مجتمع < الرئيسية

الكتب العلمية والتكنولوجية في الصين القديمة

: مشاركة
2025-12-18 10:27:00 الصين اليوم:Source قوه هوان ياو:Author

عندما صدر في باريس كتاب ((التاريخ العام للصين)) للمؤرخ والصينولوجي الفرنسي جان بابتيست دو هالدي، في عام 1735، أثار أصداء واسعة. في هذا الكتاب الموسوعي المتخصص حول الصين، اقتبس دو هالدي بعض فصول ((الخلاصة الوافية في العقاقير الشافية "بنتساو قانغمو")) و((موسوعة الزراعة "نونغتشنغ تشيوانشو")) لإبراز الإنجازات العلمية والتكنولوجية للصين.

بالإضافة إلى ((الخلاصة الوافية في العقاقير الشافية)) و((موسوعة الزراعة))، الصين لديها ثروة من الكتب الكلاسيكية العلمية والتكنولوجية، التي يبلغ عدد ما بقي منها نحو اثني عشر ألفا. تسجل هذه الكتب المعارف والخبرات والحكم والابتكارات التي تراكمت لدى الصينيين، في مجالات الزراعة والصناعات اليدوية والفلك والتقويم والطب والرياضيات وغيرها.

بناء الحضارة من خلال الزراعة والحصاد

الصين من أوائل بلاد العالم التي عرفت الزراعة، فقد بدأ أهلها يزرعون الأرز قبل نحو عشرة آلاف سنة، ودخلت مرحلة المجتمع الزراعي قبل خمسة آلاف سنة. وعلى مدى هذا التاريخ الطويل من التطور الزراعي، لم يتوقف سعي الصينيين لاكتساب الخبرات وتطوير التقنيات، ودونوا العديد من الكتب الكلاسيكية في مجال الزراعة، مثل ((التقنيات الأساسية لرفاه الشعب "تشيمين ياوشو")) و((موسوعة الزراعة)).

في فترة أسرة وي الشمالية (386- 534م)، تم توحيد المنطقة الشمالية للصين من جديد بعد مرحلة طويلة من الانقسام والحروب. ومع العودة التدريجية لاستقرار النظام الاجتماعي، أخذ الاقتصاد يتعافى ويتطور. ثم جاءت الإصلاحات التي أسهمت بشكل كبير في زيادة الإنتاج الزراعي. في إطار هذا السياق، ألف جيا سي شيه كتابه ((التقنيات الأساسية لرفاه الشعب))، الذي يتكون من عشرة مجلدات، ويقدم تلخيصا منهجيا للخبرات والتقنيات الزراعية التي اكتسبها الناس في منطقة الحوضين الأوسط والأدنى للنهر الأصفر قبل القرن السادس للميلاد. يقتبس الكتاب من نحو مائتي مرجع في مجال الزراعة، ويغطي بصورة شاملة مختلف جوانب الإنتاج الزراعي عند الصينيين القدماء، مثل كيفية زراعة القمح والأرز والخبيزة وغيرها من المحاصيل، وغرس أشجار البرقوق والكمثرى وغيرها من الأشجار، وتربية البقر والخيل والدجاج والسمك وغيرها من الحيوانات، بالإضافة إلى أساليب معالجة الأغذية ووصفات الطبخ المنتشرة في ذلك العصر. يقول جيا سي شيه في مقدمة كتابه: "من الفلاحة إلى صناعة الخل والصلصة، كل ما تقوم عليه معيشة الناس قد تم تسجيله من دون استثناء."

في فترة أسرة مينغ (1368- 1644م)، سار السياسي والعالم شيوي قوانغ تشي على خطى من سبقوه، فألف كتاب ((موسوعة الزراعة))، الذي يشتمل على مجالات أكثر وأوسع نطاقا، من بينها مكافحة الجوع ومشروعات المياه وتربية ديدان القز وزراعة أشجار التوت وصناعة الأدوات الزراعية. من أبرز خصائص هذا العمل أنه يركز على "تدابير مواجهة المجاعة"، إذ جمع شيوي قوانغ تشي آراء من سبقوه في كيفية الاستعداد للمجاعة وإغاثة اللاجئين، وعرض أيضا تدابير الحكومة في مختلف العصور لمواجهة المجاعة، ثم قام بتحليل مزاياها وعيوبها. يرى شيوي قوانغ تشي أن مشروعات الري أساس الزراعة، لذلك خصص فصلا في كتابه للحديث عن إدارة الموارد المائية، كما ضمن كتابه جزءا من كتاب ((الأساليب المائية للغرب الكبير "تايشي شويفا"))، وهو عمل مهم في فترة أسرة مينغ حول التقنيات الغربية لمشروعات المياه، شارك في تأليفه شيوي قوانغ تشي والمبشر الإيطالي ساباتينو دي أورسيس.

عرض شيوي قوانغ تشي في ((موسوعة الزراعة)) تجارب مزارعي القطن في منطقة دلتا نهر اليانغتسي، ولخصها في عبارة مختصرة ذاعت على نطاق واسع: "انتقاء البذور الجيدة والبذر المبكر، الجذور العميقة والساق القصيرة، تباعد المسافات والتسميد الكافي."

بعد دخول البطاطا الحلوة إلى الصين، سعى شيوي قوانغ تشي إلى تعميمها. في ((موسوعة الزراعة))، يشرح شيوي كيفية زراعة البطاطا الحلوة وتخزينها ومعالجتها، مما يجعل الكتاب من أوائل المؤلفات الصينية التي تناولت تقنيات زراعة البطاطا الحلوة.

في القرنين السابع عشر والثامن عشر، انتشر في أوروبا "هوس التعرف على الصين ودراسة الثقافة الصينية"، بسبب المبشرين الذين جاءوا منها إلى الصين. ترجمت وطبعت خلال تلك الفترة العديد من المؤلفات الصينية في أوروبا، وكان من بينها ((موسوعة الزراعة)).

تحقيق الازدهار من خلال الحرف والصناعات

يتضمن كتاب ((سجل الصناعات "كاوقونغ جي")) أقوالا عن الحرف والصناعات والحرفيين؛ ومنها "للدولة ست وظائف رئيسية، الحرفيون واحدة منها"، و"الحكماء يبتكرون والحرفيون المهرة يصنعون، ثم تتوارثها الأجيال. هذا بالضبط هو معنى 'الصناعة'." اعتقد الصينيون القدماء أن الحرفي ليس صانعا للأدوات فحسب، وإنما أيضا حامل للتراث وحارس الحضارة.

يعد كتاب ((سجل الصناعات)) مرجعا مهما لمعايير وتقنيات الصناعات اليدوية في الصين القديمة، ويعود تاريخه لفترة الربيع والخريف وفترة الممالك المتحاربة (770- 221 ق.م). يتناول الكتاب ستة مجالات رئيسية، منها صناعات الخشب والمعادن والجلود والصباغة والصقل والسيراميك، ويعرض ثلاثين مهنة مختلفة، بالإضافة إلى المعارف والخبرات في علوم الرياضيات والجغرافيا والميكانيكا والصوتيات والعمارة. يقدم هذا المؤلف العلوم والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة للصين في ذلك الوقت.

يقال إن ((سجل الصناعات)) كان كتابا رسميا في مملكة "تشي"، وهو بمثابة قواعد تضبط عمل الحرفيين. جاء في الكتاب كيفية إنتاج السبائك المعدنية التي تستخدم في صناعة مختلف الأدوات البرونزية وتفاصيل النسب والكميات، ويعد هذا أقدم وصف لصناعة السبائك المعدنية في تاريخ البشرية. كذلك يتضمن الكتاب إجراءات شاملة ودقيقة لصناعة الأسلحة والعجلات وحفر القنوات وغيرها، ووضع معايير صارمة لكل ذلك.

في التاريخ القديم للعلوم الصينية، يعد كتاب ((استغلال صنائع الطبيعة "تيانقونغ كايوو")) الذي ألفه سونغ ينغ شينغ، العالم في فترة أسرة مينغ، من أهم الكتب الكلاسيكية. وصفه العالم والمؤرخ البريطاني جوزيف نيدهام، بأنه "موسوعة الحرف والصناعات الصينية في القرن السابع عشر". قال سونغ ينغ شينغ في الكتاب: "إن الإنسان بمهارته وذكائه يستطيع ابتكار أشياء جديدة وفريدة." تكشف هذه العبارة بوضوح المعنى الحقيقي لعنوان الكتاب "تيانقونغ كايوو"، ويشكل ذلك الأساس الفكري الذي يقوم عليه هذا العمل الموسوعي.

كتاب ((استغلال صنائع الطبيعة))، الذي نشر لأول مرة في عام 1637، يضم ثمانية عشر مجالا، ويسجل أكثر من مائة وثلاثين تقنية وأداة. كما يتناول حرف الغزل والصباغة، وصناعات الطوب والخزف والعربات والسفن والأسلحة، وطرق إنتاج الملح والسكر والصبغ والزيت والورق، بالإضافة إلى كيفية استخراج المعادن وصهرها وسبكها، واستخراج الفحم والكلس والكبريت والشبة واستخدامها. ويتضمن الكتاب 123 لوحة توضيحية دقيقة، تعرض مشاهد العمل مثل حركة الإنسان وكيفية استخدام الأدوات.

من منظور العلم الحديث، يزخر كتاب ((استغلال صنائع الطبيعة)) بمعارف غنية في مجالات الفيزياء والكيمياء وعلوم الأحياء. يعرض الكتاب أدوات وتقنيات متنوعة، من بينها آلات رفع المياه ودفة السفن والقوالب الطينية وطريقة السبك بالشمع الضائع. كما أشار سونغ ينغ شينغ في فصل ((خمسة معادن)) إلى أن الزنك معدن جديد لم يكن معروفا من قبل، ويقدم أول وصف دقيق لعملية صهره. الجدير بالذكر، أن الكتاب بحث في تهجين أنواع مختلفة من فراشة دودة القز وما يترتب على ذلك من تغير في الصفات الوراثية، وأشار إلى أن التدخل البشري قادر على تعديل خصائص النباتات والحيوانات.

طلب الحقيقة من خلال الملاحظات والتجربة

في عام 2016، انطلق أول قمر اصطناعي تجريبي لعلوم الكم في العالم من مركز جيوتشيوان لإطلاق الأقمار الاصطناعية، في شمال غربي الصين. أطلق عليه العلماء الصينيون اسم "موه تسي".

موه تسي عالم وفيلسوف بارز في فترة الربيع والخريف وفترة الممالك المتحاربة، وهو مؤسس مدرسة الموهية التي تشتهر بتركيزها على الممارسة العملية والتفكير الرصين. كان كثير من أتباع هذه المدرسة من الحرفيين المهرة، فجمعوا بين الخبرة العملية والتفكير المنطقي، وألف موه تسي وأتباعه كتاب ((قوانين الموهية "موه جينغ"))، الذي يضم النظريات العلمية لمدرسة الموهية في مجالات الميكانيكا والرياضيات والفيزياء والبصريات.

في مجال علم البصريات، يقدم ((قوانين الموهية)) عرضا منهجيا لما توصلت إليه مدرسة الموهية من ملاحظات وتجارب في الظواهر البصرية. في كتاب ((قوانين الموهية)) ثمان فقرات تتناول مسائل كيفية تكوين الظل، والعلاقة بين الضوء والظل، والانتشار المستقيم للضوء، وانعكاس الضوء، وتأثير الأجسام ومصادر الضوء في أشكال الظل، وكيفية تكوين الصور على المرايا المستوية والمقعرة والمحدبة. وتعد هذه الفقرات من أقدم النظريات المنهجية في العالم في مجال علم البصريات الهندسية.

في فترة أسرة سونغ الشمالية (960- 1127م)، قدم العالم شن كوه قراءة جديدة لكيفية تكوين الصور على المرآة المقعرة. أوضح شن كوه في كتابه ((مقالات حوض الأحلام "مونغشي بيتان"))، واعتمادا على سلسلة من التجارب، أن المرآة المقعرة لا تنتج صورة مقلوبة على الدوام. فقد لاحظ أنه إذا قمنا بتغيير المسافة بين الجسم والمرآة، تظهر صورة قائمة عند اقتراب الجسم من المرآة، ثم تختفي عند مسافة معينة، وتظهر من جديد حينما يبعد الجسم أكثر، لكنها تصبح مقلوبة. تعد هذه الدراسة أول تفسير شامل لقانون تكوين الصور على المرآة المقعرة.

يزخر كتاب ((مقالات حوض الأحلام)) بالمعارف العلمية في مجالات الفلك والجغرافيا والرياضيات والفيزياء وغيرها. أما الخيط الذي يجمع هذه الفصول، هو روح البحث العلمي للكاتب شن كوه، الذي سعى إلى طلب الحقيقة اعتمادا على مبدأ الملاحظة الدقيقة والتجربة الصارمة. خلال دراسته في المغناطيس، لاحظ شن كوه بعد تجارب متكررة، أن إبرة البوصلة لا تشير إلى الجنوب الحقيقي تماما، بل تنحرف انحرافا إضافيا، فكان أول من كشف وسجل ظاهرة الانحراف المغناطيسي. كما درس أشكال البوصلة المختلفة، ورأى أن النموذج المعلق هو الأكثر سهولة ودقة.

كل ما ذكرناه من الكتب الكلاسيكية ليس إلا قطرة في بحر التراث العلمي الصيني. منذ آلاف السنين، رغم تغير وعاء المعرفة من شرائح الخيزران إلى الورق ووصولا إلى العصر الرقمي، لم يتغير شغف الصينيين بالبحث والاستكشاف. تبقى هذه الكتب الكلاسيكية المتوارثة عبر الأجيال كمشاعل لا تنطفئ، وتنير دروب البحث والمعرفة للاحقين.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4