التنمية هي الموضوع الأبدي للمجتمع البشري، وفي نظام الكتابة الصيني، يمكن أن تكون "التنمية" "تقدما" أو "تجديدا" أو "ازدهارا"، والتي تشمل جوانب مختلفة مثل الاقتصاد والمجتمع والثقافة والأفراد. من القبائل البدائية إلى المجتمعات الزراعية إلى الحضارات الصناعية، ثم إلى عصر المعلومات اليوم، أصبح العالم مجتمعا ذا مستقبل مشترك ترتبط فيه مصالح الجميع ببعضها البعض بشكل وثيق. تتطلب تنمية العالم التبادلات والتعلم المتبادل والتناغم بين جميع البلدان والحضارات، وكما أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ فإن "تنمية جميع البلدان معا هي التنمية الحقيقية".
نظرا لتأثير التاريخ والثقافة والنظم الاجتماعية، فإن نماذج التنمية في بلدان ومناطق العالم مختلفة، بل يمكن أن تكون مختلفة تماما. تهتم الدول الغربية بالأساس المادي، والعلوم والتكنولوجيا، والقوى المنتجة هي محور التنمية. من منتصف القرن الثامن عشر إلى أواخره، حقق جيمس وات تقدما رئيسيا في تكنولوجيا المحركات البخارية أثناء إصلاح محرك نيوكومن البخاري. وبعد ذلك، واصل وات التجريب، وفي عام 1776، تم بناء أول محرك بخاري جديدة النمط ودخوله الإنتاج الحقيقي. أدى الاستخدام الناجح والتحسين المستمر للمحرك البخاري إلى تعزيز عملية التصنيع في الدول الغربية بشكل كبير، وكانت الدول الغربية أول من دخل عصر البخار. وبعد مائة عام، اخترع إيرنست فيرنر فون سيمنز المحرك الكهربائي، واخترع ألكسندر غراهام بيل الهاتف، ونجح توماس إديسون في اختراع المصباح الكهربائي، ودفع الاستخدام الواسع النطاق للكهرباء البشرية إلى عصر الكهرباء. في منتصف القرن العشرين، قادت الدول الغربية العالم لولوج العصر الرقمي بأجهزة الكمبيوتر والإنترنت، كتكنولوجيا جوهرية، وتغيرت أنماط حياة الناس مرة أخرى. تقود الحضارة العلمية والتكنولوجية الغربية العالم منذ ما يقرب من ثلاثمائة عام، وتوفر خبراتها وقصصها عن التنمية دروسا للبلدان النامية، وهو أمر بالغ الأهمية لفهم التاريخ والتنبؤ باتجاهات التنمية المستقبلية.
تتمتع المنطقة العربية بخلفية حضارية عميقة، وتحمل تنميتها إحساسا أقوى بالهوية الثقافية وقوة التماسك. في الماضي، وبدعوة ورعاية قوية من العباسيين، أطلقت الإمبراطورية العربية "حركة الترجمة المئوية". هذه الحركة، التي حافظت على الكلاسيكيات الصينية والغربية القديمة وتوارثتها، جلبت المجد والحضارة للإمبراطورية العربية، وأرست الأساس لتطور الحضارة العالمية الحديثة. في الوقت الحاضر، تتعايش المنافسة والتعاون على نطاق عالمي، وتسعى الدول العربية أيضا إلى طريق التحديث والتنمية، وتتطور بنشاط في مجالات جديدة، مثل التكنولوجيا المتقدمة والاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية. أشار الرئيس شي جين بينغ ذات مرة إلى أنه "في الخريطة السياسية والاقتصادية والحضارية العالمية، تحتل الدول العربية مكانة مهمة". والآن بعد أن تم تأسيس منتدى التعاون الصيني- العربي منذ 21 عاما، أصبح التعاون بين الصين والدول العربية أوثق يوما بعد يوم، وتوصل الجانبان إلى توافق مهم في العديد من المجالات.
الصين، مثل جميع دول العالم، تتطور وتتغير باستمرار. على مدار التاريخ الطويل، كان لتطور الأمة الصينية دائما سحره الفريد.
للأمة الصينية تاريخ حضاري يمتد أكثر من خمسة آلاف سنة حتى يومنا هذا، والمفتاح يكمن في التمسك بوضع الإنسان في المقام الأول. خلال فترة ما قبل أسرة تشين (221- 208 ق.م) في الصين القديمة، طرح قوان تشونغ من مملكة تشي بوضوح مفهوم الحكم المتمثل في "وضع الإنسان في المقام الأول". كان قوان تشونغ يعيش في قاع المجتمع، ويعرف مشقات الناس في قاع المجتمع، وبعد ذلك أصبح رئيسا لوزراء مملكة تشي، وعندما سأله تشي هوان قونغ، ملك مملكة تشي، عن كيفية حكم البلاد، أجاب: "يجب أن تبدأ طريقة حكم البلاد بإثراء الشعب أولا." تحت إدارة قوان تشونغ، بدأت مملكة تشي في إجراء إصلاحات في الأراضي والضرائب والتعليم وما إلى ذلك، وكانت هذه السلسلة من السياسات التي أفادت الشعب هي التي مكنت مملكة تشي من أن تصبح أول قوة مهيمنة في فترة الربيع والخريف (770- 476 ق.م). هناك أيضا لي شي مين (599- 649م)، الذي لقب بالإمبراطور تاي تسونغ لأسرة تانغ (618- 907م)، وقد طبق سلسلة من السياسات المنفتحة، مما دفع ازدهار ورخاء الصين في الفترة الإقطاعية إلى ذروتها. تحمل لي شي مين عبء حكم البلاد بعد اعتلائه العرش، وقال لوزرائه ذات مرة: "المبدأ لتكون ملكا هو أن بقاء الشعب يجب أن يأتي في المقام الأول." لذلك اتخذ لي شي مين نصيحة وزيره وي تشنغ، وخفض الضرائب، وبنى المنشآت المائية، ودعا إلى روح التوفير، مما زاد بشكل فعال من حماسة الشعب للإنتاج ووضع الأساس لازدهار أسرة تانغ. في الوقت الحاضر، مع تلخيص التجارب التاريخية، تغلغلت فلسفة التنمية التي تضع الإنسان في المقام الأول في جميع جوانب التنمية في الصين؛ في التعليم والرعاية الطبية والملابس والغذاء والإسكان والنقل. لطالما مارست الصين التنمية من أجل الشعب، والتنمية التي تعتمد على الشعب، وثمار التنمية التي يتقاسمها الشعب. وفي الصين، تشكل احتياجات الشعب القوة الدافعة للتنمية.
تتمتع تنمية الصين بمثل هذه الحيوية العظيمة اليوم، يرجع سبب ذلك إلى الالتزام بالتبادلات والاستفادة المتبادلة بين الحضارة الصينية والحضارات الأجنبية. وتجاه الثقافات المختلفة للقوميات، التزمت الصين دائما بموقف التبادلات النشيطة والاستفادة المتبادلة. كان ليو تشوانغ (28- 75م)، الذي لقب بالإمبراطور مينغ دي لأسرة هان الشرقية (25- 220م)، حلم ذات مرة بشخص طوله عشرون مترا قادما من الغرب، وكانت تنبعث من رأسه أشعة ذهبية، فأرسل على الفور مبعوثين إلى الهند للعثور على ذلك الإله. انطلق هؤلاء المبعوثون على طول طريق الحرير، عبر السهوب الواسعة والجبال الشاهقة، واجتازوا المصاعب والمشقات للوصول إلى الهند. بعد سنوات عديدة، عاد المبعوثون ومعهم الأسفار البوذية وتماثيل بوذا والرهبان، وبدأت البوذية تنتشر في الصين القديمة، وتفاعلت مع الكونفوشية والطاوية، فتشكلت ثقافة بوذية ذات خصائص صينية. في فترة أسرة تانغ، كانت البوذية أكثر انتشارا، وذهب الراهب شيوان تسانغ إلى الهند عبر طريق الحرير للبحث عن الأسفار البوذية الحقيقية، وكان معبد الأوز البري الكبير في مدينة شيآن بمقاطعة شنشي، هو المكان الذي ترجم فيه شيوان تسانغ الأسفار البوذية وجمعها بعد عودته إلى الصين. بالإضافة إلى البوذية، هناك العديد من الحضارات التي تم إدخالها إلى الصين القديمة عبر طريق الحرير، مثل الحضارة الإسلامية والثقافة الفارسية. إن قبول الصين واحترامها للثقافات الأجنبية لم يضخ تدفقا من الحيوية في الصين فحسب، وإنما أيضا مكّن الثقافة الصينية المحلية من الانتشار في الخارج وزاد شهرة الصين. الآن بعد أن أصبح "السفر إلى الصين" تيارا قويا في جميع أنحاء العالم، بدأ المزيد والمزيد من الناس في فهم الصين الحقيقية بشكل موضوعي وشامل، وتلك نتيجة حتمية لتنمية الصين وردود الفعل الإيجابية لإصرار الصين على احترام تنوع الحضارات واحتضان العالم بنشاط.
مع التمسك بمفهوم "كل ما تحت السماء من عائلة واحدة" وطريق "التعايش المتناغم بين جميع الكائنات"، فإن العمل جنبا إلى جنب مع البلدان الأخرى لإحراز تقدم هو حكمة تنمية الصين. خلال فترة أسرة مينغ (1368- 1644م)، من أجل تعزيز العلاقات مع الدول المجاورة وإقامة علاقات ودية، أرسل تشو دي (1360- 1424م)، الذي لقب بالإمبراطور تشنغ تسو لأسرة مينغ، تشنغ خه لقيادة أسطول إلى المحيط الغربي. حمل هذا الأسطول، المكون من أكثر من 200 سفينة، الشاي والخزف والحرير وغيرها من السلع، وعبر بحر الصين الجنوبي مرورا بمضيق ملقا، ووصل إلى العديد من البلدان في شبه الجزيرة العربية وأفريقيا. وفقا لتعليمات تشو دي، روج تشنغ خه للمبادئ الدبلوماسية التي دعت إليها أسرة مينغ بين الملوك والقادة المحليين في كل مكان ذهب إليه، والمتمثلة في "لا تتنمروا على الناس لقلة عددهم، ولا تتنمروا على الضعيف، وتصالحوا مع بعضكم البعض، وتشاركوا السلام معا." وساعد أفراد الأسطول أيضا خلال رحلاتهم على التوسط في النزاعات ومكافحة القرصنة في البلدان الصغيرة والضعيفة. وبهذه الطريقة، ساعد هذا الأسطول المليء بالنوايا الحسنة أسرة مينغ على إقامة علاقات ودية وسلمية مع البلدان الأخرى. سجلت قصة رحلات تشنغ خه السبع إلى الغرب قصة التبادلات الودية بين الصين والدول الأخرى، وحتى يومنا هذا، لا تزال الصين ملتزمة بهذا التقليد. وفي مواجهة الأوضاع الدولية، تقيم الصين بنشاط علاقات ودية مع الدول الأخرى، ولا تتردد في مد يد العون للدول المحتاجة، وتثبت صداقة الصين وإخلاصها للعالم من خلال الإجراءات العملية.
والآن، يتزايد تأثير الصين يوما بعد يوم، وتلاقي مبادرات التنمية الصينية قبولا كبيرا من قبل المزيد من الدول، لأنه في حين أن الصين ملتزمة بتنميتها، فإنها تتحمل أيضا بنشاط مسؤوليتها كدولة كبيرة. وقد قال الرئيس شي جين بينغ: "يجب تنسيق تنمية الصين مع تنمية البشرية، وربط مصيرها بشكل وثيق بمصير شعوب جميع دول العالم." وأضاف: "اليوم، وبينما تنتشر التحديات في كل مكان، تثبت الصين للعالم من خلال إجراءات ملموسة أن الصين النامية ستقدم مساهمات أكبر للعالم، وستعمل مع الدول الأخرى في جميع أنحاء العالم للتغلب على الصعوبات وخلق مستقبل أفضل."
--