مجتمع < الرئيسية

علم الفلك في الصين القديمة (الجزء الأول)

: مشاركة
2025-03-17 15:18:00 الصين اليوم:Source تشانغ منغ فان:Author

الصين واحدة من الدول التي ظهر فيها علم الفلك مبكرا، ولها تاريخ طويل في مراقبة الفضاء وسجلاتها الفلكية نفيسة. منذ العصر الحجري الحديث، لاحظ القدماء الصينيون العلاقة الوثيقة بين الظواهر الأحيائية الدورية (الفينولوجيا) والتغيرات الفلكية المنتظمة، فبدأوا في مراقبة الشمس والقمر وغيرهما من الظواهر الفلكية. تم إنشاء منصب متخصص في مراقبة الفضاء في عهد الإمبراطور ياو قبل أكثر من أربعة آلاف عام. ومنذ ذلك الحين، واصل الصينيون مراقبة الظواهر الفلكية وتسجيلها بدقة، وحققوا إنجازات باهرة. كما تركوا سجلات نفيسة ومتصلة زمنيا عن البقع الشمسية والمذنبات والشهب والنجوم المتجددة وغيرها، بالإضافة إلى العديد من الخرائط والجداول النجمية، وكثير منها هو الأقدم في العالم، وتُعد اليوم تراثا ثقافيا ثمينا.

سجلات الظواهر الفلكية

السماء الساحرة ليست مجرد مناظر طبيعية خلابة، بل تعد أيضا "صفحات" تاريخية خاصة شهدت استكشاف القدماء الكون وتسجيل عصرهم. كشفت سجلات الظواهر الفلكية في الصين القديمة الستار عن الحوار بين الحضارة القديمة والكون.

البقع الشمسية هي دوّامة غازية تظهر على سطح الشمس، ونظرا لأن درجة حرارتها أقل من باقي أجزاء الشمس، تبدو أشعتها أكثر قتامة، وعندما نرصدها من كوكب الأرض، تظهر كأنها بقع سوداء على سطح الشمس. لدى الصين أقدم سجل عالمي في مراقبة البقع الشمسية، حيث ذكرت لأول مرة في كتاب ((هواينانتسي)) الذي يعود إلى عام 140 قبل الميلاد تقريبا. بالإضافة إلى ذلك، يعد ما جاء في ((كتاب هان.. سجلات العناصر الخمسة))، أقدم سجل معترف به عالميا عن البقع الشمسية، حيث جاء فيه أنه "في الشهر الثالث من عام 28 قبل الميلاد، ظهرت الشمس صفراء، وكانت هناك غازات سوداء كبيرة بحجم العملة المعدنية في وسط الشمس". وأوضح هذا السجل بشكل مفصل وقت ظهور البقع الشمسية وموقعها. وعندما اخترع الفلكي الإيطالي جاليليو التلسكوب الفلكي في عام 1660، تأكد الغرب من وجود البقع الشمسية فعليا. وقبل ذلك، سجلت الصين 101 ملاحظة عن البقع الشمسية، تشمل الوقت والشكل والحجم والموقع والتغييرات وغيرها.

المذنب، وهو جرم سماوي صغير نسبيا يدور حول الشمس، عندما يقترب من الشمس يصبح شكله كالمكنسة بفعل ضغط الرياح الشمسية والإشعاع الشمسي، لذلك يُعرف بين العامة في الصين باسم "نجم المكنسة". الصين لها تاريخ يمتد لأكثر من أربعة آلاف عام في مراقبة المذنبات ودراستها، وتحتفظ بأقدم وأكمل سجلات للمذنبات في العالم. وقد سجل كتاب ((حوليات الربيع والخريف)) ظهور مذنب في عام 613 قبل الميلاد، حيث جاء فيه أنه "في الشهر السابع للتقويم القمري الصيني، دخل مذنب إلى كوكبة بنات نعش الكبرى". هذا أقدم سجل لمذنب هالي، وهو مذنب دوري يظهر كل 76 عاما، وقد تم تسجيل ظهوره في الصين 31 مرة من عام 613 قبل الميلاد حتى عام 1910، مع تفاصيل دقيقة عن كل مرة ظهر فيها. وجاء في ((السجلات التاريخية.. تشين شي هوانغ))، أنه "في السنة السابعة لحكم الإمبراطور تشين شي هوانغ، ظهر المذنب في الشرق أولا، ثم في الشمال، وفي الغرب في الشهر الخامس حسب التقويم القمري الصيني، ثم ظهر في الغرب مرة أخرى لمدة ستة عشر يوما". تتطابق هذه التفاصيل، بما في ذلك التواريخ والموقع، مع حسابات العلماء المعاصرين تماما. وتم العثور على 29 رسما لمذنبات مختلفة الأشكال في ضريح هان رقم 3 بموقع مقبرة ماوانغدوي في مدينة تشانغشا، مما يدل على أن الناس في ذلك الوقت أدركوا التنوع في أشكال المذنبات، وأن دقة ملاحظاتهم تظل ذات قيمة علمية حتى اليوم.

يحدث كسوف الشمس عندما يحجب القمر أشعة الشمس عن الأرض. هذا المشهد الغريب كان حدثا مذهلا للقدماء الذين لم يفهموا أسبابه، وكان من الطبيعي أن يصبح ظاهرة فلكية مهمة وأن يراقبها القدماء الصينيون. منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، تم تسجيل كسوف الشمس في النقوش على العظام ودروع السلاحف في أطلال ين. وجاء في ((كتاب الوثائق.. فصل ينتشنغ)) أنه "في اليوم الأول من الشهر التاسع للتقويم القمري الصيني، ابتعد مكان اقتران الشمس والقمر في برج فانغ (من الأبراج الثمانية والعشرين في الصين القديمة)، وركض الناس في ذعر"، الذي وصف مشهد الخوف عندما حدث كسوف الشمس في السنة الأولى من حكم تشونغ كانغ في فترة أسرة شيا (القرن 21- 16 ق.م). من عام 770 قبل الميلاد إلى عام 1874 الميلادي، تم تسجيل 985 كسوفا للشمس. يحدث كسوف الشمس بشكل دوري، والصين من الدول التي اكتشفت دورة كسوف الشمس مبكرا. منذ القرن الثالث الميلادي تقريبا، كانت الصين قادرة على التنبؤ باتجاه بداية ونهاية كسوف الشمس، وبحلول فترة أسرة تانغ (618- 907م) وصلت دقة التنبؤات إلى مستوى عال.

في سماء الليل المليئة بالنجوم، يمكن رؤية ضوء أبيض يلمع ويختفي بسرعة، أو عدد لا يحصى من الأضواء تتدفق في منطقة معينة، وتعرف هذه الظواهر باسم الشهاب أو زخة الشهب، وهما آثار ضوئية ناتجة عن الاحتكاك والاحتراق بين النيازك والغلاف الجوي. تعد الصين من أقدم الدول التي سجلت ظواهر مثل الشهاب وزخة الشهب. سجل كتاب ((تسوه تشوان)) أنه "في ليلة شينماو للشهر الرابع للتقويم القمري الصيني من السنة السابعة لحكم لو تشوانغ قونغ (687 ق.م)، اختفت النجوم الثابتة، وسقطت النجوم مثل المطر"، وهذا أقدم تسجيل في العالم لزخة الشهب من كوكبة القيثارة. بلغ عدد تسجيلات زخة الشهب في الصين القديمة 180 مرة.

بعض النجوم تكون خافتة عادة، لكنها قد تشهد انفجارا مفاجئا يجعل سطوعها يزداد آلاف حتى ملايين المرات مقارنة بسطوعها الأصلي، وتسمى هذه الظاهرة بـ"النجم المستعر"؛ وإذا زاد السطوع إلى مائة مليون مرة أو بضع مئات الملايين مرة، فإنها تسمى بـ"النجم المستعر الأعظم" (سوبرنوفا). الصين لديها سجلات مبكرة عن ظهور النجم المتجدد والنجم المتجدد الأعظم. ففي النقوش على العظام ودروع السلاحف من فترة أسرة شانغ، تم تسجيل نجم متجدد ظهر بالقرب من النجم α (ألفا العقرب) لبرج العقرب في القرن الرابع عشر قبل الميلاد تقريبا. وقد جاء في ((كتاب هان.. فصل الفلك)) أنه "في الشهر الخامس من السنة الأولى لحكم يوان قوانغ، ظهر نجم متجدد في برج فانغ"، هذا السجل يشير إلى نجم متجدد ظهر في عام 134 قبل الميلاد، وهو أول نجم متجدد تم تسجيله في السجلات الصينية والأجنبية. في عام 1921، اكتشف العلماء نجما نابضا (بولسار) في سديم السرطان. وفقا لحساب سرعة توسع سديم السرطان، يُعتقد أن هذا النجم نتج عن نجم متجدد أعظم انفجر في عام 1054، وهذا النجم المتجدد الأعظم تم تسجيله بالتفصيل في كتاب ((مجموعة وثائق أسرة سونغ)). من فترة أسرة شانغ (16- 11 ق.م) حتى نهاية القرن السابع عشر، سجلت الصين حوالي تسعين نجما متجددا ونجما متجددا أعظم. هذه السجلات النفيسة والمنظمة لانفجارات النجوم المتجددة عبر العصور، فريدة من نوعها في العالم.

الخرائط النجمية والجداول النجمية

في الكون الواسع الذي لا حدود له، تلمع النجوم وتشكل لوحات ساحرة ورائعة. حققت الصين القديمة إنجازات كبيرة في قياس الأجرام السماوية، ورسمت الكثير من الخرائط النجمية الدقيقة والرائعة، وصاغت جداول نجمية مفصلة. هذه الخرائط والجداول النجمية تُعد من الإنجازات المهمة لعلم الفلك القديم.

الجدول النجمي هو تجميع لإحداثيات النجوم التي تم قياسها. في القرن الرابع قبل الميلاد تقريبا، في فترة الممالك المتحاربة (475- 221 ق.م)، ألف عالم الفلك قان ده كتاب ((الفلك والتنجيم)) في ثمانية مجلدات، وألف شي شن كتاب ((الفلك)) أيضا في ثمانية مجلدات، وعُرف الكتابان لاحقا باسم ((كتاب النجوم لقان)) و((كتاب النجوم لشي))، ويُطلق عليهما معا اسم ((كتاب النجوم لقان وشي)). على الرغم من أن هذا الكتاب فُقد في وقت لاحق، فإننا لا نزال نستطيع رؤية بعض أجزائه في ((كتاب التنجيم في عهد كاي يوان)) من فترة أسرة تانغ (618- 907م)، ويمكننا من خلاله تجميع جدول نجمي. سجل ((كتاب النجوم لقان وشي)) بالتفصيل أسماء أكثر من ثمانمائة نجم، وقد تم تحديد مواقع مائة وواحد وعشرين نجما منها. كما سجل تفاصيل حركة الكواكب الخمسة الرئيسية، وهي: المشتري والمريخ وزحل والزهرة وعطارد، بالإضافة إلى قوانين حركتها. يُعد هذا الكتاب أقدم عمل فلكي موجود في العالم، وهو وثيقة ذات قيمة علمية عالية في البحث الفلكي، كما أنه أقدم جدول نجمي تم اكتشافه حتى الآن في العالم.

الخريطة النجمية هي تسجيلات مرئية لعلماء الفلك لمراقبة النجوم، وهي تعكس بدقة الإنجازات التي حققها علماء الفلك في قياس الأجرام السماوية خلال فترة زمنية معينة. في الوقت نفسه، تُعد هذه الخرائط أداة مهمة لعلماء الفلك للتعرف على النجوم وقياسها، حيث تلعب دورا مشابها لدور الخرائط في الجغرافيا. منذ عصر ما قبل تشين (قبل 221 ق.م)، بدأ علماء الفلك الصينيون القدماء في رسم الخرائط النجمية. أقدم خريطة نجمية مرسومة على الورق موجودة حتى اليوم هي خريطة دونهوانغ النجمية من فترة أسرة تانغ، حيث تم اكتشافها لأول مرة في كهف الكتب المحفوظة في دونهوانغ، وفي عام 1907 سرقها بريطاني، ولا تزال محفوظة حتى اليوم بالمتحف البريطاني في لندن. رُسمت هذه الخريطة في عام 940، وتضم 1350 نجما. تتميز هذه الخريطة باستخدام الإسقاط الأسطواني في المنطقة الاستوائية والإسقاط الكروي في المنطقة القطبية، وهي نفس الطرق المستخدمة في رسم الخرائط النجمية الحديثة. هذه الخريطة هي أقدم خريطة نجمية صينية موجودة استخدمت فيها طريقتا الرسم.

في عام 1971، اكتشفت خريطة نجمية في مقبرة تعود إلى فترة أسرة لياو (907- 1125م) في حي شوانهوا بمدينة تشانغجياكو في مقاطعة خبي. رُسمت هذه الخريطة في عام 1116 واستُخدمت كزينة لسقف المقبرة. رُسمت الخريطة ضمن دائرة قطرها 17ر2 متر باستخدام طريقة الإسقاط السماوي، حيث تم تثبيت مرآة نحاسية بقطر 35 سم في مركزها، وأحيطت بالأبراج الصينية الثمانية والعشرين، وفي الطبقة الخارجية وضعت رموز الأبراج الفلكية الاثنا عشر التي تعود أصولها إلى بابل، مما يدل على التبادلات بين الصين والدول الأجنبية في مجال علم الفلك.

في عام 1974، اكتشفت خريطة نجمية أخرى على سقف مقبرة تعود إلى فترة أسرة وي الشمالية (386- 534م) في ضواحي مدينة لويانغ بمقاطعة خنان. رُسمت هذه الخريطة في عام 526، وتضم أكثر من ثلاثمائة نجم، وبعضها متصلة بخطوط لتشكيل الأبراج، وأبرزها بنات نعش الكبرى، وفي وسط الخريطة تظهر مجرة درب التبانة ذات اللون الأزرق الفاتح ممتدة من الشمال إلى الجنوب. يبلغ قطر الخريطة حوالي سبعة أمتار، وهي واحدة من أقدم الخرائط النجمية الأكبر مساحة والأكثر في عدد النجوم تم اكتشافها في الصين.

بالإضافة إلى ذلك، توجد خريطة فلكية منحوتة على الحجر في متحف سوتشو، وهي واحدة من أقدم الخرائط النجمية المنحوتة على الحجر في العالم. تم نحتها في عام 1247، بالاعتماد رئيسيا على نتائج المراقبة بين عامي 1078 و1085. يبلغ ارتفاع الخريطة حوالي 45ر2 متر وعرضها 17ر1 متر، وتضم 1434 نجما في مواقع دقيقة، وتظهر مجرة درب التبانة بوضوح مع تفاصيل دقيقة، مما يعكس إلى حد كبير مستوى تطور علم الفلك في ذلك الوقت.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4