في عملية التحول الحضري، غالبا ما تبرز مشكلة "المدن المحاصرة بالنفايات". مع اتساع مساحة المدن وتزايد عدد سكانها وارتفاع مستوى استهلاكها، تتصاعد كميات النفايات فيها بشكل متواصل. هذه المخلفات، إن لم تعالج على نحو سليم، ستشكل في النهاية تهديدا كبيرا للبيئة والصحة العامة.
على مدى سنوات طويلة، عانت الصين من ضغوط متزايدة في التعامل مع النفايات، نتيجة لعدد سكانها الضخم وتسارع وتيرة التحول الحضري فيها. في هذا السياق، واصلت الصين إصلاح نظم إدارة النفايات، كما عملت على تعزيز إعادة استخدام النفايات ومعالجتها بطريقة آمنة وغير ضارة. اليوم، أصبح حرق النفايات من أجل توليد الكهرباء هو الأسلوب السائد في التخلص من النفايات في المدن الصينية، حيث تتحول النفايات التي كانت تزعج المدن إلى طاقة كهربائية تنير بيوت الناس.
تحويل النفايات إلى طاقة.. الحل الصيني لإدارة النفايات
النفايات ليست مجرد "مواد مهملة"، بل هي "موارد وُضعت في المكان الخاطئ". من هذا المنطق، بدأت الصين في إعادة تشكيل منظومة إدارة النفايات الحضرية.
قبل أكثر من عشرين عاما، كان الدفن الصحي هو الوسيلة الرئيسية لمعالجة النفايات الحضرية في الصين، إلا أن هذه الطريقة تكتنفها عيوب كثيرة، فهي تحتاج إلى مساحات شاسعة من الأراضي وتشغلها لفترات طويلة، كما أن العصارة الناتجة عن النفايات المدفونة قد تلوث المياه الجوفية، ويشكل الميثان الذي ينبعث من النفايات مخاطر بيئية وصحية ويؤدي إلى تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. في مواجهة هذه المعضلة، بدأت الصين في تطوير صناعة حرق النفايات من أجل توليد الكهرباء، على أساس مبادئ "تقليل ومعالجة وإعادة تدوير النفايات من دون مخاطر".
بعد سنوات من الاستكشاف والتطوير، أصبحت سلسلة صناعة حرق النفايات من أجل توليد الكهرباء في الصين أكثر اكتمالا، لتشمل حلقات متكاملة بدءا من فرز وجمع النفايات، مرورا بنقلها وتنظيمها، وصولا إلى حرقها من أجل توليد الكهرباء، بالإضافة إلى السيطرة على التلوث، مثل تنقية الغازات ومعالجة الرماد المتطاير وإعادة استخدام الخبث. وحتى نهاية عام 2025، تجاوز عدد محطات حرق النفايات من أجل توليد الكهرباء التي دخلت حيز التشغيل ألف محطة، بقدرة معالجة يومية تزيد على 1ر1 مليون طن.
في محطات حرق النفايات من أجل توليد الكهرباء في الصين، تتلاشى الصورة النمطية التي ترسخت في أذهاننا عن "مدافن النفايات". في شانغهاي، تحول مدفن لاوقانغ للنفايات، الذي كان مرتعا للبعوض والحشرات، إلى قاعدة متكاملة تجمع بين معالجة النفايات الصلبة وإعادة تدوير الموارد وتطوير تقنيات الصناعات البيئية وأنشطة التوعية البيئية. في شنتشن، تحولت محطة حرق النفايات التي كانت ممقوتة ومنفرة للكافة، إلى حديقة إيكولوجية ينتظر المواطنون في طوابير لزيارتها. وفي مختلف أنحاء الصين، مثل مقاطعات لياونينغ وخبي وتشينغهاي إلى جانب منطقة قوانغشي، تم إنشاء عدد كبير من المحطات الحديثة التي تتميز بتصاميم جميلة وبيئة نظيفة وترتيب منظم. لم تعد هذه المنشآت "مرافق مزعجة للجوار" على أطراف المدن، بل تحولت إلى بنية تحتية خضراء تندمج في نسيج الحياة الحضرية.
مع الزيادة السريعة لعدد محطات حرق النفايات، ظهر مشهد جديد لإدارة النفايات في المدن الصينية: ففي الماضي، كان الناس قلقين من مشكلة "المدن المحاصرة بالنفايات"، أما اليوم، فإن بعض المناطق تواجه التحدي الجديد المتمثل في "عدم كفاية النفايات للحرق". في يونيو 2024، بدأ أكبر مدفن نفايات في الصين، وهو مدفن يويلونغ في مدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ، في تنفيذ مشروع الحفر الكامل لنقل النفايات ومعالجتها، مما أثار اهتماما كبيرا ونقاشا ساخنا في المجتمع. يتم استخراج أكثر من ستة آلاف متر مكعب من النفايات يوميا من "جبل النفايات" الذي يبلغ ارتفاعه مائة وعشرة أمتار، لفرز أكثر من خمسة آلاف طن من النفايات لتوليد كهرباء تكفي لتلبية احتياجات 26 ألف أسرة لمدة عام كامل.
في المستقبل، سيكون التخطيط العلمي للقدرة الإنتاجية لحرق النفايات وتعزيز تنميتها المتناسقة بين المناطق ورفع مستوى تقنيات وتشغيل المحطات، من العوامل الرئيسية لتحقيق التنمية العالية الجودة لصناعة حرق النفايات.
معايير صارمة لحماية البيئة.. الابتكار التكنولوجي والإشراف الذكي
عند الحديث عن حرق النفايات، يركز الناس على سؤال واحد: هل قد يؤدي ذلك إلى تلوث ثانوي؟ وخاصة ما يتعلق بمادة الديوكسينات، التي تعرف باسم "سم القرن". ففي حال لم يتم التحكم فيها بشكل سليم، ستلحق أضرارا طويلة الأمد بالبيئة الإيكولوجية وصحة الإنسان. وفي هذا الصدد، قامت الصين بإنشاء نظام متكامل يبدأ من مرحلة الحد من التلوث في المنبع وصولا إلى المراقبة في المراحل النهائية.
اعتمادا على أنظمة تحكم دقيقة، تعمل أفران حرق النفايات الحديثة في ظروف تضمن: درجة حرارة داخل الفرن لا تقل عن 850 درجة مئوية، وزمن بقاء الغازات الناتجة عن الحرق في الفرن يتجاوز ثانيتين؛ وتوفير أكسجين كاف. فهذه الظروف تفضي إلى احتراق كامل يحد من تكوّن مادة الديوكسينات.
بعد خروج الغازات من الفرن، تمر بمراحل تنقية متتالية. تُزال أكاسيد النيتروجين والغازات الحمضية بواسطة الاختزال الانتقائي غير التحفيزي "SNCR" والطريقة شبه الجافة، وتُمتص مادة الديوكسينات والمعادن الثقيلة بواسطة الكربون المنشط، كما يُجمع الرماد المتطاير بمرشحات الأكياس. بعد هذه العمليات، تصبح جميع مؤشرات الغازات المنبعثة مطابقة لمعايير الاتحاد الأوروبي، بل إن بعض المؤشرات الرئيسية تتجاوز تلك المعايير. أما الخبث الناتج عن الحرق فيخضع لعمليات التكسير والغربلة والفرز المغناطيسي، حيث يتم فصل المعادن مثل النحاس والحديد والألمنيوم لإعادة تدويرها، في حين يمكن لاحقا استخدام الخبث المطابق للمعايير في صناعة مواد البناء أو كطبقة أساس لرصف الطرق.
إلى جانب التقنيات المتقدمة، أنشأت الصين نظاما متكاملا لضمان سلامة عمليات حرق النفايات. فكل محطة مزودة بأنظمة مراقبة تلقائية ترسل بياناتها إلى منصات الجهات الحكومية البيئية على مدار الساعة، حيث تشمل هذه البيانات مؤشرات رئيسية مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون والغبار وكلوريد الهيدروجين. كما وضعت محطات كثيرة شاشات إلكترونية أمام بواباتها لعرض تلك البيانات للجمهور في الحال، بل إنها هيأت ممرات للزيارة، ليطلع المواطنون بأعينهم على تفاصيل معالجة النفايات ويشاركوا في المراقبة. وفي السنوات الأخيرة، أدخلت بعض المحطات تقنيات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في أعمالها، سعيا لتحقيق انبعاثات شديدة النقاء.
التعاون الدولي.. يدا بيد نحو مستقبل أخضر
مع تسارع وتيرة التحول الحضري في العالم، تبرز معالجة النفايات كتحد واقعي يواجه العديد من الدول النامية. واليوم، أصبحت التقنيات والخبرات التي راكمتها الصين في هذا المجال تعود بالنفع على المزيد من الدول والمناطق من خلال التعاون الدولي.
وفقا لإحصاءات اتحاد عموم الصين للبيئة، حتى مايو 2025، بلغ عدد محطات حرق النفايات من أجل توليد الكهرباء التي شاركت في بنائها الشركات الصينية في الخارج 79 محطة (بما في ذلك المشروعات الموقعة).
محطة حرق النفايات في مدينة بارويري بولاية ساو باولو في البرازيل، التي تتولى إنشاءها شركة بناء الطاقة الصينية وشركة هندسة الطاقة الصينية، هي من أوائل محطات توليد الطاقة من النفايات في البرازيل، بل وعلى مستوى أمريكا اللاتينية بأسرها. تبلغ مساحة المحطة حوالي 37 ألف متر مربع، وقد صممت لمعالجة 870 طنا من النفايات الصلبة يوميا، وتصل قدرتها المركبة إلى 1ر19 ميغاوات. ومن المتوقع أن يبدأ تشغيل المحطة في عام 2027، مما سيسهم في تمكين مدينة بارويري من التخلص نهائيا من المعضلة الطويلة الأمد في معالجة النفايات، إلى جانب توفير الكهرباء للسكان المحليين.
في إطار البناء المشترك لمبادرة "الحزام والطريق"، هناك آفاق واسعة للتعاون بين الصين والدول العربية في مجال إدارة النفايات. فبالنسبة للعديد من الدول العربية، لا يساعد مشروع حرق النفايات من أجل توليد الكهرباء على التخفيف من الضغط على الموارد الأرضية فحسب، بل يتوافق أيضا مع أهدافها التنموية المتمثلة في التحول الأخضر وتنويع مصادر الطاقة وبناء المدن الحديثة.
على سبيل المثال، شاركت شركات صينية في إنشاء أول محطة لحرق النفايات من أجل توليد الكهرباء في العراق. صممت المحطة لمعالجة ثلاثة آلاف طن من النفايات يوميا، وتبلغ قدرتها الإنتاجية مائة ميغاوات من الكهرباء. ومن المنتظر أن تقدم خدمات لنحو عشرة ملايين نسمة، فضلا عن إتاحة فرص عمل جديدة للسكان المحليين.
