بعد ثلاث سنوات من أولمبياد بكين الشتوية، استضافت الصين الدورة التاسعة للألعاب الآسيوية الشتوية التي أقيمت في هاربين في الفترة من السابع إلى الرابع عشر من فبراير 2025. وبفضل الجهود المشتركة، كانت هذه الدورة التي جاءت في أعقاب عطلة عيد الربيع الصيني، مهرجانا رياضيا جسد الخصائص الصينية وأظهر مهارات الرياضيين الآسيويين، كما عزز الصداقة بين الدول والمناطق الآسيوية المختلفة.
مدينة الجليد تستقبل ضيوفها
تُعرف هاربين، حاضرة مقاطعة هيلونغجيانغ في شمال شرقي الصين، بأنها "مدينة الجليد"، حيث يتراوح متوسط درجة حرارتها في الشتاء بين سبع درجات تحت الصفر وثماني عشرة درجة مئوية تحت الصفر. ويبلغ متوسط تساقط الثلوج السنوي فيها بين 30 و40 سنتيمترا، بينما يصل سمك الثلوج المتراكمة سنويا إلى ما بين 20 و30 سنتيمترا. وبفضل مواردها من الجليد والثلج، طورت هاربين رياضات الجليد والثلج، واقتصاد الجليد والثلج، وسياحة الجليد والثلج، فباتت هذه المجالات ركيزة مهمة للمدينة.
هذه هي المرة الثانية التي تستضيف فيها هاربين الألعاب الآسيوية الشتوية بعد أن استضافتها في عام 1996. استنادا إلى خبرتها السابقة، تمسكت هاربين في هذه المرة بمبادئ "الخضرة" و"التشارك" و"الانفتاح" و"النزاهة" خلال عمليات التحضير، حيث بذلت قصارى جهدها لتلبية احتياجات الرياضيين والإداريين والمشاهدين من دول مختلفة بأفضل شكل ممكن.
بدلا من بناء ملاعب جديدة، تمت ترقية وتحسين الملاعب القديمة ومرافقها لاستضافة السباقات على الجليد في دورة الألعاب الآسيوية الشتوية هذه. على سبيل المثال، في ملعب التزلج السريع على الجليد، الذي بني خصيصا للدورة الثالثة للألعاب الآسيوية الشتوية في عام 1996 وأقيمت فيه العديد من البطولات بعدها، كانت فعالية العزل الحراري لأشرطة الزجاج للإضاءة الطبيعية المركبة على السقف قد ضعفت مع مرور الوقت، لذا قررت اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الآسيوية الشتوية في هاربين تعديل سطح السقف بشكل كبير، باستخدام مواد جديدة من الألمنيوم والمغنيسيوم والمنغنيز لتحسين العزل الحراري، وتقليص مساحة أشرطة الزجاج للإضاءة الطبيعية من ألفي متر مربع إلى أكثر من أربعمائة متر مربع، لضمان توفير كمية كافية من الإضاءة الطبيعية وتحقيق فعالية أفضل في العزل الحراري وتوفير الطاقة.
في سباق التزلج على الجليد، تلعب عربات تجميد الجليد دورا مهما في ضمان نعومة واستواء سطح الجليد. في هذه الدورة، استخدمت العربات الكهربائية الصديقة للبيئة والفعالة في عملية تجميد الجليد، اعتمادا على تقنية الاستشعار الرقمي للتحكم بدقة في حجم الطاقة المستهلكة، بالإضافة إلى الإدارة الذكية لتحسين توزيع الطاقة. قال ليو تشينغ هوي، مسؤول قسم حماية البيئة في اللجنة المنظمة، إن هاربين غيرت الطريقة التقليدية لإمداد الطاقة باستخدام الفحم والغاز، وركزت على تطوير الطاقة النظيفة بالاعتماد على الموارد الطبيعية المحلية مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، حيث وفرت محطات توليد الكهرباء المحلية الطاقة لجميع الملاعب أثناء السباقات. ولأول مرة في تاريخ الألعاب الآسيوية الشتوية، تم تحقيق استخدام الكهرباء الخضراء بنسبة 100%.
ومن أجل ضمان نزاهة السباقات، نجحت الفرق البحثية المعنية في تطوير أجهزة جديدة لهذا الغرض. فقد طور الفريق البحثي من جامعة هاربين للرياضة نظاما متقدما لإعادة عرض لقطات الفيديو على شاشة مزدوجة، تبين وضعية جسم الرياضي والتلامس بين الرياضيين وغيرها من التفاصيل، بحيث تتيح للحكام المراجعة من زوايا متعددة في وقت واحد. قال شان باو هاي، مسؤول هذا الفريق البحثي، إن هذا التقدم التكنولوجي يسهل اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة خلال المنافسات. وأضاف أن النظام يمكنه الاستفادة من البيانات المجمعة وتحليل البيانات الضخمة لتوفير رؤى علمية تدعم تدريب الرياضيين، وتطوير تكتيكات المنافسة، وتحسين إدارة وتنظيم الفعاليات.
هذه الأمثلة هي صور مصغرة للابتكارات في دورة الألعاب الآسيوية الشتوية في هاربين، وقد ساهمت التطورات التكنولوجية في زيادة جاذبيتها وروعتها، مما نال تقديرا عاليا في المجتمع الدولي. وقد قال السيد تيموثي فوك تسون تينغ، النائب الأول لرئيس المجلس الأولمبي الآسيوي، إن هذه الدورة للألعاب الآسيوية الشتوية هي الأكثر روعة في تاريخ الألعاب الآسيوية الشتوية. وذكرت وكالة أنباء البحرين أن هاربين استخدمت مواد صديقة للبيئة وتقنيات خضراء منخفضة الكربون في هذه الدورة.
أداء رائع للرياضيين الصينيين
في دورة الألعاب الآسيوية الشتوية في هاربين، تصدرت الصين قائمة الميداليات، بإجمالي خمس وثمانين ميدالية، منها اثنتان وثلاثون ذهبية وسبع وعشرون فضية وست وعشرون برونزية. وحققت بذلك أفضل نتيجة في تاريخ مشاركتها في الألعاب الآسيوية الشتوية، مما أكد على قدرة الرياضيين الصينيين في رياضات الجليد والثلج.
في الثامن من فبراير، في نهائي القفز الهوائي للتزلج الحر للسيدات، غابت قو آي لينغ، الحائزة على ميداليتين ذهبيتين في أولمبياد بكين الشتوية في عام 2022 بسبب الإصابة، وشاركت بدلا منها لي فانغ هوي وتشانغ كه شين في هذا السباق. في الجولة الأولى، قفزت لي فانغ هوي عاليا وأكملت ست حركات محققة 00ر93 نقطة، واحتلت المركز الأول وواصلت أداءها الممتاز في الجولة الثالثة وفازت بالميدالية الذهبية بـ25ر95 نقطة. كانت هذه أول ميدالية ذهبية للمنتخب الصيني في هذه الدورة للألعاب الآسيوية الشتوية. وفي نفس الوقت، حصلت تشانغ كه شين على الميدالية الفضية بفضل أدائها الجيد.
الرياضي المتميز قاو تينغ يوي، الذي توج بذهبية سباق التزلج السريع لمسافة 500 متر للرجال في أولمبياد بكين الشتوية في عام 2022، واصل تألقه. ففي الثامن من فبراير، خلال نهائي سباق التزلج السريع لمسافة 100 متر للرجال، قدم قاو أداء قويا منذ البداية وحتى النهاية، محققا رقما قياسيا جديدا على مستوى قارة آسيا والألعاب الآسيوية الشتوية بزمن 35ر9 ثوان. وفي العاشر من فبراير، أضاف قاو ميدالية ذهبية جديدة في سباق التزلج السريع لمسافة 500 متر للرجال بزمن 95ر34 ثانية، مما عزز مكانته في هذا المجال. بعد ساعة واحدة من الراحة، عاد قاو إلى الحلبة للتحضير لسباق التتابع في التزلج السريع لمسافة قصيرة للرجال مع زميليه نينغ تشونغ يان وليان تسي ون. وعلى الرغم من التعب الكبير، تعاون الثلاثة بشكل وثيق بعد تعديل التكتيكات بصورة مرنة. وبفضل أدائهم الممتاز، فاز الفريق الصيني بالميدالية الذهبية بزمن دقيقة و22ر19 ثانية.
سباق "سكي ماونتينيرينغ" رياضة جديدة في هذه الدورة من الألعاب الآسيوية الشتوية، بعد إدراجه في قائمة الرياضات الرسمية للدورة الخامسة والعشرين للألعاب الأولمبية الشتوية التي ستقام في ميلانو وكورتينا بإيطاليا. بفضل اهتمام الصين بهذه الرياضة غير المعروفة ووجود العديد من الرياضيين المتميزين في التزلج الريفي وركض المسافات المتوسطة والطويلة، شهدت هذه الرياضة تطورا سريعا في السنوات الأخيرة. في هذه الدورة للألعاب الآسيوية الشتوية، فاز الرياضيون الصينيون بجميع الميداليات في المنافسات الثلاث لسباق "سكي ماونتينيرينغ". قال تشانغ ياو هوا، مدرب الفريق الصيني لسباق "سكي ماونتينيرينغ"، إن جميع الرياضيين الصينيين قدموا أداء رائعا وتغلبوا على الصعوبات. لكنه أشار إلى أن هناك فجوة بينهم وبين الرياضيين الأوروبيين من حيث المهارات والخبرات. لذا، يجب على الرياضيين الصينيين أن يبذلوا جهودا أكبر من أجل تحقيق إنجازات أكبر في الألعاب الأولمبية الشتوية المقبلة.
حماسة العرب في رياضات الجليد والثلج
قال حسين المسلم، مدير عام المجلس الأولمبي الآسيوي، إن الألعاب الأولمبية في آسيا تسعى لتحقيق روح التضامن التي تتميز بها الرياضة. وقد ساهمت كل من دورة الألعاب الآسيوية الشتوية في هاربين ودورة الألعاب الآسيوية في هانغتشو التي أقيمت في عام 2023 في تحويل هذه الشعارات إلى واقع، ويمكن القول إن مستقبل الرياضات الشتوية في آسيا بات واعدا. حيث شارك أكثر من ألف ومائتي رياضي من أربع وثلاثين دولة ومنطقة في دورة لألعاب الآسيوية الشتوية في هاربين، مسجلين رقما قياسيا في تاريخ هذه الألعاب. كما شاركت بعض الدول التي تقع في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية أو الصحراوية، حيث لا يوجد فيها الجليد والثلج الطبيعي. على الرغم من اختلاف الظروف المناخية والموارد، أظهر جميع الرياضيين حماسة قوية.
شاركت فرق من السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين الأردن ولبنان في هذه الدورة للألعاب الآسيوية الشتوية، مما يعكس شغفها المتزايد برياضات الجليد والثلج. كما شاركت السعودية لأول مرة في الألعاب الآسيوية الشتوية. وأرسلت ثمانية رياضيين للمشاركة في منافسات الكيرلنغ والتزلج على الجبال العالية، ومنهم فائق عابدي، الذي شارك في أولمبياد بكين الشتوية عام 2022. لقد حققت حماسة السعودية لرياضات الجليد والثلج قفزة كبيرة، إذ أنها فازت بحق استضافة الدورة العاشرة للألعاب الآسيوية الشتوية التي ستقام في 2029، مما سيساهم في زيادة شعبية رياضات الجليد والثلج في غربي آسيا. في الرابع عشر من فبراير، خلال مراسم اختتام دورة الألعاب الآسيوية الشتوية في هاربين، قدم أعضاء الوفد الفني السعودي عرضا للثقافة السعودية التقليدية وتطورها نحو الحداثة، محاكين حركات التزلج السريع على المضمار القصير والتزلج السريع والتزلج الفني، للتعبير عن فخرهم باستضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية، واستعراض تطور رياضة الجليد والثلج في السعودية ودول الخليج وغربي آسيا.
بالإضافة إلى السعودية، عبر الرياضيون العرب الآخرون عن فرحتهم وحماستهم أيضا. على سبيل المثال، قال مدير البعثة الكويتية فهيد العجمي، إن نحو أربعين رياضيا وإداريا كويتيا شاركوا في ست ألعاب رياضية في هذه الدورة، وهذا أكبر حجم لمشاركة الكويت في الألعاب الآسيوية الشتوية منذ عام 1999. وأضاف أنه يتطلع إلى مشاركة مزيد من الدول الآسيوية في الألعاب الآسيوية الشتوية في المستقبل. وأكد عبد الله الرشيد، لاعب التزلج الحر الإماراتي، أن مشاركته في الألعاب الآسيوية الشتوية في هاربين كانت من أكثر اللحظات إثارة في مسيرته الرياضية، مشيرا إلى أن الأجواء في هاربين كانت مدهشة والتنافس كان على مستوى عال، وعبر عن أمله في أن يكون مصدر إلهام للشباب الإماراتيين لممارسة التزلج.
بفضل التنظيم الدقيق وأداء الرياضيين المشاركين المتميز، كانت دورة الألعاب الآسيوية الشتوية في هاربين، مهرجانا آسيويا مدهشا، شارك فيه الرياضيون والمدربون والإداريون من أعضاء المجلس الأولمبي الآسيوي، وكافحوا من أجل أحلامهم وتمتعوا بأجواء من المحبة والبهجة. فلنلتق بعد أربع سنوات في تروجينا بالسعودية.