ثقافة وفن < الرئيسية

"أوراسيا".. ملحمة كونية إبداعية لشاعر صيني

: مشاركة
2023-07-19 14:21:00 الصين اليوم:Source محمد حسين أبو العلا:Author

هل يسمح الطابع الثقافي العالمي المعاصر أن يكون للثقافة معنى ودلالة تغييرية، بدلا من أن تظل قاصرة على كونها مجرد طوفان من الأفكار يقتحم الرؤوس ولا يحدث تماسا إيجابيا مع الواقع؟ وإلى أي مدى يمكن أن تحتفظ كل حضارة بهويتها واستقلالها وإضافاتها وتنويعاتها وتكون في ذات الآن محققة إندماجا مع غيرها من الثقافات والحضارات الأخرى؟ وما هي آليات القضاء على أبعاد تلك الفكرة الهوجاء المترنحة والمعنية بالصدام الحضاري والمدعومة من أعداء الإنسانية، باعتبارها تحمل في جوهرها معنى تفكيكياً منفلتا من روح الثقافة والأخلاق والأديان؟ وعلى ذلك، إلى أي درجة يمكن أن يسهم الأدب بكافة تياراته ومدارسه ومذاهبه ونظرياته في تغيير المسار السياسي الدولي الحافل بالتناقضات واللامعقولات؟ وهل هناك من ضرورة ثقافية فكرية تحتم أن تظل الأنماط الأدبية ثابتة في مسمياتها متغيرة في مضموناتها؟

نعم إن الضرورة قائمة وملحة، لكن لا ينهض بها غير أصحاب الرؤى والبصيرة الفكرية الذين يشقون ضباب الأحداث ويخوضون مغامرة التجديد والبعث والإحياء.

ولعل الشاعر الصيني تساو شوي هو أول من فتح أفقا إبداعياً جديدا في الأدب، حين استلهم ملحمته الشعرية المعاصرة.. ملحمة "أوراسيا" من وحي تلك اللحظة الخطرة التي يعيشها البشر الآن. وبالطبع، لم تأت هذه الملحمة على غرار طابع الملاحم الشعرية اليونانية الخالدة كالإلياذة والأوديسا لهوميروس، والإنيادة لفرجيل، والملاحم الهندية مثل الرامايانا أو ماهابهاراتا، أو الملحمة البابلية المسماة جلغامش، أو حتى تلك الملاحم الأوروبية مثل "بياولف" الإنجليزية أو "رولان" الفرنسية. وإنما مثلت نمطا متفردا باعتبارها إفرازا منطقيا للعصر العولمي، ومن ثم فقد سعت إلى بلورة فكرة دمج تاريخ الحضارات في منظومة شعرية لا تعتمد في مجملها على استعراض وسرد قصص البطولات التاريخية العظيمة أو المآثر الخالدة، وإنما تعتمد على التأمل في الوجود والاستغراق في أحوال الواقع الإنساني. لذا، فقد أتت على نحو ثلاثة أجزاء لتستفيض في الحكي عن تاريخ التطور الكامل للحضارات الإنسانية، مستعينة بالعديد من الدلالات والرموز المتناثرة عبر هذه الحضارات. وهو ما يعد دمجاً للثقافات المقدسة والعلمانية، وكذلك الثقافات الشرقية والغربية، وانتهاء بتلك الثقافات القديمة والحديثة في الأدب الصيني، ذلك أملا في اختطاف الحلم التاريخي للفلاسفة والشعراء والأدباء بل والمفكرين من قبضة السراب.. حلم إقامة وطن إنساني طوباوي تسطر العدالة قوانينه وتبدع الأخلاق قيمه وتقرر الشخصية أسسه ومبادئه ويصبح السلام هو ميثاقه الأوحد، وتنطلق إشعاعاته من القارة الأوراسية- نسبة إلى أوروبا وآسيا- التي كانت أرض الأحلام المجانية للبشر. ومن ثم، فستصبح ملحمة البشرية هي ملحمة القارة الأوراسية، والتي يستحضر خلالها الشاعر تساو شوي أشواقه نحو دخول الأدب الإنساني عوالم أخرى، بإعادة اكتشاف جوهر العالم من خلال التأمل واليقين. وبالتالي، يتجلى أن ما نواجهه اليوم ليس القومية الفردية وإنما كوكب المواطنة والكشف عن تنويعات العالم الداخلي الفريد للتعبير عن الغنائية، ذلك أننا بالفعل قد دخلنا عصر الملحمة الثالثة التي تخلو من القصص الإلهية والأسطورية وتتحرر من إيقاع لغوي يمكن العودة إليه.

وبصفة عامة، تتمحور المقدمات الكبرى الثلاث حول فكرة تطور العالم، فتجئ المقدمة الأولى تحت عنوان الماضي، الحاضر، المستقبل.. وهي الأبعاد الثلاثية لمحور الزمن باعتباره مظلة أبدية تحتوي البشر ويعيش تحت وطأتها بكل ما تعصف به من متغيرات بين النسبية الإيجابية والسلبية. يقول فيها:

أفتحُ عينيّ وأتذكر أو أتطلع إلى حياتي في الظلام
تم لم شمل ماضيّ ومستقبلي في العتمة العظمى
الظلام اللامحدود هو المظهر الأبدي
أما حياتي، فهي وميضٌ من نار
عشتُ في الحُلكة الداكنة طويلا، وفيها ولدت أفكار مخيلتي
وأنت، اجلس في أي مكان في العالم
وراقب حياتك على هذا الكوكب من زاوية بعيدة
لقد تم وضع كل شيء بالفعل في مكانه
الشيء الوحيد الذي لا يمكننا لمسه هو أنفسنا
وهذا بالضبط السر الذي يربطنا
وهو عمود النار الذي يسري عبر الكون
كل شيء موجود بسبب هذا العمود السري للنار
كل شيء يبدأ هنا وينتهي هنا..

 أما المقدمة الثانية، فقد جاءت تحت عنوان: لك أن تبدأ أو تنتهي في الكأس السرية أو الكأس المقدسة. وقد حملت إشارات عدة نحو الدعوة للفضائل العليا ويكون البشر خاضعين لقائد النور أو شعلة الاستنارة. يقول فيها:

ابقِ عينيك مغمضتين في الظلام
اليوم سأقدم لك الكأس المقدسة الوحيدة
أسرار هذه الكأس كانت منذُ أمد بانتظارك
اليوم أسلّطُ الضوء على الكأس المقدسة لتتكشف النار السماوية
لتنبعث الأسرار، ونرى النور يتشبث بالظلام
جسيمات مخفية تدور داخلها
النور والعتمة والطيور الأسطورية تسقط من السماء وتذوب فيها
ترتفع الجبال الثلجية، وتتصاعد السحب الداكنة فوقها
طائر يطير في النار، في كأس النبيذ، ويرفع الستارة
كل شيء سيبدأ في الظلام، ولكن بدون صوت
تتجمع الجزيئات من كل الزوايا
تتجمع في أربعة وعشرين اتجاها وتتخذ وضع الاستعداد للطيران
تأتي من مكانها البعيد إلى النار المخبأة
ترتفع الحرارة في حمى هذا الاكتئاب المرتبك
ترتفع من الأسود إلى الأحمر،
وأكمل عليها جميع الألوان وصولا إلى الضوء غير المرئي
أيضا..

 أما المقدمة الثالثة، فقد ساقها هكذا.. من الماء إلى الأرض الأولى، وهي ذات مغزى فلسفي يرمي إلى حديث البدايات والنهايات. يقول فيها: ننجرف في الماء لفترة طويلة

ننجرف نحو الأرض من أربعة وعشرين اتجاها
نجر الغيوم الداكنة
وننشبها في القوس ونركز على الهدف الذي هناك
في الجزء العلوي من هذا الأفق السحابي يوجد طائر ضخم
ونحن، سنعيش على هذه الأرض
وسنتقلب مع تقلب رياحها
كنا نتوق إلى أرض مستقرة
لكننا التقينا بوحوش البحر والحيتان
نعم، أخضعنا وحش البحر، روضنا الحيتان وكأنها أسودٌ في بحرنا
صنعنا الرمح من عظام سمكة ضخمة
وصنعنا الرماح ثلاثية الرؤوس، مقلدين الإله بوسيدون ملك الماء
هكذا جلسنا فوق الأمواج الهائلة.. وتقدمنا
واجهنا إعصارا
وحلقت السحب الداكنة في السماء
كأنها عيون الموت القاتمة
كنا نعيش وسط هذا الهدير المرعب
لكننا دفعنا الإعصار بعيدا
وحملنا قلوبنا إلى الأرض
أصبحت الجزيرة واضحة الآن..

 ومن ثم، فلابد للحركة النقدية العالمية أن تحتفي بتلك الملحمة، بل لابد أن تعقد الدراسات المقارنة مع غيرها كتلك التي خطها أفلاطون في الجمهورية أو يوتوبيا "توماس مور" أو المدينة الفاضلة للفارابي.

ملحمة أوراسيا، التي قدمها تساو شوي، تمثل طورا جديدا من أطوار الأدب الملحمي ونقلة نوعية في الطابع الفكري العام يتسق مع ظرفيات اللحظة التي يعايشها العالم. وفي ذات الآن، جاءت لتتوج المسيرة الأدبية الصينية التي أبدعت من قبل تراثا خالدا تجلى في الملحمة التبتية والملحمة القرغيزية والملحمة المنغولية. وبالتأكيد لم يكن عجبا أن يطل علينا رافد جديد حمل لواءه شاعر وروائي ومترجم فذ هو تساو شوي، الذي نهض بالفن الملحمي وبث فيه روحا تقدمية، وهو إسهام بالغ الأهمية في إثراء الذات الإنسانية المعاصرة.

تساو شوي المولود في الخامس من يونيو عام 1982، شاعر ومترجم وروائي وكاتب سيناريو. وهو يدعو، كما جاء في نص "بيان القصيدة العظيمة" له، إلى دمج الثقافات المقدسة والعلمانية، والثقافات الشرقية والغربية، والثقافات القديمة والحديثة في الأدب الصيني. في عام 2008، ذهب إلى منطقة التبت الذاتية الحكم ومنطقة شينجيانغ الذاتية الحكم، وهم مركز القارة الأوراسية أو العالم من وجهة نظره، ليكتب هذه الملحمة الكبيرة. أصدر تساو شوي عشرين كتابا، منها عشر روايات وخمس مجموعات شعرية وثلاث ترجمات، ونال ما يربو على خمسين جائزة أدبية في جميع أنحاء العالم، وترجمت أعماله إلى لغات عدة وهو عضو في جمعية الكتاب الصينيين وجمعية الصين للأفلام وجمعية الشعر الصينية.

-

د. محمد حسين أبو العلا، أستاذ في علم الاجتماع السياسي- مصر.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4