادل الدولي مع دول العالم. كنت الأصغر سنا بين الفائزين بتلك الجائزة في ذلك العام الذي صادف الذكرى السنوية الخمسين لتأسيس الصين الجديدة، ومع ذلك تم اختياري لإلقاء الكلمة نيابة عن الفائزين بالجائزة، وكان من بينهم العالم الصيني البروفيسور تشن نينغ يانغ، الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1957، الذي قاد الحاضرين في التصفيق بحرارة ثلاث مرات أثناء كلمتي، وبخاصة عندما قلت إن الصين تستحق أعظم جائزة لحقوق الإنسان، فهي الدولة التي تطعم خمس سكان الأرض بنحو 7% من الأرض الصالحة للزراعة في العالم. وفي عام 1999، تشرفت أيضا بأن أكتب جزءا من الكلمة التي ألقاها الرئيس مبارك في جامعة بكين، بمناسبة منحه درجة الدكتوراه الفخرية من هذه الجامعة العريقة.    

في عام 2002، بمناسبة الذكرى السنوية الخمسين لتأسيس مجلة ((الصين اليوم))، لخصت زميلتي رئيسة التحرير السابقة للطبعة العربية للمجلة السيدة فريدة وانغ فو علاقتي مع الصين بعبارات مؤثرة، في مقالة بعدد شهر يناير حملت عنوان "حسين إسماعيل صيني أكثر من الصينيين". وفي عام 2006، بمناسبة الذكرى السنوية الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، كنت سعيدا بتكليفي من المكتب الإعلامي بسفارة مصر لدى الصين لتحرير والإشراف على كتاب ((العلاقات المصرية- الصينية في خمسين عاما)) الذي أصدرته الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، وهي وحدة عملي السابقة في مصر. وكذلك تشرفت بالمشاركة في إعداد ألبوم الصور الذي أصدرته ((الصين اليوم)) بهذه المناسبة. في ذلك العام، تم أيضا تطوير الطبعة العربية لـ((الصين اليوم)) لتصدر بصفحات ملونة لأول مرة مع إعادة ترتيب أبوابها. سأظل فخورا بأنني وضعت عناوين معظم أبواب هذه الطبعة المطورة، وفي مقدمتها باب "كلنا شرق" الذي أعتز به كثيرا، وبالطبع باب "على مقهى في الشارع الصيني". أقول دائما إن الطبعة العربية لـ((الصين اليوم)) هي ديوان العلاقات الصينية- العربية والمرجع الأكثر موثوقية لمن يرغب في معرفة الصين، مجتمعها وسياساتها ومناطقها واقتصادها وثقافتها وفنونها، إلخ.

في عام 2016، في الذكرى السنوية الستين للعلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، زار الرئيس شي جين بينغ مصر وأصدرت ((الصين اليوم)) عددا خاصا بهذه المناسبة، تضمن كلمة للرئيس شي وكلمة للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي كان قد تولى رئاسة مصر قبل عامين. وأتذكر هنا بالعرفان أصدقاء لي في وزارة الخارجية المصرية والمكتب الإعلامي بمؤسسة الرئاسة المصرية، فقد يسروا لنا الحصول على كلمة الرئيس السيسي، وأيضا مقالة كتبها وزير خارجية مصر السابق سامح شكري.

لقد استطاعت ((الصين اليوم)) أن تجعل الصين في العصر الجديد حاضرة في عقل ووجدان كل مصري وعربي، من خلال عشرات الندوات والصالونات والملتقيات التي تقدم أفكار شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد وقضايا أخرى عبر مؤلفات الرئيس شي، وفي مقدمتها ((شي جين بينغ.. حول الحكم والإدارة)) و((شي جين بينغ.. احترام حقوق الإنسان وضمانها))، والمبادرات التي طرحها الرئيس شي، ومنها مبادرة "الحزام والطريق" ومبادرة "التنمية العالمية" ومبادرة "الأمن العالمي" ومبادرة "الحضارة العالمية" ومبادرة "الحوكمة العالمية"، فضلا عن الفعاليات التي تقيمها ((الصين اليوم)) في مناسبات مختلفة، ومقالاتي ودراساتي التي تنشر في دوريات وصحف مصرية مرموقة، ومنها مجلة ((السياسة الدولية)) التي تصدر عن مؤسسة ((الأهرام)) ودورية ((آفاق إستراتيجية)) التي تصدر عن مركز دعم واتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري، وصحف ((الأهرام)) و((أخبار اليوم)) و((الجمهورية)) و((الدستور)) وغيرها.       

على ضفاف النيل، وتحديدا من مقر ماسبيرو للتلفزيون الرسمي لجمهورية مصر العربية، وبينما تحتفل الصين ومصر بالذكرى السنوية السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، جاءت شهادة أخرى من وطني، عندما منحني التلفزيون الرسمي للدولة لقب "سفير بلا سفارة" في البرنامج الذي يحمل نفس العنوان وبثته القناة الثالثة لتلفزيون مصر في الحادي عشر من إبريل 2026.

منذ وصولي إلى بكين للعمل في ((الصين اليوم))، وجدت نفسي أحمل مسؤولية مزدوجة: أن أكون صوتا مصريا وعربيا للصين وأن أكون صوتا للمصريين والعرب في قلب الصين، ملتزما بالمهنية الأكاديمية والمصداقية الإعلامية التي تشكلت لديّ خلال دراستي في جامعة القاهرة، وخلال عملي في مؤسسات مرموقة في مصر والصين. وقد كتبت تقريبا عن كل شيء في الصين، سواء في ((الصين اليوم)) أو مطبوعات أخرى صينية وعربية، وقدمت صورة الصين الحقيقية عبر رسائل تلفزيونية وإذاعية لمحطات عربية ومقابلات إعلامية، ومن خلال الرد على بعض المعلومات المغلوطة عن الصين التي نشرتها بعض وسائل الإعلام الأجنبية، أو شرح رؤية الصين لمن لم تتوفر لهم سبل معرفة حقيقة ما يجري في الصين. في الثامن من فبراير عام 2008، وفي مقالة بعنوان "حكمة الصين"، كتب الباحث السعودي- الإماراتي منصور النقيدان: "يؤكد حسين إسماعيل- إجابة على سؤال طرحته عليه- أن الصين لا تسعى إلى  'تصيين' ثقافات الآخرين، فالصين لا تطالب بتغيير مناهج التعليم، ولا يعنيها إن كانت المرأة تلبس الشادور أو البكيني، لأن الصين ليست لديها أطماع استعمارية". جاء ذلك بعد حوارات مطولة بيننا، عبر البريد الإلكتروني، حول دور الصين وسياساتها العالمية. في ذلك العام، كنت قد أصدرت كتابي الأول حول الصين بعنوان "سِفْرُ الصين.. رحلةُ في فكر وحياة ومجتمع الصينيين" الذي قال عنه سفير مصر الأسبق لدى الصين الدكتور محمد نعمان جلال في المقدمة التي كتبها له: "حسين إسماعيل، مع تعمقه وعشقه للصين، لم ينس للحظة تراثه الوطني والقومي، ولهذا يقارن في كل فصل من فصول ((سفر الصين)) بين ما يراه ويقرؤه ويعيشه في الصين وبين ما حدث في مصر الفرعونية، وما يعرفه من التراث العربي- الإسلامي." وفي عام 2021، أصدرت مؤسسة "بيت الحكمة" في مصر كتابا آخر لي بعنوان "الصين والعالم.. كيف ترى الصين العالم وكيف يرى العالم الصين"، الذي قالت عنه صحيفة ((الأهرام)) المصرية: "الكتاب يقدم وصفا شيقا وموجزا لكثير من ملامح الثقافة الصينية وعادات وتقاليد الصينيين، بوصفها مدخلا رئيسيا لقراءة الصين ككل".  

خلال هذه المسيرة، أجد في ملفاتي كما هائلا من الأوسمة والجوائز، من الصين ومصر وسلطنة عمان والجزائر واليمن والأردن وغيرها، وأذكر منها: جائزة التميز من المجموعة الصينية للإعلام الدولي في عام 1997؛ جائزة أفضل تغطية صحفية لاحتفالات نينغشيا بالذكرى السنوية الأربعين لتأسيس المنطقة الذاتية الحكم في عام 1998؛ جائزة الصداقة من الحكومة الصينية في عام 1999؛ شهادة تقدير من المركز الثقافي الصيني بالقاهرة في عام 2019؛ جائزة المساهمة المتميزة من إدارة النشر باللغات الأجنبية في الصين في عام 2019؛ وسام "شخصية العام" من مجلة كاسل للتراث والحضارة (مصر) في عام 2021؛ جائزة خبير الترجمة الأجنبي المتميز من جمعية المترجمين الصينية في عام 2022؛ جائزة الصين الخاصة للإسهامات المتميزة في مجال الكتب في عام 2023، والتي تعد أرفع تكريم تمنحه صناعة النشر الصينية للشخصيات الدولية، وتهدف إلى تقدير الجهود المبذولة في تعزيز التبادل الثقافي والتفاهم المتبادل بين الصين ومختلف دول العالم؛ جائزة التميز من المجموعة الصينية للإعلام الدولي في عام 2025.

تنطلق العلاقات الصينية- المصرية نحو العقد الثامن بخطى راسخة، مدعومة بقاعدة من الترحيب الشعبي وتاريخ عريق من الثقة المتبادلة والتعاون المثمر، ورؤى تكاد تكون متطابقة في القضايا الإستراتيجية العالمية، والأهم هو تمسك البلدين وتأكيدهما ودفاعهما عن العدالة والإنصاف.

يقول الصينيون للمرء في ذكرى ميلاده: "أتمنى لكم حياة مزدهرة كالبحر الشرقي وممتدة كالجبل الجنوبي". ونحن على ثقة بأن العلاقات الصينية- المصرية ستتواصل بزخم أقوى وإصرار أعظم لا حدود له، مزدهرة كالبحر الشرقي وممتدة كالجبل الجنوبي، وأيضا، راسخة مثل الأهرامات وخالدة مثل النيل.

      

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4