تشهد تقنيات الاتصالات المحمولة تحديثا باستمرار، مما يدفع مواصلة إعادة تشكيل أسلوب الإنتاج والحياة وهيكل الصناعة العالمية. وقد حققت تقنيات الجيل الخامس الترابط الأساسي بين الإنسان والحواسيب وإنترنت الأشياء، أما تقنيات الجيل السادس، فستنجز الاندماج العميق بين الاتصالات والاستشعار والحوسبة والذكاء والأمن، لتصبح شبكة ذكية متكاملة واسعة الانتشار. فتعد تقنيات الجيل السادس للاتصالات المحمولة ربوة إستراتيجية للاقتصاد الرقمي والتنافس العلمي والتكنولوجي في العالم، كما ستبني جيلا جديدا من المنشآت التحتية لشبكة معلومات الذكاء الاصطناعي لإنترنت الأشياء، لدعم القوى المنتجة الحديثة النوعية وبناء المجتمع الذكي وتحقيق تكامل الفضاء والجو والأرض، مع إحداث تغيرات عميقة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
منذ بدء الإطلاق التجاري لخدمة الجيل الخامس على نطاق واسع، بادرت الصين إلى تخطيط بحث وتطوير تقنيات الجيل السادس. وقد تشكل هيكل تطوير كامل المستويات للجيل السادس، يتسم بإرشاد السياسات والتغلب على المشكلات التقنية المستعصية وتوجيه المعايير وتعاون الصناعات وضمان حماية البيئة. وتتصدر الصين حاليا العالم في الحجم المتراكم لبراءات الاختراع وتطوير التقنيات وتحديد السيناريوهات ووضع المعايير الدولية وغيرها من المجالات المتعلقة بتقنيات الجيل السادس.
إستراتيجية التنمية والسياسات الداعمة
الترقية من الجيل الخامس إلى الجيل السادس ليست مجرد زيادة في السرعة، بل تمثل إصلاحا شاملا في بنية شبكات الإنترنت وحدود القدرة والقيمة والنمط. ويمكن أن تبلغ السرعة القصوى لشبكة الجيل السادس 1 تيرابايت في الثانية، أي ما يساوي خمسين إلى مائة ضعف سرعة شبكة الجيل الخامس. وتوفر شبكة الجيل السادس زمن وصول من طرف إلى طرف أقل من 1ر0 ميلي ثانية، مما يحقق تقدما كبيرا في كثافة الاتصال ودقة تحديد الموقع وفعالية استخدام الطاقة، كما تتمتع بالقدرة على استشعار البيئة وصنع القرار الذكي والتشغيل والصيانة بشكل مستقل والتغطية الشاملة. في ظل الإستراتيجيات الوطنية، مثل الصين الرقمية وبناء دولة قوية من حيث التصنيع واقتصاد الارتفاعات المنخفضة واستكشاف أعماق الفضاء، ستصبح شبكة الجيل السادس "قاعدة" للاقتصاد الرقمي و"محركا" للقوى المنتجة الحديثة النوعية. وقد دخل العالم مرحلة حاسمة لوضع معايير تقنيات الجيل السادس وحل المشكلات التقنية المستعصية بها، حيث يتوقع الاتحاد الدولي للاتصالات أن يتحقق الاستخدام التجاري لشبكة الجيل السادس في عام 2030 تقريبا، وفي يونيو عام 2025، أطلق مشروع شراكة الجيل الثالث التابع للاتحاد أعمال بحث وتطوير المعايير التقنية الدولية للجيل السادس، ومن المتوقع إتمام وضع هذه المعايير في عام 2029. على هذه الخلفية، رفعت الصين تقنيات الجيل السادس إلى إستراتيجية وطنية، وتهدف إلى تحقيق تقنيات مستقلة وقيادة وضع المعايير وريادة الصناعة، مما يشق طريق تنمية مدفوعة بالابتكار؛ من اتباع الآخرين إلى التقدم معا، ثم إلى التقدم على الآخرين.
وفي عام 2025، طرح تقرير أعمال الحكومة بوضوح لأول مرة "تطوير الجيل السادس من تكنولوجيا الاتصالات وغيرها من الصناعات المستقبلية". وتضمنت ((مقترحات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بشأن وضع الخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية)) التي أجيزت في الجلسة الكاملة الرابعة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر عام 2025، "دفع الجيل السادس من الاتصالات المحمولة وغيرها لتصبح نقاطا جديدة للنمو الاقتصادي"، مما يرمز إلى إدراج تطوير تقنيات الجيل السادس ضمن الخطة الإستراتيجية الوطنية الطويلة والمتوسطة المدى.
بالإضافة إلى ذلك، تسارع الحكومات المحلية في بناء مراكز الإبداع وشبكات الاختبار والحدائق الصناعية للجيل السادس، وقد تشكلت مزايا التجمعات في بكين وشانغهاي ونانجينغ وشنتشن وغيرها من المدن. أخذت بكين زمام المبادرة في وضع إستراتيجية تطوير تقنيات الجيل السادس، حيث اتخذت منطقة التنمية الاقتصادية والتكنولوجية ببكين مجمع ييتشوانغ كـ"حقل اختباري" لدفع الاندماج العميق بين تقنيات الجيل السادس والذكاء المجسد والأجهزة القابلة للارتداء واقتصاد المرتفعات المنخفضة وغيرها من المجالات، لبناء دائرة صناعية ذات سلسلة كاملة تغطي البحث والتطوير والإنتاج والاختبار والتطبيق. وقال قوه تسه بانغ، رئيس مصلحة صناعة العلوم والتكنولوجيا بمنطقة التنمية الاقتصادية والتكنولوجية ببكين، "نعمل على بناء مجمع فضاء الجيل السادس الرفيع المستوى، وقد خططنا لتطوير الحلقات الحاسمة في السلاسل الصناعية، مثل الرقائق وأجهزة المحطة القاعدية للاتصالات والأجهزة الطرفية الحديثة. وجمعنا أكثر من ثمانين شركة في المجمع، وقد بلغ حجم الصناعة حوالي عشرين مليار يوان (الدولار الأمريكي يساوي 9ر6 يوانات تقريبا حاليا)." وقد أصدرت حكومة بكين عديدا من السياسات المعنية للإسراع في إقامة منظومة تطوير صناعة الجيل السادس وتعزيزها.
الاختراقات التقنية والقدرة المحورية
بفضل دعم السياسات الوطنية، حققت الصين ثمارا مرحلية في اختبارات التقنيات. وتنقسم خطة اختبارات تقنيات الجيل السادس في الصين إلى ثلاث مراحل، وقد أنجزت المرحلة الأولى المتمثلة في اختبار التقنيات الرئيسية، حيث تحتضن الصين حاليا أكثر من ثلاثمائة تقنية رئيسية في مجالات تقنيات اتصالات التيراهيرتز وتكامل الفضاء والجو والأرض وتكامل الاتصالات والاستشعار والشبكة الأصلية للذكاء الاصطناعي والسطح العاكس الذكي والاتصالات الخضراء والمنخفضة الكربون. وقد دخلت الصين المرحلة الثانية المتمثلة في التحقق من صحة الحل التقني للمرحلة الثانية لشبكة الجيل السادس، حيث تعمل الصين على بحث وتطوير النموذج الاختباري للجيل السادس مستهدفة السيناريوهات النموذجية ومؤشرات الأداء الوظيفي. وستبدأ في المرحلة الثالثة، المتمثلة في بحث وتطوير الأجهزة التجارية للجيل السادس وإجراء اختبار المنتجات الرئيسية للجيل السادس، استعدادا لتسويق الجيل السادس بحلول عام 2030.
وفي مجال طلبات براءات الاختراع المتعلقة بشبكات الجيل السادس، تحافظ الصين على مكانتها الرائدة في العالم، حيث شكل عدد طلبات براءات الاختراع المتعلقة بشبكات الجيل السادس بها 3ر40% من الطلبات في العالم، وتتقدم الصفوف في هذا المجال شركات "هواوي" و"زد تي إي" و"تشاينا موبايل" و"تشاينا يونيكوم"، ومختبرات "تسيجينشان (الجبل الأرجواني)" وجامعة بكين للبريد والاتصالات وجامعة الجنوب الشرقي وغيرها من المؤسسات. وجدير بالذكر أن الباحثين في مختبرات الجبل الأرجواني الصينية نجحوا في تطوير ترميز القنوات الثنائي الأبعاد الزمكاني، مما يتيح نقل بيانات الجيل السادس بموثوقية فائقة وسرعة شبه فورية.
وفي مجال صياغة المعايير، تبنى الاتحاد الدولي للاتصالات مؤشرات الستة أنواع من السيناريوهات النموذجية والأربعة عشر قدرة رئيسية التي طرحتها الصين، وأصبحت هذه المؤشرات قواعد جوهرية عالمية لتحديد طلبات تقنيات الجيل السادس. وقادت الصين بحوث طلبات السيناريوهات وبنية شبكات الإنترنت في مشروع شراكة الجيل الثالث وغيره من الهيئات الدولية، وقد أدرجت كثير من الخطط التقنية الصينية في تقرير المعايير الدولية، فتعمل الصين على دفع تشكيل منظومة المعايير الشاملة الموحدة عالميا للجيل السادس.
ولكن الصين تواجه بعض الصعوبات في تطوير تقنيات الجيل السادس، مثل الضعف في تصنيع الرقائق العالية المستوى وسلسلة التوريد غير المستقرة والافتقار إلى التحكم في استهلاك الطاقة واكتشاف الأنماط التجارية الجديدة وتعزيز التطبيقات المندمجة العابرة لمختلف القطاعات بدعم من سياسات الحكومة ودفع السوق.
بحلول عام 2035، ستتقدم تقنيات الجيل السادس وتتطور بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والحوسبة السحابية والمعلومات الكمومية، لتصبح تقنيات تدعم تطوير القوى المنتجة الحديثة النوعية، وتدفع تواصل المنشآت التحتية الرقمية العالمية وترابطها، وتعزز التعاون الدولي في مجالات التقنيات والمعايير والصناعات والتطبيقات، وتجعل ثمار تطوير التقنيات تفيد جميع شعوب العالم، لبناء مستقبل رقمي أكثر ذكاء وخضرة ومساواة وازدهارا. وتتوقع أكاديمية الصين لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أنه بعد تسويق تقنيات الجيل السادس على نطاق واسع في الصين، ستتشكل لهذه الصناعة سوق تصل قيمتها إلى تريليون يوان، مما يخلق أكثر من مليون وظيفة جديدة. كما ستدفع تقنيات الجيل السادس الترقية الشاملة لصناعات الرقائق والمواد والأجهزة والأقمار الاصطناعية والأطراف النهائية والبرمجيات والخدمات، لتتشكل دائرة مقفلة لـ"البرمجيات+ الأجهزة+ الخدمات+ التطبيقات".
إن تطوير تقنيات الجيل السادس ليس ترقية لتقنيات الاتصالات فحسب، وإنما أيضا تجسيد مركز لقوة الدولة العلمية والتكنولوجية وقدرتها التنافسية في الصناعة وسلطتها في الخطاب في الحوكمة العالمية. ستتمسك الصين بالتنمية المدفوعة بالابتكار، والانفتاح والتعاون، وتحقيق التنمية مع ضمان الأمن، سعيا إلى تقديم مساهمات حكمة الصين وحلول الصين وقوة الصين في الحضارة الرقمية وتقدم البشرية.
