في ليلة باردة من شهر ديسمبر عام 2023، تلقى تشاو تشن اتصالا عاجلا من أحد موظفيه أخبره فيه أن العديد من الجيران اقتحموا مكتبته التي افتتحها مؤخرا، ظنا منهم أنها السبب في انقطاع المياه لفترة طويلة في المنطقة. تقع المكتبة في دار رباعية تضم ستة منازل بزقاق في حي دونغتشنغ في بكين. ولأن انقطاع المياه في الزقاق قد صار متكررا، بينما المكتبة لم تتأثر، ظن السكان أنها السبب. ازداد التوتر بسرعة، وهدد الجيران باستخدام العنف. بعد المكالمة الهاتفية، جاء تشاو تشن من أقصى المدينة يسعى، وتمكن من تهدئة الجيران الغاضبين واستدعى فريق صيانة محترفا. وتبين أن المكتبة ليست سبب المشكلة، وإنما أنبوب مياه قديم متهالك مدفون تحت الأرض في الزقاق. لم يلقى السيد تشاو باللائمة على جيرانه، وإنما حل المشكلة خلال ليلة واحدة، فنال ثقتهم منذ ذلك الحين.
من دون قصد، ساعدت هذه الحادثة المكتبة على بناء علاقات أقوى مع سكان الزقاق. على سبيل المثال، النافذة الغربية من المكتبة غائرة إلى الداخل، مما يتيح للسكان وضع أغراضهم اليومية على حافة النافذة من الناحية الخارجية. بالإضافة إلى ذلك، افتتحت المكتبة محلا صغيرا لبيع باوتسي (الكعك المحشو المطهو على البخار) عند مدخلها، يوفر فرص عمل لمتقاعدين من سكان الزقاق. بالمقابل، يساعد السكان في الاعتناء بالمكتبة، مثل المساعدة على استلام الطرود الواردة إليها.
مساحة قراءة منتقاة بعناية
من الخارج، تندمج مكتبة " الكتب ممكنة (Possibly Books)" في إيقاع حياة الزقاق. في داخلها، توفر مساحة قراءة شاملة تتميز بالتصميم والتفاعل الإنساني غير المتكلف، وتهيئ إمكانيات أخرى لطبيعة المكتبة. وفي أروقتها تتجول قطط ضالة تم إنقاذها، وغالبا ما تكون بمثابة جسور اجتماعية مرحة ذات فراء. قال تشاو تشن إنه عندما تقفز قطة على طاولة، يمكن أن تصبح "مرساة" للغرفة، مما يدفع الزوار إلى تفاعلات لحظية هادئة، ويكسر حاجز الصمت بلطف من دون إزعاج الأجواء العامة.
كما يعد تصميم رفوف الكتب من أبرز ملامح المكان. فبدلا من عرض الكتب بالطريقة التقليدية، التي تظهر عناوين الكتب الجانبية فقط، تعرض الكتب بواجهاتها الأمامية بحيث يمكن رؤية أغلفتها كاملة. ويعتقد تشاو تشن أن تصميم الكتب يعكس جهدا فنيا أنيقا، وينبغي أن يُرى لا أن يُخفى. وتم ترتيب كل قسم من الرفوف وكأنه معرض صغير، غالبا ما ترافقه ملاحظات مكتوبة بخط اليد وزينات رقيقة، مما يجعل الزوار يتصفحون الكتب ويتمتعون بتجربة ممتعة وجذابة.
يمتد هذا النهج التنسيقي أيضا إلى فعاليات المكتبة. فالمواعيد المنتظمة للفعاليات الدورية المرتبطة بالكتب تضفي حيوية مستدامة على المكان، إذ أقيم فيها حتى الآن أكثر من ثلاثين فعالية. ومن أبرزها معرض مستوحى من كتاب الرسوم المصورة ((العالم الصغير))، الذي يعرض مشاهد من الحياة اليومية. تضمن المعرض الرسوم الأصلية للكتاب إلى جانب مقتطفات قصيرة، مما خلق أجواء حميمية وقريبة من الزوار. وفي عطلات نهاية الأسبوع، كان الكاتب يحضر بنفسه ليرسم رسوما شخصية سريعة للزوار، مما عزز التقارب بين القراء والكتاب. لم يقتصر تأثير هذا المعرض على جذب اهتمام كبير فحسب، وإنما أيضا كان أول معرض يحقق أرباحا للمكتبة، مما أثبت أن الأنشطة الثقافية المصممة بعناية يمكن أن تلامس قلوب القراء مع تحقيق الاستدامة المالية.
غير أن إدارة مكتبة بهذا النمط ليست بالأمر الهين. يعترف تشاو تشن بأن التحدي الأكبر المستمر هو المحافظة على بيئة هادئة. خلافا للأماكن التجارية العادية، تحتاج المكتبة إلى الهدوء كعنصر أساسي في تجربة القراءة. في الأشهر الأولى بعد الافتتاح، كان الموظفون يضطرون مرارا إلى تذكير الزوار بخفض أصواتهم. على الرغم من أن توعية الزوار قد تبدو عملية مرهقة، فإنها أمر ضروري لحماية الأجواء التي تسعى المكتبة إلى توفيرها.
مع مرور الوقت، بدأت جهود تشاو تشن تؤتي ثمارها. ففي إحدى المرات، أراقت زائرة القهوة عن طريق الخطأ على مأخذ كهرباء، مما تسبب في انقطاع الكهرباء عن جزء من المكتبة، لم يلـمها تشاو تشن، بل طمأنها وأهداها مشروبا بديلا، معترفا بأن تصميم المكتبة يتحمل جزءا من المسؤولية. تأثرت الزائرة بهذا التصرف، وأخذت تزور المكتبة صباح كل يوم أحد، وتشتري كتبا باستمرار. يرى تشاو تشن أن هذه اللحظات تعبر عن احترام متبادل يتجاوز العلاقة التجارية، وتبرز الارتباط العاطفي الذي تم بناؤه بين المكتبة وقرائها.
التجذر في التجمع السكني
مع تطوير الأعمال التجارية، افتتحت المكتبة فرعها الأول في تجمع هويلونغقوان السكني الواقع في حي تشانغبينغ ببكين. صُمم كل فرع بعناية وفقا لبيئة محيطه، مما يعكس رؤية تشاو تشن بأن المكتبة يجب أن تندمج بشكل عضوي في التجمع السكني الذي توجد فيه.
يجذب فرع المكتبة في الزقاق الكثير من السكان المحليين والزوار. وبفضل قربه من المعالم التاريخية، أصبح محطة شهيرة على مسار "جولات المدينة"، حيث يأتي الزوار لتصفح الكتب أو حضور الفعاليات أو لمجرد التمتع بالأجواء، مما أدى إلى ارتفاع نسبة الزوار الجدد الذين يزورونه لأول مرة.
في المقابل، يلبي فرع هويلونغقوان احتياجات زوار أكثر استقرارا من سكان التجمع المحلي، ومعظمهم من موظفي شركات التكنولوجيا القريبة، وهنا، يكون الإيقاع أكثر انتظاما: إذ يأتي العديد من الزوار يوميا للقراءة أو العمل أو المذاكرة. يوفر الفرع خدمة جلوس طويلة الأجل وتخفيضات على الاشتراكات، من أجل خدمتهم بشكل أفضل. من خلال هذه النماذج المختلفة، يوضح تشاو تشن كيف يشكل كل فرع عملياته بنشاط من خلال الاستجابة للأشخاص الذين يخدمهم.
لم يكن قرار فتح المكتبة نابعا من نزوة. بدأ ارتباط تشاو تشن بالقراءة وهو في الثامنة من عمره تقريبا، حيث انطلق من قصص المجلات، ثم توسع تدريجيا إلى الأدب الصيني الكلاسيكي. ومع مرور الوقت، لم تحدد القراءة اهتمامات تشاو تشن فحسب، وإنما أيضا شكلت طريقته في فهم العالم.
في عام 2016، شارك تشاو تشن في مبادرة ثقافية مجتمعية، وشارك في تأسيس مساحة ثقافية عامة في دار رباعية تقليدية ببكين. وهناك، نظم تشاو تشن وفريقه مجموعة واسعة من الأنشطة الثقافية، ومنها حفلة بكين التي ارتدى خلالها سكان محليون ملابس عتيقة للمشاركة في أسواق وعروض، بالإضافة إلى برنامج يجمع بين الشباب وكبار السن لتبادل تجارب الحياة اليومية. لقد أتاحت سنوات التجريب هذه في مجال الخدمة الثقافية العامة لتشاو تشن خبرة عملية وشبكة علاقات مع فنانين وكتّاب وممارسين ثقافيين، والأهم أنها دفعته إلى إعادة التفكير في استدامة المساحات الثقافية.
مع تخفيض الدعم المالي الحكومي، بدأ تشاو تشن وشركاؤه يبحثون عن النموذج الذي يحقق التوازن بين القيمة الثقافية والجدوى المالية، وهو ما أدى في النهاية إلى تأسيس مكتبة "الكتب ممكنة" في عام 2023.
حاليا، تحقق المكتبة توازنا ماليا بين الإيرادات والمصروفات. ذكر تشاو تشن أن مبيعات الكتب تسهم بنسبة تتراوح بين 40% و45% من إجمالي الدخل، وهي نسبة مرتفعة نسبيا بالمقارنة مع المكتبات المستقلة، في حين يأتي باقي الدخل من بيع المشروبات والمنتجات الثقافية وتقديم الخدمات المرتبطة بها.
مساحة للاسترخاء
بالنسبة لتشاو تشن، القراءة هي أيضا وسيلة للعودة إلى ذاته، وإلى شخصية "عاشق الكتب" التي كان عليها في المكتبة بعيدا عن ضغوط الحياة والعمل. ويتشارك الكثير من الناس هذه الحاجة. يقول تشاو تشن: "اليوم، يضطلع الناس بأدوار متعددة في المجتمع، ويعانون ضغوطا هائلة، يبحث الكثيرون عن ’مساحة ثالثة‘ بين المنزل والعمل، حيث يمكنهم التمتع بإيقاع بطئ والقراءة والاسترخاء ببساطة." توجه هذه الفلسفة اختيارات الكتب في مكتبة "الكتب ممكنة"، التي تضع جودة الكتب في مكانة أعلى من كميتها. فبدلا من التركيز على الكتب الأكثر مبيعا أو توجهات السوق، يميل اختيار المكتبة نحو الأدب والعلوم الإنسانية والفنون، أي الكتب التي تحفز على القراءة المتأنية والتأملية. يتناغم كل كتاب مع الأجواء العامة للمكتبة، مسهما في خلق جو تأملي متماسك.
ويلقى هذا النهج صدى لدى التغيرات الأوسع في سلوك المستهلك. يعتقد تشاو تشن أنه بعد عقد من هيمنة التجارة الإلكترونية والاستهلاك الرقمي السريع، بدأ كثيرون يشعرون بالإرهاق من التجارب الرقمية البحتة. ينجذب المستهلكون، خاصة من الفئات الأصغر سنا والأكثر تعليما، بشكل متزايد إلى المساحات خارج الإنترنت التي تقدم الملمس والأجواء والقيمة العاطفية، وهم مستعدون للدفع ليس فقط مقابل السلع، بل مقابل ما تتركه الأمكنة في نفوسهم.
يعيد هذا الاتجاه التحولي تشكيل هيكل المكتبات خارج الإنترنت. فالمكتبات التقليدية التي تعتمد بشكل رئيسي على بيع الكتب تتلاشى تدريجيا، بينما تكتسب المكتبات ذات الطابع الخاص أرضية، فبعضها يعطي الأولوية لمساحات دراسية واسعة، والبعض الآخر يستكشف موضوعات متخصصة مثل أدب الطهي. تتحول المكتبات تدريجيا إلى مساحات ثقافية شاملة.
تشكل تجربة تشاو تشن جزءا من اتجاه تحول المكتبات الحالي. في الوقت الراهن، تضم بكين أكثر من ألفين ومائة مكتبة خارج الإنترنت، بمتوسط 94ر0 مكتبة لكل عشرة آلاف نسمة، وهو الأعلى على مستوى الصين من حيث العدد والكثافة. ومع دخول ((لائحة مجلس الدولة لتعزيز القراءة في أنحاء البلاد)) حيز التنفيذ في فبراير 2026، من المتوقع أن يشهد هذا القطاع مزيدا من النمو.
بمعنى ما، تواصل مكتبة "الكتب ممكنة" الدور الذي لعبته القراءة في حياة تشاو تشن. فبتحويل علاقته الشخصية بالكتب إلى مساحة ملموسة، يتيح للآخرين فرصة تحقيق ذات الصلة والمعنى الذي منحته إياه القراءة طويلا. وهذه الصلة ذاتها هي التي أقامها في ليلة ديسمبر الجليدية تلك.
