ثقافة وفن < الرئيسية

((فلنحرك الشمس معا)).. الحب في مواجهة اليأس

: مشاركة
2025-03-17 15:32:00 الصين اليوم:Source مي عاشور:Author

الحب في معانيه أعمق بكثير في أن يختزل في باقة زهور أو لقاء أو كلمات رقيقة، لأنه وميض أمل يحيي القلوب وجمال ينعكس على ملامح المرء ويضفي عليها بهجة، ويمنحه الشجاعة ويجعله يدرك معنى التضحية في سبيل من يحب، حتى لو كانت هذه التضحية هي انسحاب أو إطلاق سراح ذلك الحب في سبيل سعادته. في كثير من الأحيان، لا يظهر الحب في أجواء وردية لطيفة، بل وسط غيوم اليأس والرؤية القاتمة. وهنا يكون قد نما رويدا رويدا، فتصبح له جذور تقف في مواجهة الرياح المتلاطمة، لا يتراجع أو يتلاشى، بل يصير أقوى وأصدق.

في الأيام الماضية، شاهدت فيلما صينيا اسمه "فلنحرك الشمس معا"، والاسم الإنجليزي للفيلم هو Viva" "La Vida. لمست فكرته قلبي وجعلتني أتأمل الكثير من الأشياء. تدور قصة الفيلم حول شاب وفتاة جمع بينهما المرض والحب. يبدو أن الفيلم رومانسي، ولكنه في الواقع يتناول شيئا أبعد، فهو يحكي قصة إرادة وتمسك بالحياة، وكيف يمكن أن يضفي الحب بريقا على حياة الإنسان؛ فقد يخفف آلامه ويطيب أحزانه ويمنحه شجاعة المواجهة.

يبدأ الفيلم بتسجيل فتاة شابة اسمها لينغ مين، لمقطع فيديو قصير تبحث فيه عن شاب للزواج، ولكنه لم يكن طلبا عاديا للزواج لأنها مريضة ومصابة باليوريميا. لقد تغيرت حياتها رأسا على عقب منذ أن أصيبت بهذا المرض. هي تبحث عن شاب مصاب بورم يوافق أن يتبرع لها بكليته، ولو رحل مبكرا عنها، فسوف تعتني بوالديه وترعاهما. لكن الصعوبات تأتي تباعا، فسرعان ما يُطلَب من لينغ مين أن تترك البيت التي تقطنه لأنه سيتم بيعه. تشعر لينغ مين أن العالم ينهار من حولها والأبواب تغلق في وجهها، ولم تجد أمامها سوى إرسال مقطع الفيديو الذي صورته إلى مجموعة تواصل لمرضى الأورام على تطبيق "ويتشات"، لكن بعدها تندم وتحذفه فورا. وعلى غير المتوقع، يتواصل معها شاب اسمه ليوي تو من مجموعة التواصل تلك، ويطلب أن يلتقي بها. يوافق ليوي تو أن يتبرع للفتاة بكليته، في مقابل أن تعتني بوالدته بعد وفاته.

سرعان ما تتراجع لينغ مين عن الفكرة، وتقول إنها غيرت رأيها؛ لأن ما فعلته غير صحيح. لكن ليوي تو لا يتخلى عنها، ويتمسك بها. ومع الوقت، يبدأ الحب يستوطن في قلبيهما، فيتدفق الأمل بداخل لينغ مين مجددا، بعدما مرت بفترات عصيبة في حياتها.

ذات يوم، تتلقى لينغ مين اتصالا من المستشفى لإبلاغها بأنه قد تم العثور على متبرع مطابق لها. يصحبها ليوي تو إلى هناك، ولكن عندما تصل وتلتقي بالطبيب، يقول لها إن أهل المتبرع غيروا رأيهم، ورفضوا التبرع. تصاب لينغ مين بحالة من الإحباط الشديد، بعدما ومض أمل الشفاء بداخلها. في الحافلة، في طريق العودة، يعرض عليها ليوي تو الزواج، ويقول إن الطبيب أخبره أن حالته الصحية مستقرة، مثل أي شخص طبيعي، لكن لو عاوده المرض واشتد عليه، قد يموت خلال أسبوع، ولكنه سيحيا لو تبرع لها بكليته؛ لأنها ستكمل حياتها بها، وبذلك كأنها تنوب عنه في العيش. بالفعل، يتزوج ليوي تو من لينغ مين، وتتغير حياتهما، وكأن مرضهما بدأ يتعافى بالحب.

بعد مرور وقت، تسوء صحة ليوي تو، ويعاوده المرض، وتكتشف لينغ مين حقيقة أن مرضه قابل للعلاج. لكن هذه المرة، كان يتطلب الأمر تدخلا جراحيا. يرفض ليوي تو إجراء العملية الجراحية؛ لأنه مر بتجربة صعبة بعد الجراحة الأولى، بقي فيها في العناية المركزة وقتا طويلا ينازع الموت. لكن في نهاية المطاف تتمكن لينغ مين من إقناعه. تنجح العملية رغم صعوبتها، وتُنقذ حياة ليوي تو، وينتهي الفيلم بحفل زفاف لينغ مين وليوي تو، وتبدأ محطة جديدة في حياتهما.

هذا الفيلم مأخوذ عن قصة حقيقة نشرت في تقرير صحفي تحت عنوان "صفقة الزواج الأكثر ربحا، ميثاق أبدي أكثر تحريكا للمشاعر". ينقل فيلم ((فلنحرك الشمس معا)) للمشاهدين قصة حدثت بالفعل في عالمنا، والتي تؤكد على أن الأمل أحيانا يُعثر عليه في اللحظات الأكثر يأسا، وأن بعض القصص الواقعية تظل ملهمة إلى حد تحويلها إلى أفلام درامية وروايات أدبية.

عُرض الفيلم في الصين، على شاشات السينما والمنصات المختلفة في مارس 2024، وحقق نجاحا ساحقا. في نوفمبر 2024، أكمل الفيلم سلسلة نجاحاته حيث حصد ثماني جوائز في الدورة السابعة والثلاثين لمهرجان الديك الذهبي للأفلام، من بينها جائزتا أفضل قصة وأفضل موسيقى تصويرية. وفاز مخرج الفيلم الشاب هان يان بجائزتين، وهما جائزة أفضل سيناريو وجائزة أفضل مخرج.

قال المخرج هان يان: "هناك دائما أفكار رئيسية تربط جميع أفلامي، وأستخدم القصص والأشخاص وجوانب مختلفة للتعبير عنها. هذه الأفكار تتمثل في تقدير اللحظة الراهنة والتفاؤل والعيش بإيجابية." وعبر عن وجهة نظره فيما يخص الفيلم، حيث قال إنه لا مفر من مصادفة أيام غائمة ومطيرة، فتماما في هذه اللحظات نكون في أمس الحاجة لأن نؤمن من أعماق قلوبنا أن الشمس ستشرق من جديد. لذا، فعندما رأى المخرج هان يان المشهد الموجود في الفيلم، والذي ينتظر فيه الشاب والفتاة شروق الشمس في مواجهة بنايات المدينة الشاهقة، شعر أن هذه هي الفكرة التي يتطلع لتوصيلها إلى الجمهور، والتي تتلخص في أننا نحن جميعا ننتظر شروق الشمس، ورؤية خيوطها الذهبية.

لم يكن هذا الفيلم هو الوحيد الذي شاهدته في الفترة الأخيرة، لكن هناك العديد من الأفلام الصينية التي لفتت نظري وأحببتها، بل وتناولت موضوعات مختلفة ومتنوعة، تصحب المشاهد معها، بشكل غير مباشر، في رحلة فنية وثقافية إلى الصين المعاصرة.

--

مي عاشور، كاتبة ومترجمة من مصر.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4