عندما زار لويس نغ متحف القصر الإمبراطوري في بكين المعروف أيضا باسم المدينة المحرمة لأول مرة، كان في ذلك الوقت طالبا يدرس التاريخ. هذه المدينة المحرمة التي شهدت حكم أباطرة الصين على مدى خمسة قرون أثارت دهشته، وتركت في نفسه أثرا لا يُنسى. قال لويس نغ: "أعيش في هونغ كونغ، وهي مدينة صغيرة بها ناطحات سحاب وبنايات حديثة، وفجأة وجدت قصرا." غمرت خمسة آلاف عام من التاريخ ذهن لويس نغ، فشعر أنه في مكان لا يصدق، حيث شهد أحداثا تاريخية عظيمة واتخذت فيه قرارات بالغة الأهمية.
كان ذلك في عام 1982، ولم يكن لدى لويس نغ في ذلك الحين أي فكرة أنه سيصبح يوما ما على علاقة دائمة مع هذا القصر الإمبراطوري القديم. بعد مرور سبعة وثلاثين عاما، أصبح لويس نغ مدير متحف القصر في هونغ كونغ، أحدث المعالم الثقافية في منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة بالصين.
في يوليو عام 2022، افتتح متحف القصر بهونغ كونغ معارضه، التي تضم أكثر من ألف وخمسمائة قطعة ثمينة، معارة من متحف القصر الإمبراطوري في بكين، بما في ذلك كنوز وطنية نادرة. قال لويس نغ إن بعضا من هذه القطع لم يرها حتى سكان البر الرئيسي الصيني. ومنذ ذلك الحين، يتوافد الناس من البر الرئيسي الصيني إلى هونغ كونغ لمشاهدتها.
اتجاه جديد
شهد اقتصاد العطلات في الصين انطلاقة قوية خلال عطلة عيد الربيع، التي استمرت ثمانية أيام، حيث اجتذب متحف القصر في هونغ كونغ موجة غير مسبوقة من الزوار. قال لويس نغ: "أغلقت العديد من المؤسسات الثقافية، بما في ذلك المتاحف الحكومية، في اليومين الأول والثاني من السنة الصينية الجديدة. لكننا أغلقنا فقط في اليوم الأول." على الرغم من أن متحف القصر في هونغ كونغ يغلق أبوابه عادة كل يوم ثلاثاء، فإنه قرر فتح أبوابه للزوار في يوم الثلاثاء أثناء عطلة عيد الربيع. قال لويس نغ: "أعتقد أننا اتخذنا قرارا حكيما للغاية." وقد بلغ متوسط عدد الزوار ستة ألاف زائر يوميا، مما يدل على تغيير ملحوظ في نمط الزوار. كان أكثر من 80% منهم من البر الرئيسي الصيني. وفي عام 2024، بلغ عدد زوار متحف القصر في هونغ كونغ نحو مليون زائر، حيث جاء حوالي 50% من البر الرئيسي الصيني ومناطق الصين الأخرى، بينما شكل الزوار الدوليون نسبة 20%، والباقي من السكان المحليين. كما جاء إلى المتحف العديد من الزوار من دول شرقي وجنوب شرقي آسيا، لا سيما من جمهورية كوريا واليابان وسنغافورة وتايلاند وإندونيسيا.
قبل افتتاح متحف القصر في هونغ كونغ، كان حوالي 70% من زوار المتحف من السكان المحليين. قال لويس نغ: "هذا يظهر أن متحف القصر في هونغ كونغ قد تحول إلى مؤسسة ثقافية ذات طابع عالمي."
بالإضافة إلى عيد الربيع، تُعد عطلة الأسبوع الذهبي في اليوم الوطني الصيني خلال شهر أكتوبر، وعطلة عيد العمال في مايو، بالإضافة إلى العطلة الصيفية للمدارس، من الفترات السياحية الرئيسية التي تشهد تدفقا كبيرا للزوار من البر الرئيسي الصيني إلى هونغ كونغ.
يُعد تطوير وسائل النقل عاملا رئيسيا في زيادة التدفق السياحي الكبير في هونغ كونغ. شبكة السكك الحديدة الفائقة السرعة، التي اُفتتحت في عام 2018، تربط هونغ كونغ مباشرة بعدة مدن في جنوبي البر الرئيسي الصيني، ولا تزال هذه الشبكة تتوسع باستمرار. يربط جسر هونغ كونغ- تشوهاي- ماكاو، الذي اُفتتح أيضا في عام 2018، بين هونغ كونغ وتشوهاي وماكاو، مما قلص وقت السفر من ثلاث ساعات إلى ثلاثين دقيقة فقط. وقد أسهمت هذه المشروعات في تسهيل السفر إلى هونغ كونغ وماكاو، لا سيما لسكان منطقة خليج قوانغدونغ- هونغ كونغ- ماكاو الكبرى. قال لويس نغ: "يمكن لزوار منطقة الخليج الكبرى الآن زيارة متحف القصر في هونغ كونغ، وقضاء يوم في التنزه وتناول الغداء والتسوق، ثم العودة إلى منازلهم. في الماضي، كان معظم الزوار يأتون إلى هونغ كونغ للتسوق وتناول الطعام فقط. لكنهم الآن يبحثون عن وجهات جذابة جديدة ومميزة. وبفضل تحسن الدخل العام، يفضل الزوار البحث عن منتجات سياحية عالية الجودة."
يظهر لويس نغ قصاصة صحفية أرسلتها إليه كاري لام، الرئيسة التنفيذية السابقة لهونغ كونغ، القصاصة تتحدث عن المعرض الخاص الجديد لمتحف القصر في هونغ كونغ بعنوان "المدينة المحرمة وقصر فرساي.. اللقاءات الثقافية بين الصين وفرنسا في القرنين السابع عشر والثامن عشر". وقد أشاد الكاتب بالمعرض قائلا إن هونغ كونغ بحاجة إلى هذا النوع من المنتجات الثقافية العالية الجودة.
مكانة فريدة ورسالة مهمة
قال لويس نغ: "في كل معارضنا وبرامجنا، نسعى لتقديم الأفضل في آسيا. لقد تجاوزنا مفهوم المتحف المحلي، وأصبحت مهمتنا هي وضع هونغ كونغ على الخريطة الثقافية العالمية. علينا أن نستفيد من المكانة الفريدة والموقع الإستراتيجي لهونغ كونغ لتعزيز الحوار الثقافي بين الصين والعالم."
خلال عامين ونصف، أجرى متحف القصر في هونغ كونغ العديد من التبادلات الثقافية، ونظم معارض تعاونية مع عدة دول ومتاحف، بما في ذلك قصر فرساي ومتحف الفنون الزخرفية ومتحف اللوفر في فرنسا، بالإضافة إلى المعرض الوطني في لندن. في عام 2025، سيقيم المتحف ثلاثة معارض كبرى بالتعاون مع شركاء مختلفين.
قال لويس نغ: "عقدت اجتماعا مع القنصل العام لمصر لمناقشة المعرض الخاص القادم الذي سيُسلط الضوء على الحضارة المصرية القديمة." يحمل هذا المعرض أهمية بالغة، حيث ستحتفل الصين ومصر في عام 2026 بمرور سبعين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وأضاف: "سيُتيح هذا المعرض لسكان هونغ كونغ فرصة التعمق في فهم مصر وتراثها الحضاري العريق."
كما أن المعرض الخاص، الذي يبرز حياة الفرعون الشاب توت عنخ آمون من خلال قطع أثرية لا تقدر بثمن من سبع مؤسسات مصرية رئيسية، سيكون شراكة مباشرة مع المتاحف المصرية. على عكس الماضي، عندما كانت متاحف هونغ كونغ تتعاون مع نظرائها الغربيين لعرض القطع الأثرية المصرية. هذا التحول يعكس اقتناعا متناميا بأن القطع الأثرية المصرية القديمة تخص مصر، وأن المتاحف المصرية لها الحق في تحديد كيفية عرضها.
يشهد متحف القصر في هونغ كونغ تعاونا كبيرا آخر مع متحف الفن الإسلامي بالدوحة التابعة لقطر ومتاحف قطرية أخرى لعرض بعض المقتنيات منها. سيُقام معرض "السجاد الإمبراطوري.. روائع من متحف الفن الإسلامي بالدوحة"، والذي سيستمر من يونيو إلى أكتوبر 2025، حيث سيُقدم للزوار مجموعة نادرة من السجاد القادم من إيران وتركيا والهند، بالإضافة إلى قطع خزفية وأعمال معدنية ومخطوطات ويشم، مما يظهر التبادلات التجارية والثقافية المزدهرة عبر طريق الحرير القديم وطريق الحرير البحري منذ فترة أسرة تانغ (618- 907م).
سيكون التعاون الثالث البارز مع متحف فيكتوريا وألبرت في لندن، حيث سيُقام معرض "كنوز بلاط المغول" لعرض فنون شبه القارة الهندية خلال عصر إمبراطورية المغول من حوالي عام 1560 إلى عام 1660. وصف لويس نغ هذه الجهود قائلا: "وقعنا العديد من مذكرات التفاهم مع العديد من المتاحف من فرنسا وبريطانيا واليابان وأسبانيا. كما نظمنا أيضا بعض المؤتمرات الدولية حول الحفاظ على التراث."
في عام 2025، سيطلق متحف القصر في هونغ كونغ أول معرض متنقل له، مؤكدا أن التبادل الثقافي يجب أن يكون حوارا متبادلا. سيستضيف متحف العاصمة ببكين مجموعة من مقتنيات متحف القصر في هونغ كونغ، والتي تضم حوالي 1400 قطعة أثرية صينية قديمة من الذهب والفضة، والتي تبرع بها جامعا التحف الشهيران بيتي لو وكينيث تشو. قال لويس نغ: "فريقنا يتمتع بصفة دولية، ويفهم ثقافات الشعوب الأخرى دون عوائق لغوية. وهذا ما يمكننا من تعزيز التفاهم المتبادل بين الحضارات. خاصة في ظل الوضع السياسي الدولي الراهن، يتعين علينا مضاعفة الجهود لتعزيز الثقة والتفاهم."
الاستفادة من التقنيات المتقدمة
التقنيات وسيلة فعالة لتحقيق أهداف المتحف. يعتزم متحف القصر في هونغ كونغ أن يصبح متحفا ذكيا من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية. قال لويس نغ: "نمتلك حاليا حوالي خمسة آلاف قطعة أثرية، وسنستغرق عامين لإتمام عملية الرقمنة. سواء لأغراض البحث أو التعليم أو المعارض أو المشروعات الثقافية، يمكنك بسهولة استخدام صورنا في برامجك التعليمية، وحتى للأغراض التجارية. لذا، فإن عملية الرقمنة مهمة جدا."
يقيم متحف القصر في هونغ كونغ معارض تفاعلية باستخدام تقنيات الواقع المعزز والواقع الافتراضي لتوفير تجربة غامرة للزوار. وبالطبع، فإن الذكاء الاصطناعي أداة لا غنى لها لتحسين خدمة الزوار. قال لويس نغ: "حاليا، لدينا خدمات باللغتين الإنجليزية والصينية، ونسعى إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتوفير خدمات متعددة اللغات."
في غضون ستة أشهر، يأمل متحف القصر في هونغ كونغ أن يتم أبحاثه حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتي ستوفر أيضا نموذجا يمكن للمتاحف الأخرى الاستفادة منه. قال لويس نغ: "إن تطوير التكنولوجيا مهم جدا. يمكنك ملاحظة النقاش الواسع حول تطبيق ديب سيك، وهي تكنولوجيا صينية بحتة. كما نلاحظ كيف تسهم التطورات التقنية الصينية في تطوير المتاحف والمشروعات الثقافية الأخرى." وهكذا، يمكن للمزيد من الناس مشاهدة القطع الأثرية في المتحف، ليس فقط أولئك الذين يزورون المتاحف شخصيا. أشاد لويس نغ بالجهود الكبيرة التي تبذلها المتاحف في البر الرئيسي الصيني لتطوير الزيارات الافتراضية، بالإضافة إلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي مثل تطبيق تيك توك لنشر التراث الثقافي. كما يسعى متحف القصر في هونغ كونغ لاستكشاف الفرص المتاحة عبر الوسائط الإعلامية.
ستسلك المتاحف في هونغ كونغ مسارا فريدا خاص بها. قال لويس نغ: "هونغ كونغ مدينة عصرية، ونحن نسعى لربط القطع الأثرية والتاريخ بالحياة المعاصرة. نقدم القطع في معارضنا بأسلوب مبتكر. على سبيل المثال، نتعاون مع فنانين من هونغ كونغ لإبداع أعمال فنية معاصرة تتفاعل مع القطع الأثرية التاريخية، مما يسمح للزوار باستكشاف الماضي وفهم الحاضر. هذا هو جوهر المتحف الحديث. استشراف ما وراء الماضي." ويعتقد لويس نغ أن المتاحف في الصين تشهد تحديثا وازدهارا كبيرين. يبلغ عدد المتاحف في الصين حوالي سبعة آلاف، استقبلت 29ر1 مليار زائر في عام 2023. يتمثل الدور الفريد لمتحف القصر في هونغ كونغ في كونه أيضا وسيلة لتعزيز الجذور الثقافية بين هونغ كونغ والبر الرئيسي الصيني. قال لويس نغ: "يمكن للزوار من البر الرئيسي الصيني أن يفهموا بشكل أفضل دور هونغ كونغ في المحافظة على الفن والثقافة الصينية وتعزيزهما، وأن يتعرفوا أكثر على مواطني هونغ كونغ ومدينتنا وتاريخنا. هذا يمكن أن يعزز التفاهم بين مواطني هونغ كونغ والبر الرئيسي الصيني، خاصة في إطار منطقة خليج قوانغدونغ- هونغ كونغ- ماكاو الكبرى."
تعزز المعارض التي يقيمها متحف القصر في هونغ كونغ فهم سكان هونغ كونغ للفن والثقافة الصينية وأصولهما وتنوعهما. قال لويس نغ: "من المهم جدا تعزيز الهوية الوطنية وبناء الثقة الثقافية. إذا فقدت ثقتك في بلدك أو في تاريخك أو في ماضيك، فلن تتمكن بعد ذلك من مواجهة التحديات. نحن الآن دولة قوية وكبيرة، وعلينا تحمل مسؤولية تعزيز مصيرنا المشترك لبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، كما دعا إليه الرئيس الصيني شي جين بينغ."