ثقافة وفن < الرئيسية

روح الإنصاف

: مشاركة
2025-02-19 10:38:00 الصين اليوم:Source تشانغ لونغ:Author

ما هو الإنصاف؟ في اللغة الإنجليزية، نجد أن كلمة "fair" تعني في الأصل "جميل" و"لطيف"، وكانت تستخدم لوصف الظروف أو السمات المتفق عليها؛ وفي اللغة العربية، الإنصاف مصدر للفعل "أنصف" الذي يشير إلى التوازن والعدل؛ وفي اللغة الصينية القديمة، كان مقطع الكتابة "" الذي يعني الإنصاف موجودا بالفعل في النقوش على العظام قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، والذي ربما نشأ من التوزيع المتوسط للطعام في المجتمعات البدائية. مع التطور المستمر للعصر، تم إثراء دلالة الإنصاف وتوسيعها باستمرار، وتغلغلت تدريجيا في جميع جوانب حياة الناس في أنحاء العالم. واليوم، يتجاوز الإنصاف حدود المناطق والأعراق والثقافات، فهو السعي إلى تحقيق القيمة المشتركة للبشرية جمعاء، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن جميع دول العالم لديها فهمها وممارستها الفريدة للإنصاف.

عندما يتعلق الأمر بـ"الإنصاف"، يعتقد الناس في الأوساط الثقافية الأوروبية والأمريكية عموما أن الإنصاف يعني المساواة، ويجب أن يتمتع كل فرد مستقل بنفس الحقوق. الإنصاف هو الروح المرشدة لليونان القديمة والتي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. كان الناس في اليونان القديمة يقاومون بشدة تصرفات الغش في حياتهم، لأن تصرفات الغشاشين تنتهك حقوق الآخرين. نشأت دورة الألعاب الأولمبية في اليونان، وكان الرياضيون والحكام المشاركون في الألعاب يخضعون لتدقيق صارم. في الدورة الثامنة والتسعين للألعاب الأولمبية القديمة، دفع ملاكم لمنافسيه الكثير من المال مقابل أن يفوز. في وقت لاحق، عوقب العديد من الغشاشين بشدة، واستخدمت الغرامات التي دفعوها في بناء أربعة تماثيل للآلهة، ونقش على أحدها عبارة شهيرة لتذكير الأجيال القادمة: "النصر الأولمبي لا يشترى بالمال، وإنما يعتمد على الأقدام السريعة واللياقة البدنية القوية". وقد توارثت الأجيال هذه الروح، وأخيرا تم تكثيفها في المبادئ الأولمبية الحديثة المتمثلة في "الانفتاح والإنصاف والعدالة".

عندما يتعلق الأمر بـ"الإنصاف"، يعتقد الناس في الأوساط الثقافية العربية أن الإنصاف لا ينبغي أن يكون مساواة قانونية فحسب، وإنما يجب أن يكون أيضا مسؤولية مقدسة لكل إنسان. في القصة الشهيرة عن الخليفة وميراث الإخوة الثلاثة، بعد وفاة والدهم التاجر الثري، كان توزيع الميراث صعبا، وشعر الأخ الأكبر أنه قدم الكثير لأعمال العائلة ويستحق الكثير؛ وشعر الأخ الثاني أنه اعتنى بوالديه أكثر من غيره ويستحق المزيد؛ ورأى الأخ الثالث أنه الأصغر ويجب رعايته. أجرى الخليفة تحقيقا مفصلا للإخوة الثلاثة، ووجد أنه على الرغم من أن الإخوة الثلاثة لديهم نقاط قوة خاصة بهم، فإنهم لديهم أيضا أوجه قصور خاصة بهم في جوانب أخرى، ووضع في النهاية حلا منصفا ومعقولا وفقا للوضع الفعلي لكل شخص. يعلم القرآن رعاية الآخرين، وتوفر الزكاة تدفقا ثابتا من الإغاثة للفقراء. كل هذا يحث المسلمين على السعي باستمرار لتحقيق العدالة والإنصاف في حياتهم اليومية.

منذ نشأتها، لم تتوقف الأمة الصينية، مثل الأمم الأخرى في العالم، عن السعي إلى الإنصاف. "عندما يسود الداو العظيم، سيصبح الكون ملكا للجميع"، هذه العبارة مأخوذة من أحد الكلاسيكيات التي كان ينبغي للعلماء الصينيين القدماء أن يقرؤوها، وهو ((كتاب الطقوس))، الذي يربط الإنصاف بأعلى مفهوم في الفلسفة الصينية القديمة، أي "داو". لقد ألهم هذا المفهوم الشعب الصيني للمضي قدما عبر تقلبات خمسة آلاف عام من التاريخ ولعب دائما دورا مهما في تنمية الأمة الصينية.

طرحت الكونفوشية، وممثلها الرئيسي هو كونفوشيوس، فكرة أن التعليم يجب أن يكون للجميع، أي أن جميع الناس، بغض النظر عما إذا كانوا أغنياء أو فقراء، يجب أن يتمتعوا بالحق في التعليم. من بين تلاميذ كونفوشيوس، جاء بعضهم من خلفيات بارزة، مثل منغ يي تسي، الذي كان سليل نبيل ذي مكانة عالية في مملكة لو. لكن الكثير من التلاميذ كانوا من عامة الناس، مثل يان هوي. نشأ يان هوي في أسرة فقيرة، ولم يسع أبدا إلى الاستمتاع بالرغبات المادية عندما درس مع كونفوشيوس، ولم يكن يأكل سوى سلة صغيرة من الأرز كل يوم، ويشرب القليل من الماء البارد، ولكنه كان قادرا على المضي قدما ليكون رجلا نبيلا، بل إن كونفوشيوس مدح بأنه "رجل فاضل". تجاوزت فكرة كونفوشيوس بشأن الإنصاف التعليمي العصر، وطورت مجموعة متنوعة من الأكفاء مثل ران يو وتسي لو، اللذين كانا ماهرين في الشؤون السياسية، وتساي وه وتسي قونغ، اللذين كانا ماهرين في الكلام.

في فترة أسرتي سوي (581- 618م) وتانغ (618- 907م)، أنشأ الصينيون نظام الامتحان الإمبراطوري على أساس الإنصاف التعليمي، مما عزز الإنصاف الاجتماعي على نطاق أوسع. في الفترة السابقة، كانت السلطة الأرستقراطية تسيطر على السلطة السياسية للصين القديمة، وكان عدد كبير من الناس قادرين على شغل مناصب عالية من دون كفاءة حقيقية. كان وانغ هوي تشي (338- 386م) الابن الخامس للخطاط الشهير وانغ شي تشي، الذي انضم إلى الطبقة السياسية بفضل عائلته النبيلة وعمل لاحقا كمسؤول في إدارة خيول الحرب تحت قيادة الجنرال هوان تشونغ. ذات مرة، تفقد هوان تشونغ عمل وانغ هوي تشي وسأله عن القسم الذي يعمل فيه، وعدد الخيول التي يديرها، وعدد الخيول التي ماتت مؤخرا، وأسئلة بسيطة أخرى، لكنه لم يستطع الإجابة على مثل هذه الأسئلة البسيطة، ولم يعد بإمكان المسؤولين الذين تم اختيارهم بهذه الوسائل غير العادلة تلبية احتياجات تنمية البلاد.

خلال فترة أسرة سوي، ألغت الصين رسميا نظام اختيار المسؤولين، الذي كان يركز على المنشأ، وأنشأت نظام الامتحان الإمبراطوري لاختيار الأكفاء. وضع نظام الامتحان الإمبراطوري متطلبات أعلى للسياسيين من حيث الكفاءة والأخلاق والمعرفة. في فترة أسرة سونغ (960- 1279م)، تم وضع معايير واضحة لنظام الامتحان الإمبراطوري بشكل أكبر، مع ظهور نظام إخفاء أسماء الممتحنين من ورقة الامتحان، ونظام النسخ حيث يقوم شخص خاص بإعادة نسخ أوراق الامتحان لمنع الفاحص من تحديد هوية الممتحن من خط يده، ونظام إحاطة واضعي أسئلة الامتحان بفناء لمنع تسرب أسئلة الامتحان. وقد حسنت هذه الأنظمة إلى حد كبير من الإنصاف في الامتحانات وكفلت قدرة الدولة على اختيار أفضل الأكفاء. وفقا للإحصاءات، دخلت الغالبية العظمى من كبار المسؤولين على المستوى الوطني في أسرة سونغ إلى السلطة الرسمية من خلال الامتحان الإمبراطوري.

لقد أثر نظام الصين العادل تدريجيا على الدول المجاورة. على سبيل المثال، أرسلت اليابان مرارا وتكرارا مبعوثين وطلابا ورهبان للدراسة في الصين. بحلول عام 701، قلدت اليابان أيضا الصين في اعتماد نظام اختيار المسؤولين عن طريق الامتحانات. في سياق التبادلات الودية بين الصين والدول الأخرى، ظهرت شخصيات مثل أبينو ناكامارو من اليابان وتشوي تشي يون من كوريا. لقد درسوا وعاشوا في الصين لفترة طويلة، واجتازوا بنجاح الامتحان الإمبراطوري كأجانب. في وقت لاحق، أصبح بعضهم مسؤولين في الصين وكتبوا العديد من القصائد والمقالات التي تم تناقلها حتى يومنا هذا؛ وعاد بعضهم إلى وطنهم وقدموا مساهمات مهمة في تنمية بلدانهم.

اليوم، يؤسس الصينيون تدريجيا نظاما لضمان الإنصاف الاجتماعي مع الحقوق العادلة والفرص العادلة والقواعد العادلة كمحتوى رئيسي، من أجل ضمان حق الشعب في المشاركة المتساوية والتنمية المتساوية. من العصور القديمة إلى الوقت الحاضر، يتشابك سعي الصينيين للإنصاف ومحبتهم السلام. تسعى الصين إلى الإنصاف في التنمية، وتسعى أيضا إلى الإنصاف في التبادل تجاه الخارج. وفي ظل الوضع الحالي المتغير، تتسم روح الإنصاف بأهمية خاصة، ويجب على شعوب العالم أن تعمل معا للتعامل بشكل أفضل مع المشكلات الراهنة وخلق غد أفضل يتسم بالإنصاف والعدالة.

--

تشانغ لونغ، باحث متدرب في قاعدة أبحاث التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات الصينية والأجنبية بمعهد بحوث كونفوشيوس في مدينة تشيويفو بمقاطعة شاندونغ.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4