ذكر بيان للجمعية الصينية لمصنعي السيارات، في الرابع عشر من يناير 2026، أن إجمالي إنتاج السيارات بالصين في عام 2025 وصل إلى 531ر34 مليون وحدة، بزيادة بلغت نسبتها 4ر10% على أساس سنوي، بينما بلغت مبيعات السيارات 4ر34 مليون وحدة، بزيادة بلغت نسبتها 4ر9% على أساس سنوي، لتواصل الصين الاحتفاظ بمكانتها كأكبر منتج للسيارات في العالم.
السؤال هنا، كيف نجحت الصين، وهي دولة نامية، في تطوير صناعة السيارات من الصفر خلال بضعة عقود من السنين، لتحتل اليوم صدارة العالم في إنتاج السيارات ومبيعاتها؟
من أول سيارة إلى عشرات الملايين
في صيف عام 1956، اجتمع عدد من العمال في مصنع السيارات الأول (الذي تحول لاحقا إلى شركة مجموعة أعمال السيارات الأولى المحدودة) بمدينة تشانغتشون في شمال شرقي الصين، انتظارا للحظة الحاسمة. مع صوت المحرك، دخلت إلى قاعة الفحص شاحنة كانت قد تم تجميعها للتو. احتشد الفنيون حولها، ثم فحصوا حالة السيارة بعناية وتحققوا من سلامة أدائها مرارا، فيما كان التصفيق والهتاف يتعالى بين الحين والآخر داخل المصنع. وقد خُلِّدت هذه اللحظة في تقرير صحفي نشرته صحيفة ((الشعب اليومية)) في الصفحة الأولى في عددها الصادر في الرابع عشر من يوليو من ذلك العام تحت عنوان "نجاح التجربة الأولى لتصنيع السيارة جيفانغ"، لتصبح علامة فارقة، إيذانا بانطلاق صناعة السيارات في الصين.
عند تأسيس جمهورية الصين الشعبية، كانت الصين دولة زراعية؛ حيث كان يعمل أكثر من 80% من سكانها في قطاع الزراعة، مع قاعدة صناعية ضعيفة وقدرة تصنيعية محدودة. كانت المنتجات الصناعية البسيطة، مثل المسامير المعدنية، تستورد من الخارج. أما السيارات القليلة التي تسير على الطرق، فكانت كلها تقريبا مستوردة من دول متعددة، بعلامات تجارية مختلفة وطرز متنوعة ومكونات غير موحدة، الأمر الذي جعل أعمال الصيانة والإصلاح أمرا بالغ الصعوبة. كان يقال آنذاك إن الصين "قادرة على صنع الطاولات والكراسي، وعلى صنع الأباريق والأكواب، ولكنها عاجزة عن صنع سيارة واحدة أو طائرة واحدة".
من منظور الدفاع الوطني، كان غياب القدرة الذاتية على تصنيع السيارات يعني أن النقل العسكري والإمداد اللوجستي رهينة للخارج. أما من منظور التنمية الاقتصادية، فإن مشروعات البنية التحتية الواسعة النطاق وتعبئة الموارد وتداول المواد والسلع، لا يمكن أن تستغني عن دعم الشاحنات. كما أن صناعة السيارات نفسها ترتبط ارتباطا وثيقا بعشرات القطاعات، مثل الصناعات المعدنية والميكانيكية والمطاط والزجاج والكهرباء، حيث إن إنشاء مصنع واحد لإنتاج السيارات قادر على تحفيز نمو سلسلة صناعية كاملة.
لذلك، أصبح تطوير صناعة السيارات قضية وطنية ملحة، وتم إدراجه كمشروع رئيسي ضمن الخطة الخمسية الأولى. في عام 1953، وبدعم تقني من الاتحاد السوفيتي، بدأ تشييد مصنع السيارات الأول بمدينة تشانغتشون، حيث تدفق عشرات الآلاف من البنائين والعمال من مختلف أنحاء البلاد إلى شمال شرقي الصين، وشيدوا خلال ثلاث سنوات هذا المصنع الحديث.
بدءا من انطلاق صناعة السيارات في الصين في خمسينيات القرن العشرين، مرورا بالنمو السريع في حجم سوق السيارات الصينية بعد إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح، وصولا إلى تجاوز حجم الإنتاج والمبيعات السنوية للسيارات في الصين عتبة العشرة ملايين في القرن الحادي والعشرين. عند استعراض مسار تطور صناعة السيارات في الصين، ومن سؤال "هل تستطيع الصين تصنيع السيارات؟" إلى سؤال "كم سيارة تستطيع الصين أن تنتج؟"، يتضح أن التحول الأبرز يتمثل في التوسع المتواصل لحجم السوق.
اليوم، الصين هي أكبر سوق للسيارات في العالم. فمن ناحية، توفر هذه السوق الضخمة طلبا مستمرا، مما يدعم نمو صناعة السيارات. ومن ناحية أخرى، تعد هذه السوق "ساحة اختبار" مهمة للتقنيات الحديثة ونماذج الأعمال الجديدة، حيث تدفع المنافسة الحادة الشركات لزيادة استثماراتها في البحث والتطوير وتسريع وتيرة الابتكار. وقد أرسى هذا النموذج التنموي، القائم على الطلب المحلي والمدفوع بالمنافسة، أساسا متينا للطفرة اللاحقة التي حققتها صناعة السيارات الصينية.
الجمع بين استقطاب الاستثمارات الأجنبية وبناء القدرات الذاتية للدولة
في المرحلة الأولى من سياسة الإصلاح والانفتاح، كانت الصين قد امتلكت القدرة الأساسية على تصنيع الشاحنات، غير أن تقنياتها كانت متخلفة مقارنة بالمستوى المتقدم العالمي. أما صناعة سيارات الركاب، فلم تكن موجودة تقريبا. وفي الوقت نفسه، شهد الطلب المحلي على السيارات نموا سريعا. في ثمانينيات القرن العشرين، استوردت الصين حوالي مليون سيارة، مما أدى إلى تراجع احتياطي النقد الأجنبي للبلاد.
وبالنظر إلى القاعدة الصناعية آنذاك، كان من الواضح أن الاعتماد على التطوير الذاتي لن يكفي لتلبية طلب السوق وتجاوز الفجوة التقنية في فترة قصيرة. هكذا، أصبح إدخال الاستثمارات الأجنبية والتعاون معها في تصنيع السيارات اختيارا براغماتيا وملحا.
لم يكن انفتاح السوق عشوائيا وبلا شروط. ففي إطار الإستراتيجية العامة المتمثلة في "انفتاح السوق مقابل إدخال التقنيات"، أنشأت الصين نظاما دقيقا لتعزيز الحيز المتاح للصناعة المحلية. في عام 1994، أصدر مجلس الدولة وثيقة ((سياسات صناعة السيارات)). من أبرز بنودها: يجب ألا تتجاوز حصة رأس المال الأجنبي 50% في شركات المشروعات المشتركة، وتمتعت المنتجات التي بلغت نسبة المكون المحلي فيها 40% أو 60% أو 80% بتخفيضات بنسب متفاوتة في الرسوم الجمركية على الواردات، مع اشتراط ألا تعتمد المشروعات المشتركة على تجميع السيارات بشكل كامل بمكونات مستوردة مفككة بالكامل (CKD) أو نصف مفككة (SKD). كان الهدف الجوهري من هذه البنود هو الحيلولة دون تحويل الصين إلى مجرد قاعدة للتجميع، وضمان أن تأتي الاستثمارات الأجنبية بالتقنيات، وإقامة منظومة إنتاج مكتملة في البلاد.
حققت هذه السياسات نتائج ملموسة. ولعل السيارة سانتانا لشركة فولكس فاغن، التي كانت من أكثر سيارات الركاب مبيعا في الصين آنذاك، مثال واضح على ذلك، إذ ارتفعت نسبة توطين مكوناتها من أقل من 3% إلى أكثر من 90% خلال عشر سنوات ونيف، وتحقق التصنيع المحلي للمحرك وعلبة التروس وهيكل السيارة وغيرها من المكونات الرئيسية. مع تطور شركات المشروعات المشتركة لتصنيع السيارات الكاملة، ظهرت دفعة كبيرة من الشركات المحلية لتصنيع مكونات السيارات، فمن هنا تشكلت السلسلة الصناعية الصينية لصناعة السيارات. والأهم من ذلك أن شركات المشروعات المشتركة أسهمت في إعداد الكوادر الفنية والإدارية ذات الخبرة في عمليات تصنيع السيارات الحديثة وأنظمة إدارتها، وقد أصبح كثير منهم لاحقا قوة رئيسية في صعود العلامات التجارية الصينية المستقلة.
وفي خضم موجة المشروعات المشتركة، لم تكن القوى المستقلة غائبة عن المشهد. فقد واصلت مجموعة من الشركات الخاصة لتصنيع السيارات، مثل شركة سور الصين العظيم للسيارات وشركة جيلي للسيارات وشركة بي واي دي، مراكمة الخبرة والتقنيات ونمت تدريجيا حتى دخلت في منافسة مباشرة مع العلامات التجارية للمشروعات المشتركة. ولجأت بعض الشركات إلى الاستحواذ على علامات أجنبية، للحصول على التقنيات وتعزيز تأثيرها في السوق بسرعة. في أغسطس عام 2010، استحوذت شركة جيلي للسيارات، ولم يكن قد مضى على تأسيسها آنذاك ثلاثة عشر عاما، على شركة فولفو للسيارات، التي يعود تاريخها إلى أكثر من ثمانين عاما ولديها خبرات واسعة وذات سمعة كبيرة، فتشكل نموذج بارز للتحول القائم على الاستحواذ لدى شركات السيارات الصينية.
التراكم التقني والاختيار الإستراتيجي
في مجال السيارات التي تعمل بالوقود التقليدي، راكمت الشركات الأوروبية والأمريكية واليابانية، على مدى أكثر من قرن من الزمان، خبرات واسعة للتقنيات الجوهرية، مثل المحرك وعلبة التروس، مما شكل حواجز تقنية يصعب على الدول اللاحقة اختراقها، كما كانت الصين تعتمد على تقنيات من الخارج لفترة طويلة. غير أن حلول عصر الطاقة الجديدة أتاح لصناعة السيارات الصينية فرصة تاريخية لتحقيق قفزة نوعية.
في عام 2009، أصدر مجلس الدولة الصيني وثيقة ((خطة تعديل صناعة السيارات وإنعاشها)). أشارت الوثيقة بوضوح إلى ضرورة دعم تطوير صناعة السيارات التي تعمل بالطاقة الجديدة. بعد ذلك وعلى مدى أكثر من عشر سنوات، أطلقت الحكومة سياسات استهدفت طرفي الإنتاج والاستهلاك معا، حيث دعمت شركات السيارات للقيام بالبحث والتطوير وقدمت تخفيضات ضريبية للمستهلكين عند شراء السيارات، كما عملت على تعزيز البنية التحتية لشحن السيارات وأطلقت لوحات مخصصة لسيارات الطاقة الجديدة. وأسهمت هذه الحزمة من السياسات بشكل كبير في تنمية صناعة سيارات الطاقة الجديدة.
فيما بعد، دفعت ثلاثة عوامل رئيسية صناعة السيارات الصينية لتحقيق قفزتها الكبيرة. أولا، الاختراق التقني. حققت الشركات الصينية، ومن أبرزها شركة كاتل وشركة بي واي دي، الاختراقات التقنية بالاعتماد على نفسها في مجال البطاريات، وكذلك استحوذت الشركات الصينية على أكثر من 60% من السوق العالمية لبطاريات السيارات الكهربائية. ثانيا، التفوق في سلسلة التوريد. بعد أكثر من ثلاثين عاما من تراكم الخبرات في سياق المشروعات المشتركة، نجحت الصين في بناء أكثر سلسلة توريد شمولا في العالم لمكونات السيارات، حيث يمكن العثور داخل البلاد على موردين ذوي قدرة إنتاجية واسعة في معظم حلقات الصناعة، من تصنيع أجزاء السيارات ومكوناتها إلى تطوير برمجياتها، مما منح سيارات الطاقة الجديدة الصينية ميزة تنافسية من حيث التكلفة، ويصعب على الدول الأخرى استنساخها. أما العامل الثالث، فهو المنافسة الحادة في السوق المحلية. خاضت المئات من شركات سيارات الطاقة الجديدة منافسة تشبه سباق التصفية، ولم يبق منها سوى الشركات التي تمتلك قدرات عالية، والمتفوقة من حيث جودة المنتجات والتقنيات الذكية وخدمة العملاء، وتستطيع منافسة العلامات التجارية الدولية. على هذا الأساس، ألغت الصين في عام 2022 جميع القيود المفروضة على نسبة رأس المال الأجنبي في المشروعات المشتركة، مسدلة الستار على "خط 50% الأحمر" الذي ظل قائما لنحو ثلاثين عاما.
من مصنع السيارات الأول بمدينة تشانغتشون، الذي أرسى أساسا لصناعة السيارات الصينية، إلى موجة المشروعات المشتركة بعد إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح، وصولا إلى الصعود اللافت للعدد الجم من الشركات الناشئة في صناعة السيارات خلال السنوات الأخيرة، حققت صناعة السيارات الصينية تحولا من "التخلف" إلى "الريادة"، ومن "إدخال التقنية" إلى "التوجه نحو العالم".
لم يكن هذا التحول تجاوزا مفاجئا، بل جاء نتيجة مشروع منهجي استغرق عشرات السنوات. قد لا يكون هذا الطريق قابلا للاستنساخ حرفيا بالنسبة لدول نامية أخرى، إلا أن المنطق الجوهري الكامن فيه هو أن التعاون من خلال الانفتاح والتعلم من خلال التعاون والابتكار من خلال التعلم، يظل جديرا بالتأمل.
