
حين كانت شمس مدينة الإسماعيلية تميل نحو الغروب، فتنساب أشعتها الذهبية فوق مياه قناة السويس، كنت أقف أحيانا في ساحة جامعة قناة السويس، أتابع مجموعة من الطلاب المصريين وهم يركضون خلف كرة بحماسة، أو يتحلقون حول فقرة من فقرات الووشو خلال أحد الأنشطة الثقافية لمعهد كونفوشيوس، أو يتبادلون ضربات المضرب السريعة حول طاولة صغيرة لكرة الطاولة. لم تكن تلك المشاهد، في ظاهرها، سوى لحظات عابرة من يوم جامعي عادي، لكنها تركت في نفسي أثرا لا يزول؛ فقد كنت أرى فيها لغة أخرى لا تحتاج إلى كتب أو قواميس، لغة يصنعها الجسد، وتفهمها الابتسامة، وتكتمل بالمصافحة بعد كل مباراة.
لقد تشرفت بالعمل مديرا صينيا لمعهد كونفوشيوس بجامعة قناة السويس، وأتاحت لي تلك التجربة فرصة الاقتراب من الشباب المصريين، ولمس ما يحملونه من شغف بالرياضة، وانفتاح على الثقافة الصينية، ورغبة صادقة في التعرف إلى عالم بعيد جغرافيا، لكنه لم يعد بعيدا عن مشاعرهم. ومع مرور الأيام، أدركت أن الرياضة، شأنها شأن اللغة، تستطيع أن تعبر الجبال والبحار، وأن تفتح بين الشعوب أبوابا لا تفتحها الكلمات وحدها. فالرياضة لا تصقل الجسد وحده، بل تفتح القلب على الآخر، وتعلم الإنسان أن الاختلاف لا يحول دون التفاهم، وأن الخطوات الصغيرة الصادقة قد تقوده إلى رحاب حضارة أخرى.
واليوم، كلما استحضرت تلك الوجوه المضيئة في رحاب الجامعة، شعرت بالسعادة لما شهدته العلاقات الرياضية بين الصين ومصر في السنوات الأخيرة من اتساع وتنوع. فقد أصبحت الملاعب وقاعات التدريب والبطولات الشبابية فضاءات جديدة للقاء، وانتقلت الرياضة من مشاهد متفرقة في الجامعات والمراكز الثقافية إلى جسور أكثر رحابة تجمع المدربين واللاعبين والطلاب من البلدين.
كرة القدم.. حين يصبح الشغف لغة مشتركة
لم أشعر قط بأي مفاجأة إزاء الأداء اللافت الذي قدمه المنتخب المصري لكرة القدم في النسخة الأخيرة من بطولة كأس العالم؛ بل على العكس تماما، كنت دائما على يقين بأن مصر تستحق مكانة أرفع وتصفيقا أكثر. فبالنسبة إلى هذا البلد، لم تكن كرة القدم يوما مجرد لعبة تمارس في الملاعب، وإنما شغف يسري في عروق الناس واحتفال جماعي تشارك فيه الأمة بأسرها.
خلال فترة عملي في مصر، أتيحت لي فرص لا تحصى لأشهد عن قرب هذا العشق المتجذر في النفوس. فالملاعب المجهزة ليست حاضرة في كل زاوية من زوايا المدن، ولذلك كان الأطفال في الأزقة والحارات يشيدون مراميهم الصغيرة من الطوب والأحذية البالية، ثم يطلقون العنان لأقدامهم فوق الساحات الترابية. كانت أجسادهم تغطيها طبقات العرق والغبار، غير أن ذلك كله لم يكن ليحجب اللمعان المتقد في عيونهم أو الشغف المشتعل في قلوبهم.
أما ليالي رمضان، فلها مع كرة القدم حكاية أخرى. فما إن تبدأ خيوط المساء بالانسدال حتى تأتي الجموع من كل صوب، لتحتشد حول ملاعب الأحياء الضيقة، حيث يختلط صوت الأطفال بحماسة الشباب وحكمة الشيوخ، وترتفع الهتافات مع كل مراوغة ناجحة، وكل تمريرة متقنة، وكل تسديدة نحو المرمى. وفي تلك اللحظات، لا تكون كرة القدم مجرد مباراة، بل تصبح خيطا خفيا ينسج روابط المودة بين أبناء الحي ويمنح تفاصيل الحياة اليومية دفئا ومعنى مختلفا.
هذا الشغف ليس حكرا على المصريين وحدهم. ففي الحرم الجامعي وعلى ضفاف قناة السويس، كنت أشاهد بين الحين والآخر مباريات ودية تجمع الشباب المصريين بالطلاب الصينيين. لم يكن الجميع يتقنون لغة مشتركة، لكن ما إن تبدأ الكرة في الدوران حتى تتلاشى الفوارق وتذوب الحواجز. كان اللاعبون يتبادلون التمريرات والابتسامات، ويحتفلون بالأهداف بلغات مختلفة، بينما تتحول دقائق الاستراحة إلى أحاديث عن الدراسة والعائلة والأحلام والمستقبل.
أتذكر كيف كان بعض الطلاب المصريين يعلمون أصدقاءهم الصينيين الهتافات المحلية، في حين كان الطلاب الصينيون يروون لهم قصص مدنهم البعيدة وعاداتهم وتقاليدهم. ومع مرور الوقت، لم تعد تلك المباريات مجرد منافسات عابرة، بل أصبحت لقاءات إنسانية تنسج فيها صداقات صادقة، وتبنى جسورا من التفاهم بين حضارتين عريقتين يفصل بينهما آلاف الكيلومترات، لكنهما تلتقيان على أرض الملعب.
ولعل هذا الحب الصافي والمتقد هو السر الذي يدفع كرة القدم المصرية إلى المضي قدما، وهو الذي يجعل كل قطرة عرق تسقط على المستطيل الأخضر، وكل مباراة يخوضها اللاعبون، جديرة بأن تحظى بإعجاب العالم وتصفيقه. إن القيمة الأعمق لهذه اللعبة لا تكمن في الأهداف والكؤوس فحسب، وإنما أيضا في قدرتها الفريدة على الجمع بين البشر، مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم. فكما حملت مياه قناة السويس السفن بين الشرق والغرب، حملت كرة القدم، في تلك الأمسيات البسيطة، مشاعر الصداقة والتفاهم بين الشباب المصريين والصينيين، لتؤكد أن التواصل الحقيقي بين الشعوب يبدأ أحيانا بتمريرة جميلة، وينتهي بصداقة تدوم طويلا.
الووشو.. من فضول المشاهدة إلى ثقة الميدان
خلال الأنشطة الثقافية التي كان ينظمها معهد كونفوشيوس بجامعة قناة السويس، كانت عروض الووشو تستوقف الطلاب على نحو خاص. وما إن تبدأ العروض حتى تخفت الأحاديث في أرجاء ساحة العرض، وتتجه الأنظار إلى الأجساد وهي تنتقل ما بين السكون والانطلاق، وبين الليونة والقوة. كان بعض الشباب قد تعرفوا إلى "الكونغ فو الصيني" من خلال الأفلام، فجاؤوا وفي أذهانهم صور للمطاردات والقفزات السريعة، لكنهم اكتشفوا أمامهم فنا أكثر ثراء؛ فنا لا تنحصر جمالياته في القوة وحدها، بل تشتمل على الدقة والإيقاع والقدرة على التحكم في كل حركة.
لم يأت الانتشار الواسع للووشو في مصر من لحظة عابرة؛ فقد أسهمت الدورات التي نظمتها معاهد كونفوشيوس والمركز الثقافي الصيني بالقاهرة والمؤسسات الثقافية والرياضية للجاليات الصينية في مصر على مدى سنوات في تعريف أجيال متعاقبة بهذه الرياضة الصينية المميزة، وازدادت مشاركة الأطفال والشباب فيها، حتى انتقل بعض المتدربين من مرحلة التعلم إلى مساعدة الآخرين وتدريبهم. وهكذا لم يعد الووشو صورة وافدة يشاهدها المصريون من بعيد، بل أصبح ممارسة تنمو داخل المجتمع، وتكتسب ملامحها من حماسة الشباب المصريين وطريقتهم الخاصة في تلقيها والتعبير عنها.
وخلال السنوات الأخيرة، أخذ هذا الحضور المتنامي ينتقل من قاعات التدريب إلى فضاءات عامة أكثر اتساعا. ففي فبراير عام 2024، استضافت إحدى الصالات المغطاة باستاد القاهرة الدولي، احتفالية تضمنت عروض الووشو ضمن فعاليات "بطولة عيد الربيع الصيني"، احتفاء بعيد الربيع، أحد أهم الأعياد التقليدية للصينيين. واجتمع في هذا الحدث مئات الرياضيين والمدربين ومحبي الووشو من فئات عمرية مختلفة، وقدم الرياضيون المصريون ما اكتسبوه خلال سنوات التدريب من مهارة وثقة. لم يكن المشهد مجرد مناسبة رياضية أو احتفالية، بل كان دليلا حيا على أن الووشو في مصر تحول من ثقافة يتعرف إليها الناس إلى رياضة يمارسونها ويضفون عليها شيئا من حماستهم وخصوصيتهم. فبعض الشباب الذين بدأوا رحلتهم متفرجين بدافع الفضول، أصبحوا اليوم يقفون في قلب الميدان، يعبرون بأجسادهم عن فن صيني أتقنوه، وعن تجربة مصرية شاركوا بأنفسهم في تشكيلها.
وفي فبراير عام 2026، برز مشهد آخر يعكس اتساع التبادل الرياضي والثقافي بين الصين ومصر، حين احتضنت القاهرة البطولة الأفريقية السابعة للووشو للشباب والناشئين، بمشاركة قرابة مائة رياضي ومدرب ومسؤول من اثنتي عشرة دولة أفريقية، إلى جانب المنتخب الوطني الصيني للووشو. وأتاحت هذه المناسبة للشباب المصريين والصينيين أن يلتقوا في ساحة واحدة، وأن يتبادلوا الخبرات من خلال التدريب والعروض والمنافسة. وعندما تابعت أخبار هذا الحدث، شعرت بأن قيمة الووشو في العلاقات بين البلدين لا تقتصر على تعليم مهارة رياضية، بل تكمن أيضا في قدرته على تقريب الشباب بعضهم من بعض. فمن خلال الحركة المشتركة، تعرف المصريون إلى ما يحمله الووشو من دقة واتزان وصبر، وفي الوقت نفسه تعرف الصينيون إلى حماسة الشباب المصريين وقدرتهم على استيعاب هذا الفن وتقديمه بروحهم الخاصة. وهكذا أصبح الووشو ساحة يتبادل فيها الطرفان المعرفة والتقدير، ويكتشف كل منهما في الآخر جوانب جديدة، فتتحول الرياضة إلى حوار حي بين ثقافتين عريقتين.
كرة الطاولة.. حين تصبح كل ضربة مضرب جوابا
ما زلت أتذكر اليوم الذي دعاني فيه عدد من طلاب جامعة قناة السويس لمشاركتهم لعب كرة الطاولة. ناولني أحدهم مضربا وهو يبتسم، فترددت لحظة؛ فلم أكن أجيد هذه الرياضة، ولم تكن ضرباتي تذهب دائما إلى حيث أريد. كانت الكرة تنحرف أحيانا بعيدا عن الطاولة، أو ترتطم بالشبكة وتسقط، فيسارع الطلاب إلى التقاطها، ثم يعودون إلى تشجيعي بضحكات صافية وحماسة صادقة. ولم تمض دقائق حتى نسيت قلة خبرتي، وغاب عن ذهني حساب النقاط، إذ بددت بهجة المشاركة ما كان يساورني من حرج.
وفي تلك المباراة البسيطة، تبدلت الأدوار من غير أن يعلن أحد ذلك. ففي قاعة الدرس، كنت أنا من يشرح ويجيب عن الأسئلة، أما حول طاولة اللعب، فقد أصبح الطلاب هم معلميّ؛ يرشدونني إلى طريقة الإمساك بالمضرب، ويخففون سرعة الكرة حتى أتمكن من ردها. عندها شعرت بأن المعرفة، مثل تلك الكرة الصغيرة، لا تستقر طويلا في جهة واحدة، بل تكتسب معناها حين تعبر إلى الطرف الآخر، ثم تعود محملة بخبرة جديدة.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد كرة الطاولة في نظري مجرد كرة خفيفة تتردد فوق مساحة محدودة، بل غدت خيطا رقيقا يصل بين الصين ومصر في ميدان الرياضة. تحمل الصين في هذه اللعبة خبرة كبيرة وتقاليد راسخة، فيما يقبل عليها الرياضيون المصريون بشغف التعلم ورغبة التقدم. ومع كل تدريب ولقاء ومنافسة، كانت الكرة، كلما عبرت الشبكة، تحمل معها شيئا من الخبرة والفهم إلى الطرف الآخر. وقد أتاحت لي تلك المباراة المرحة مع طلاب جامعة قناة السويس أن ألمس دفء هذا التواصل في أبسط صوره؛ ثم رأيته، في اللقاءات الدولية بين الرياضيين من البلدين، يتردد في فضاء أرحب وأكثر وضوحا.
وبعد عودتي من مصر، صرت أتابع مباريات كرة الطاولة بين البلدين بعين مختلفة. وكلما ظهر اسم لاعب مصري في بطولة، كنت أتأمل الوجوه، آملا أن ألمح بينها وجها عرفته في الإسماعيلية، أو طالبا وقف يوما إلى جواري ممسكا بالمضرب. لم أصادف وجها مألوفا، لكن ذلك لم يبدد شعوري بالقرب؛ بل جعلني أدرك أن ما بدأ بالنسبة لي ذكرى شخصية صغيرة قد تجاوز حدودها، ومضى يتجدد في لقاءات تصنعها وجوه وأجيال جديدة.
وعلى أرض الملعب، ظهرت هذه الصلة في أكثر صورها حدة وندية. ففي بطولة العالم لكرة الطاولة في ديربان بجنوب أفريقيا في عام 2023، واجه اللاعب المصري عمر عصر اللاعب الصيني فان تشن دونغ في الدور ربع النهائي، ثم شهدت ماكاو في عام 2026 مواجهة امتدت إلى سبعة أشواط بين اللاعبة المصرية هنا جودة واللاعبة الصينية سون ينغ شا، وظل الحسم فيها معلقا حتى النقاط الأخيرة. كانت كل لاعبة تتمسك بأسلوبها، وتقرأ حركة الآخر، وتبحث عن ثغرة في دفاع منافستها؛ فالتقارب بين الشعوب لا يطفئ جذوة المنافسة، بل يمنحها معنى أعمق، لأن الاحترام الحقيقي لا تصنعه المجاملة، وإنما يولد حين يختبر كل طرف قوة الآخر ويقدم أمامه أفضل ما لديه.
وفي ديسمبر عام 2024، وعلى هامش بطولة كأس العالم للفرق المختلطة التي نظمها الاتحاد الدولي لكرة الطاولة في مدينة تشنغدو، حاضرة مقاطعة سيتشوان بجنوب غربي الصين، شارك لاعبو المنتخب المصري في فعالية ثقافية بعنوان "الملعب والمدرسة.. حوار شبابي من كأس العالم"، جمعتهم بطلاب صينيين خارج أجواء المنافسة. بدأ الحديث بالأهرامات وأبي الهول، ثم انتقل بخفة إلى أطعمة تشنغدو وحيوان الباندا الذي كان الضيوف يتطلعون إلى رؤيته. وحين حاول اللاعبون نطق العبارة المحلية في تشنغدو "هاو با شي يو" (وتعني رائع جدا)، امتزجت لكنتهم المصرية بضحكات الحاضرين، وسرعان ما تبددت مسافة آلاف الكيلومترات في عبارة محلية بسيطة. ثم قدم لهم الطلاب مراوح يد صنعوها بأنفسهم وزينوها بصور الباندا، إلى جانب أعمال من فن قص الورق؛ فحملت تلك الهدايا الصغيرة دفء اللقاء، وجعلت الثقافة تواصل ما بدأته كرة الطاولة من تقارب.
مضى أكثر من عشرة أعوام منذ أن عملت في جامعة قناة السويس، غير أن تلك الأيام لم تغادر ذاكرتي؛ فالسنوات تنساب كما تنساب مياه النيل، وتحمل معها صورا متجددة للتلاقي بين الصين ومصر. ولم يعد هذا التلاقي محصورا في كرة القدم أو الووشو أو كرة الطاولة؛ فقد شقت قوارب التنين مياه النيل، والتقى اللاعبون على ملاعب كرة المضرب، وتواصلت زيارات الرياضيين وبرامج تدريب المدربين والشباب. ولكل رياضة لغتها الخاصة، للمجاديف إيقاعها فوق الماء، ولمضرب التنس صداه، وللووشو هدوؤه وقوته؛ غير أن هذه اللغات المختلفة تفضي جميعا إلى معنى واحد، هو أن الناس، حين يتدربون ويتنافسون ويتقاسمون لحظات الفرح والتعب، يصبحون أكثر قدرة على فهم بعضهم بعضا. ولعل أجمل ما تمنحه الرياضة للصداقة بين حضارتين عريقتين أنها لا تحتاج إلى كثير من الشرح؛ فما إن تبدأ الحركة، حتى تنفتح القلوب، وتمضي حكاية التقارب من جيل إلى جيل.
--
لو ينغ بوه، أستاذ في جامعة اللغات والثقافة ببكين.
