سياحة < الرئيسية

متحف منغوليا الداخلية

: مشاركة
2025-12-18 10:39:00 الصين اليوم:Source منغ جيا شين:Author

تمتد منطقة منغوليا الداخلية الذاتية الحكم على رقعة جغرافية مترامية الأطراف، إذ يبلغ امتدادها من الشرق إلى الغرب أكثر من 2400 كيلومتر ومن الشمال إلى الجنوب أكثر من 1700 كيلومتر. ومنذ القدم، كانت هذه الأرض موطنا مشتركا لمختلف القوميات في شمالي الصين. أما اليوم، فقد غدت كنوزها التاريخية التي اجتازت آلاف السنين رسلا من الماضي، تروي بروعتها الصامتة ملحمة التفاعل والتبادل والتكامل بين مختلف القوميات على الحدود الشمالية.

يقع القسم الجديد لمتحف منغوليا الداخلية في شرقي مدينة هوهيهوت، على بعد نحو ثلاث كيلومترات من المبنى القديم، تبلغ المساحة الإنشائية للمتحف 147 ألف متر مربع، مما يضعه في الصفوف الأمامية على مستوى الصين، منها 39 ألف متر مربع مخصصة للمعارض، ويحتضن حاليا 209 آلاف قطعة (مجموعة) من الآثار التاريخية، من بينها 487 قطعة (مجموعة) من الدرجة الأولى، بما في ذلك تابوت خشبي ملون من فترة أسرة لياو (907- 1125م)، وتاج ذهبي ذو قمة مزخرفة بنقش لنسر من فترة الممالك المتحاربة (475- 221 ق.م)، ومبخرة منقوش عليها مقاطع كتابة تعني "صنعها شياو سونغ" من فترة أسرة يوان (1271- 1368م) ودبوس شعر ذهبي على شكل قرن الغزال من فترة أسرة وي الشمالية (386- 534م)، وغيرها من الكنوز الوطنية.

التابوت الخشبي الملون

في عام 2003، اكتشفت مقبرة لنبيلة من قومية الخيتان يعود تاريخها لأوائل فترة أسرة لياو عند سفح جبل تورجي في مدينة تونغلياو بمنطقة منغوليا الداخلية. ظلت هذه المقبرة الكبيرة، التي يجاوز عمرها ألف عام، محفوظة بشكل رائع. كان العثور على تابوت خشبي ملون كامل من فترة أسرة لياو أمرا مدهشا، وهو معروض حاليا في متحف منغوليا الداخلية.

اهتم حكام أسرة لياو بالفخامة في الدفن، فكانوا يختارون بعناية الأغراض الجنائزية التي تدفن مع الموتى، من أجل إبراز ازدهار وقوة الدولة. هذا التابوت الخشبي ليس استثناء، فهو فاخر وأنيق. وهو يتكون من تابوت خارجي وتابوت داخلي، يبلغ طول التابوت الخارجي 31ر2 متر وعرضه 31ر1 متر وارتفاعه 9ر0 متر، ويتألف من ثماني طبقات هيكلية، تشمل بشكل رئيسي سرير التابوت والتابوت الخارجي والتابوت الداخلي. اللونان الأساسيان له هما الأحمر والأسود، ومنقوش بأشكال لطيور الكركي والعنقاء وزهور الفاوانيا المتشابكة الفروع وأشكال للسحب الميمونة. بعض التصميمات التفصيلية رائعة للغاية، فالتابوت الخارجي له باب صغير في الأعلى بقفل برونزي مطلي بالذهب، وعلى جانبيه رسوم ملونة لحراس يحملون أسلحة. أما التابوت الخارجي فموصول بالأرض بجسر مقوس بأجراس معلقة عليه من جميع الجوانب، بينما الجزء الأمامي من غطاء التابوت الداخلي مزين بنقوش على شكل تنين ذهبي وعنقاوات ذهبية محلقة، مما يضفي عليه حيوية كبيرة.

استنادا إلى نتائج الدراسات التي أجراها الخبراء، يرجح أن صاحبة المقبرة توفيت في الثلاثينيات من عمرها، وأن الزئبق الموجود في جسدها يشير إلى أن سبب وفاتها يعود لتناولها زئبق سام. وعلى الرغم من المكانة الرفيعة لصاحبة المقبرة، لم يعثر على نقوش جنائزية أو نصوص متعلقة بها. ولكن استنادا إلى الأجراس النحاسية الكثيرة التي عثر عليها في المقبرة، والتي كانت ملفوفة حول قدمي صاحبة المقبرة ومعلقة حول التابوت، والإكليل الذهبي الذي ترتديه صاحبة المقبرة على رأسها، والذي يشبه الأكاليل التي كان يرتديها الشامانات، يؤكد الخبراء أن صاحبة المقبرة كانت على الأرجح كاهنة شامانية ذات مكانة رفيعة.

وقد ذكر كتاب ((الطقوس- تاريخ لياو)) بوضوح أن أبناء قومية الخيتان كانوا، مثل معظم الأقليات القومية في شمالي الصين، يعتنقون الشامانية. كان يطلق على الكاهن اسم الشامان، وكان بمثابة وسيط للتواصل بين البشر والآلهة، وفي العصور القديمة كان أغلب الشامانات من النساء. تضفي الهوية الخاصة لصاحبة المقبرة ككاهنة شامانية غموضا على هذا التابوت الخشبي الملون، وقد ظهرت هذه المقبرة مرارا وتكرارا في مسلسلات تلفزيونية وروايات، مما أكسبها شهرة على نطاق واسع بين الجمهور.

التاج الذهبي ذو القمة المزخرفة بنقش النسر

يعود تاريخ التاج الذهبي ذو القمة المزخرفة بنقش النسر إلى فترة الممالك المتحاربة، ويعرف باسم "كنز المراعي"، هو "تاج ملكي" لقومية شيونغنو. اكتشفه رعاة الماشية مصادفة عام 1972، وهو الآن معروض في متحف منغوليا الداخلية. قالت تشنغ تشنغ يان، نائبة مدير المتحف: "كان هذا التاج رمزا للقوة، يتوج به ملوك شيونغنو ويرافقهم خلال هيمنتهم على المراعي".

يتميز هذا التاج الذهبي بتصميم فريد وزخارف رائعة. يتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية، وهي النسر المنقوش أعلاه وقبته النصف كروية وإطار ذهبي. ينتصب النسر بشموخ فوق التاج، حيث يعكس جسده الذهبي المتألق ورأسه وعنقه المصنوعان من الفيروز، وعيناه الذهبيتان الفخامة والبهاء. التاج مصنوع بحرفية رائعة، إذ يتصل رأس النسر وعنقه وذيله بخيوط ذهبية، مما يتيح للرأس والعنق التحرك يمينا ويسارا، وعندما يمتطي صاحبه صهوة جواده، يبدو النسر وكأنه حي. استخدمت في التاج تقنيات متقدمة كالصب والطرق والتطعيم بالسلك والنقش والثقب، مبرزا براعة أبناء القبائل الرحل الشمالية في تشكيل المعادن النفيسة في ذلك الوقت.

ما سبب ارتداء النسر على الرأس؟ بالنسبة لأبناء القبائل الرحل، تعد السماء قبة شاسعة تغطي الأرض بأكملها، مما يجعل النسر الذي يحلق في هذه السماء مقدسا. يصف ((كتاب هان- سيرة قومية شيونغنو)) حياة القنص لدى أبناء شيونغنو: "يمكن للأطفال امتطاء الأغنام، وقنص الطيور والفئران بالأسهم والأقواس، وبعدما يصبحوا يافعين، يتمكنون من قنص الثعالب والأرانب البرية". وهذا التاج الذهبي شاهد حي على الثقافة الثرية للمراعي.

تحت قدمي النسر، ينكشف صراع ملحمي بين الحياة والموت: أربعة ذئاب تطارد أربعة أغنام، والمعركة على وشك الاندلاع. وبالنظر نحو الأسفل، يصور النقش البارز في نهاية الإطار الذهبي للتاج الذهبي مشهد قنص آخر: نمور راقدة وكبش ملتف وخيول راكضة، مجتمعة معا في إطار واحد.

قالت تشنغ تشنغ يان: "يعد هذا التاج، الذي يسمى بـ'تاج هو' التاج الرعوي الوحيد المكتشف في الصين حتى الآن." يجسد هذا التاج الذهبي ذو القمة المزخرفة بنقش النسر جوهر حضارة المراعي، ويبرز جمالها الفريد. لا يعد هذا التاج تجسيدا حيا لتقديس الرعاة للقوة والطبيعة فحسب، وإنما أيضا هو شاهد تاريخي على التبادل والتواصل بين القوميات المختلفة.

مبخرة "شياو سونغ"

المبخرة التي "صنعها شياو سونغ" من فترة أسرة يوان، والمعروضة في متحف منغوليا الداخلية، هي أكبر مبخرة مصنوعة يدويا من خزف قمين جيون، وأكثرها اكتمالا والأعلى حرفية، اكتشفت في الصين حتى الآن، وتعد من الكنوز الوطنية.

كيف وصلت المبخرة التي "صنعها شياو سونغ" إلى منغوليا الداخلية؟ أخذا في الاعتبار، أنها أكبر منتج خزفي لقمين جيون والأكمل والأكثر ثراء من حيث الألوان في الصين حتى الآن. اكتشفت هذه القطعة الأثرية بالقرب من قرية بايتا في الضواحي الشرقية لمدينة هوهيهوت، حاضرة منطقة منغوليا الداخلية. خلال فترة أسرة لياو، كانت هذه المنطقة تسمى بمدينة فنغتشو، التي كانت مركزا اقتصاديا مهما. وبفضل موقعها الجغرافي الملائم للنقل، كانت بوتقة للاندماج الاقتصادي والثقافي بين الشمال والجنوب، وكذلك بين الشرق والغرب. واستمرت التجارة في الازدهار في هذا المكان حتى فترة أسرة يوان.

تبدو المبخرة ببطن مستدير منتفخ وثلاثة أرجل على شكل أقدام الحيوانات، وهناك ثلاثة من حيوان تشيلين الأسطوري منقوشة على عنق المبخرة، بالإضافة إلى نقش على شكل مربع على واجهتها مكتوب عليه: "صنعها شياو سونغ في اليوم الخامس عشر من الشهر التاسع من عام جييو". يرجح الباحثون أن هذه القطعة الخزفية من السهول الوسطى وكانت مصممة للتصدير، ومن المرجح أن "شياو سونغ" هو الحرفي الذي صنعها. تشير السجلات التاريخية إلى أن الصناعة والتجارة كانتا المهنتين الرئيسيتين لسكان مدينة فنغتشو، وكان الخزف والحرير أهم سلعتين. سكن المدينة أبناء قوميات متعددة يتحدثون لغات متنوعة. لم تتبع هذه المبخرة، التي يبلغ ارتفاعها 7ر42 سنتيمترا، تقاليد السهول الوسطى، وكسرت الإطار القديم المتمثل في أن "الأعمال الخزفية من قمين جيون يقل ارتفاعها عن تشي (تشي وحدة قياس طول صينية تساوي 3ر33 سنتيمترا تقريبا). يعكس ذوقها الجمالي ما تميزت به أسرة يوان من فخامة وجسارة، بينما حافظت تقنية الحرق وألوان التزجيج على أساليب الأجيال السابقة، فجمعت بين روح ثقافة السهول الوسطى والطابع الجريء لثقافة أبناء القبائل الرحل الشمالية.

دبوس الشعر الذهبي

قبل ألف وخمسمائة عام، كان أبناء قومية شيانبي يحملون لقب "شعب على ظهور الخيل"، فقد تميزوا بالخشونة والجسارة، وكانوا محاربين أقوياء وشجعان، وفضلا عن ذلك كانوا يحبون الحياة أيضا. يعد دبوس الشعر الذهبي على شكل قرن الغزال من فترة أسرة وي الشمالية المعروض في المتحف، دليلا على هذا التاريخ الممتد لآلاف السنين.

يتميز دبوس الشعر الذهبي، المصمم على شكل رأس الحصان وقرن الغزال، بتصميم فريد. صنع هيكله الرئيسي من الذهب، ويبلغ ارتفاعه 2ر16 سنتيمترا، ويزن حوالي 70 غراما. أما قاعدته فعلى شكل رأس الحصان، تمتد منه فروع على شكل قرون، يلتف كل طرف من أطراف الفروع على شكل حلقة صغيرة، تتدلى منها ورقة ذهبية، ورصع رأس الحصان والفروع على شكل قرن الغزال بأحجار كريمة. تتمايل القلائد التي على شكل الورقة برشاقة مع الخطوات.

لا يتماشى تصميم دبوس الشعر الذهبي المصمم على شكل رأس الحصان وقرن الغزال، مع تصاميم العنقاء والزهور التي كانت شائعة بين أبناء قومية هان في السهول الوسطى آن ذاك، بل يتخذ أشكال حيوانات كالخيول والغزلان التي تبرز السمات المميزة لأبناء القبائل الرحل في المناطق الشمالية، مبرزا بذلك الخصائص الثقافية الإقليمية الغنية، فيعد نموذجا الحلي أبناء القبائل الرحل الشمالية، ويرتبط ارتباطا وثيقا بالحياة لأبناء قومية شيانبي. لا تظهر هذه القطعة الأثرية براعة أبناء قومية شيانبي في صناعة الحلي الذهبية والفضية فحسب، وإنما أيضا تبرز الملامح الثقافية والتاريخية العريقة لهذه القومية الشمالية القديمة.

التعليم الثقافي

 يفسح متحف منغوليا الداخلية المجال كاملا لوظيفته التعليمية كمؤسسة ثقافية عامة، حيث ينظم أنشطة تعليمية وثقافية متنوعة على مدار العام. واستفادة من موارده التاريخية والقومية والطبيعية الغنية، يقدم المتحف معارض حول موضوعات محددة وجولات بحثية وبرامج دراسية ومخيمات صيفية للشباب، بالإضافة إلى دورات تدريبية حول التراث الثقافي غير المادي، مما يتيح للجمهور التعرف على ثقافة المراعي وتاريخ القوميات الشمالية من خلال فعاليات تفاعلية.

في الفصل الدراسي الخريفي لعام 2025، أطلق المتحف سلسلة دورات تعليمية بعنوان "المتحف المتنقل"، من خلال زيارة العديد من المدارس في هوهيهوت. وعلى سبيل المثال، اعتمدت دورة "استكشاف روعة فن اليشم- براعة صناعة الأواني اليشمية" طريقة عرض الصور والنصوص ومقاطع الفيديو القصيرة لإعادة تصوير الخلفية التاريخية للقطع الأثرية، وجمعت بين تقنيات صناعة اليشم القديمة، مثل اختيار المواد والقطع والنحت والتلميع، لإرشاد الطلاب لإبداع أعمال مستوحاة من الأعمال القديمة، وفهم الدلالة الثقافية لـ"الرجل النبيل يقارن فضائله باليشم".

بالإضافة إلى ذلك، يقدم المتحف محاضرات معرفية ومعارض تعليمية للجمهور عبر الإنترنت، مستخدما التكنولوجيا الرقمية لتوسيع قنوات التعليم وجذب اهتمام المزيد من الناس بالتراث الثقافي الإقليمي. ومن خلال هذه الفعاليات، فإن متحف منغوليا الداخلية ليس نافذة مهمة لعرض ثقافة المراعي فحسب، وإنما أيضا منصة حيوية لتوارث الروح الوطنية وتعزيز نشر الثقافة والتثقيف الاجتماعي.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4