مع حلول فصل الشتاء، يفضل كثيرون البقاء في المنازل، ويتجنبون الخروج قدر الإمكان، ويؤجلون ممارسة الرياضة إلى موسم أكثر دفئا. وفي الوقت ذاته، على منصات التواصل الاجتماعي، تتكرر منشورات وتعليقات تعبر عن البرد القارس: معاطف ثقيلة، أيد مرتجفة، وأكواب مشروبات ساخنة تمسك بإحكام. يبدو الشتاء، في نظر الكثيرين، وقتا للهدوء والانسحاب، لا للحركة أو المغامرة. لكن في كل شتاء، وبين هذه الصور نفسها، تظهر مشاهد أخرى لافتة، أشخاص يدخلون المياه المفتوحة، يسبحون وسط البرد، ويتناثر حولهم رذاذ الماء مع كل حركة. ففي الوقت الذي يهرب فيه معظم الناس من الصقيع، يختار هؤلاء مواجهته من داخل الماء. فما الذي يدفعهم إلى ذلك؟ وأي تجربة يعيشها من يقرر النزول إلى الماء البارد في عز الشتاء؟ وما هي فوائد السباحة الشتوية وهي ظاهرة هادئة لكنها مليئة بالدهشة؟
فوائد السباحة الشتوية.. حين تتحول البرودة إلى طاقة للحياة
ينظر إلى السباحة، في العادة، على أنها رياضة ترتبط بالفصول الدافئة، حيث الأجواء المعتدلة والمياه المريحة. غير أن فصل الشتاء يمنح هذه الرياضة بعدا مختلفا تماما. ففي مواجهة الرياح الباردة ودرجات الحرارة المنخفضة، تتحول السباحة إلى تجربة تتجاوز حدود المتعة الجسدية، لتصبح اختبارا للإرادة وانسجاما واعيا مع الطبيعة. ولهذا السبب، كثيرا ما يشار إلى السباحة الشتوية بأنها "رياضة الشجعان"، ليس لأنها مغامرة متهورة، بل لأنها تتطلب وعيا ذاتيا وانضباطا واحتراما لقدرات الجسد.
على المستوى البدني، يحفز التعرض للماء البارد أجهزة الجسم على العمل بكفاءة أعلى. فعند دخول الماء، يستجيب الجسد بسرعة من خلال تنشيط الدورة الدموية وتنظيم تدفق الدم بين الأطراف والأعضاء الداخلية. هذا التفاعل المتوازن، القائم على الانقباض والتمدد، يساعد، عند ممارسته بشكل تدريجي ومنضبط، على تحسين مرونة الأوعية الدموية وتعزيز قدرة الجسم على التكيف مع التغيرات المناخية. ومع مرور الوقت، يشعر كثير من الممارسين بثبات أكبر في النشاط البدني وقدرة أفضل على التنفس والحركة.
أما من الناحية النفسية، فإن السباحة الشتوية تخلق حالة خاصة من التركيز الذهني. فبرودة الماء تفرض حضورا كاملا في اللحظة، وتبعد الذهن مؤقتا عن الضغوط اليومية والتوترات المتراكمة. ومع انتظام الحركة وضبط التنفس، تتحول هذه التجربة إلى مساحة داخلية للهدوء والتوازن. يصف كثيرون لحظة الخروج من الماء بأنها أشبه بإعادة ضبط للنفس، حيث يتراجع القلق ويزداد صفاء الأفكار، ويظهر شعور بالانتعاش الداخلي يصعب العثور عليه في أنشطة أخرى.
وتزداد قيمة السباحة الشتوية عندما تمارس في أحضان الطبيعة. فهي ليست تمرينا في فضاء مغلق أو بيئة يمكن التحكم في ظروفها، بل تفاعل مباشر مع الماء والهواء وأشعة شمس الشتاء الخافتة. هذا التداخل بين عناصر الطبيعة يجعل التجربة أكثر شمولا، وينمي لدى الممارس وعيا أدق بحدود جسده وإيقاعه الداخلي، فيتعلم كيف يوازن بين التحدي والاعتدال، وبين الجرأة والحذر.
وعندما تتحول السباحة الشتوية إلى نشاط جماعي، تتجلى فوائدها الاجتماعية بوضوح أكبر. فلا يعزز التشجيع المتبادل وتبادل الخبرات الشعور بالأمان فحسب، وإنما أيضا يساعد على خلق روابط إنسانية قائمة على الثقة والانضباط المشترك. ومن خلال هذه التجربة، يكتشف المشاركون أن السباحة الشتوية لا تمنح الجسد قوة فحسب، وإنما أيضا تنمي الصلابة النفسية، وتغرس في الإنسان قدرة أعمق على مواجهة الصعوبات بروح هادئة ومتزنة.
ومع ما تحمله السباحة الشتوية من فوائد واضحة، فإنها غير مناسبة لجميع الفئات. فالذين يعانون من أمراض قلبية خطيرة أو من ارتفاع شديد في ضغط الدم لا ينصح لهم بممارستها، لما قد يشكله التعرض المفاجئ للبرودة من مخاطر صحية. كما أن من يرغب في خوض تجربة السباحة الشتوية لأول مرة، ينبغي له المرور بمرحلة إعداد تدريجي، وتلقى إرشاد مناسب من مختصين، مع الحرص على وجود مرافقين أو الانضمام إلى مجموعات منظمة، بما يضمن السلامة ويقلل من احتمالات الإصابة أو الإجهاد.
السباحة الشتوية في الصين.. متعة متوارثة وروح متجددة
السباحة الشتوية في الصين ليست ممارسة عابرة أو ظاهرة حديثة، بل تمتد جذورها عميقا في التاريخ والثقافة الصينية. فقد احتلت ثقافة الماء مكانة مهمة في الحضارة الصينية القديمة، إذ ارتبطت بمفاهيم الحياة والقوة والتوازن منذ أقدم العصور. ولا يعد البرد عائقا يمنع الناس من ملامسة الماء، بل ينظر إليه بوصفه جزءا من التجربة نفسها. وهكذا، لا تقتصر السباحة الشتوية على التحمل الجسدي فحسب، بل تمنح أيضا متعة داخلية وإحساسا بالانسجام، حيث يجد الإنسان في مواجهة الطبيعة القاسية نوعا خاصا من البهجة الهادئة.
ويعد النصب المنقوش على جرس "جينغرن" أقدم شاهد مكتوب على هذا التصور حتى الآن، إذ يعود تاريخه إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام. فقد وردت فيه عبارة تحمل معنى إيجابيا واضحا مفادها أن السباحة في فصل الشتاء أمر جيد ومفيد. وتعكس هذه الكلمات القليلة إدراكا مبكرا لقيمة السباحة في الماء البارد، ليس بوصفها مخاطرة، بل باعتبارها ممارسة تعزز الصحة وتبعث على الشعور بالرضا. ومنذ ذلك الحين، ظل حضور السباحة في الثقافة الصينية مستمرا، وتنوعت أشكالها عبر العصور، من الاستحمام في مياه الأنهار الباردة، إلى ممارسات أكثر تنظيما، وصولا إلى السباحة الشتوية بصورتها المعروفة اليوم.
وفي العصر الحديث، اكتسبت السباحة مكانة رمزية أوسع من خلال تجربة الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي كان معروفا بحبه الشديد للسباحة. فقد مارس هذه الرياضة على مدار حياته، وشارك في نشاطات سباحة طويلة في الأنهار الكبرى، من بينها عبور نهر اليانغتسي عدة مرات سباحة. وخلال مؤتمر ناننينغ بمنطقة قوانغشي الذاتية الحكم لقومية تشوانغ في يناير عام 1958، نزل ماو تسي تونغ إلى مياه نهر يونغجيانغ بمدينة ناننينغ ومارس السباحة الشتوية، وهو حدث حظي آنذاك بمتابعة واسعة. وقد أسهمت هذه التجارب في ترسيخ صورة السباحة، بما فيها السباحة الشتوية، بوصفها تعبيرا عن الإرادة القوية والصحة الجيدة والصلابة النفسية.
ومع تطور المجتمع الصيني في العقود اللاحقة، تحولت السباحة الشتوية تدريجيا إلى نشاط جماهيري منظم. وفي هذا الإطار، تم تحديد يوم وطني للسباحة الشتوية في الأول من يناير منذ عام 1996، بهدف تشجيع هذه الرياضة وتعزيز الوعي بممارستها بصورة علمية وآمنة. ومع حلول فصل الشتاء من كل عام، تشهد مناطق عديدة في أنحاء الصين تنظيم فعاليات متنوعة، تشمل مسابقات في الأنهار والبحيرات وعروض سباحة جماعية وأنشطة تجمع بين الرياضة والتواصل الاجتماعي.
وفي مدن شمالي وجنوبي الصين، بات مشهد ممارسي السباحة وهم يواجهون برودة الماء جزءا من المشهد الشتوي المألوف. وتختلف أشكال المشاركة من منطقة إلى أخرى، غير أن القاسم المشترك بينها يتمثل في تحويل الشتاء من فصل للسكون إلى مساحة للحركة والحيوية. وبهذا المعنى، لا تمثل السباحة الشتوية في الصين مجرد رياضة موسمية، بل هي امتداد لتقليد ثقافي طويل، يجمع بين التاريخ والمتعة وبين الجسد والروح، ويمنح الشتاء دلالة خاصة في الحياة اليومية.
في مياه متجمدة.. وجوه متعددة للسباحة الشتوية
مع حلول الشتاء، تصبح السباحة الشتوية في الصين نشاطا حيويا جماعيا يشارك فيه الصينيون في مناطق عديدة من الشمال إلى الجنوب والغرب إلى الشرق. في بكين، تعد بحيرة شيتشا ونهر كونيوي، الواقع خارج البوابة الجنوبية للقصر الصيفي، من أشهر مواقع السباحة الشتوية، بينما يستقطب نهر هانجيانغ في ووهان بمقاطعة هوبي أعدادا كبيرة من الهواة خلال أشهر البرد.
ومن أجل تحفيز مزيد من الناس للمشاركة في الرياضة، وتعزيز وعيهم بالصحة البدنية، تقام في كثير من المناطق مسابقات وأنشطة متعلقة بالسباحة الشتوية سنويا. على سبيل المثال، تنظم مدينة ناننينغ بمنطقة قوانغشي، فعاليات للسباحة الشتوية في نهر يونغجيانغ، إحياء لذكرى السباحة الشتوية التي قام بها ماو تسي تونغ في هذا النهر عام 1958. وقد شهدت دورة عام 2020 من هذه الفعالية مشاركة أكثر من 3200 فرد من داخل الصين وخارجها، وتراوحت أعمارهم بين خمس سنوات وتسعين عاما. أما في شمال شرقي الصين، حيث البرد القارس في الشتاء، فتعد السباحة الشتوية تجربة محببة لعشاق التحدي. ففي فبراير 2026، أقيم سباق السباحة الشتوية على نهر سونغهوا في مقاطعة جيلين، بمشاركة نحو 300 فرد قدموا من مقاطعتي لياونينغ وجيلين وبلدية تيانجين وغيرها لاختبار إرادتهم في الظروف القاسية.
وسط هذه الأنشطة والسباقات، تبرز قصص فردية تمنح السباحة الشتوية معناها الإنساني. من بينها تجربة الشاب دو جيا شينغ من مقاطعة قويتشو في جنوب غربي الصين، البالغ من العمر 31 عاما وعضو فريق "هواشي جيوييوان" للسباحة الشتوية. وقد بدأ دو ممارسة السباحة الشتوية في شتاء عام 2023 وحقق تقدما لافتا في السنوات الأخيرة. وفي حديثه عن تجربته في السباحة الشتوية قال إن السباحة الشتوية كانت مجرد تمرين على الصبر في البداية، ثم أصبح الجسد قادرا على تحمل البرد، وفي النهاية تحولت إلى متعة.
وفي مشهد منتصف العمر، يأتي وانغ جيون، وهو ممارس للسباحة الشتوية من مدينة لانتشو بمقاطعة قانسو في شمال غربي الصين. يبلغ عمر السيد وانغ أربعين عاما ويعمل في مجال تجاري خاص، وكان يعاني لسنوات من الجلوس الطويل، إلى أن أظهرت الفحوصات الطبية إصابته بالكبد الدهني وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى شعوره الدائم بالإرهاق. بدافع الفضول والتشجيع من أصدقاء قدامى، بدأ تجربة السباحة الشتوية بشكل تدريجي، ملتزما بالإرشادات الطبية، ومتدرجا من السباحة الصيفية إلى التكيف مع المياه الباردة. ورغم أن تجربته الأولى لم تتجاوز دقائق معدودة في مياه بلغت حرارتها ثلاث درجات مئوية، فإنه واصل المحاولة بثبات. بفضل عزيمته وإصراره، إلى جانب تشجيع زملائه، أدرك وانغ جيون أن الجسم السليم هو أساس العمل وأنه لا توجد صعوبات لا يمكن تجاوزها.
وعلى الطرف الآخر من سلم العمر، يقدم الأستاذ المتقاعد ينغ قن يوي، من جامعة تشينغهوا، مثالا لافتا على قدرة السباحة الشتوية على كسر حدود السن. فبرغم بلوغه سن التسعين، لا يزال يلتزم بممارسة السباحة الشتوية بانتظام في المسبح داخل الحرم الجامعي، قاطعا الطريق كل يوم تقريبا على دراجته الهوائية. بدأ هذه العادة وهو في الخامسة والسبعين من عمره، وواصلها من دون انقطاع. قال ضاحكا إنه إذا لم يأت للسباحة يوما، يشعر وكأنه لم ينجز أمرا مهما. وبفضل هذا الالتزام الطويل، حافظ على صحة جيدة مكنته من مواصلة البحث العلمي حتى سن الخامسة والثمانين، ليبرهن أن السباحة الشتوية، حين تمارس بطريقة علمية، قادرة على أن تمنح الإنسان إحساسا متجددا بالحيوية والشباب، بغض النظر عن العمر.
توصف السباحة الشتوية بأنها "جمباز للأوعية الدموية"، غير أن معناها لا يقتصر على التفسير الفسيولوجي وحده. في لحظة ملامسة الماء البارد، يستجيب الجسد بانقباض وتمدد متتابعين، بينما يستعيد العقل هدوءه وتركيزه. وبالنسبة لممارسي هذه الرياضة، لا تقوم التجربة على تحدي البرودة أو تجاوز الحدود، بل على إيجاد توازن دقيق بين الجرأة والانضباط، وبين الإصغاء للجسد ودفعه خطوة صغيرة إلى الأمام. هكذا، تتحول السباحة الشتوية إلى ممارسة تمنح الشتاء إيقاعا مختلفا، وتجعل من المياه الباردة مساحة لاستعادة الحيوية والصفاء من دون ضجيج أو مبالغة.
