ثقافة وفن < الرئيسية

مفهوم التسامح

: مشاركة
2025-11-24 15:21:00 الصين اليوم:Source تشي يوي:Author

في السنوات الأخيرة، أشار الرئيس الصيني شي جين بينغ في مناسبات مختلفة إلى أننا يجب أن نعمق التبادلات والاستفادة المتبادلة بين الحضارات، وندعو معا إلى احترام تنوع الحضارات العالمية، ونبني بقلوب متسامحة موطنا روحيا لـ"التناغم مع الاختلاف"، ونتعامل مع الثقافات المختلفة بموقف التقدير المتساوي والتعلم والاستفادة المتبادلة، ونعمم القيم المشتركة للبشرية جمعاء، وذلك لكتابة فصل جديد في دفع بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

من بين ذلك، يعد مفهوم "التسامح" موقفا واسع الأفق ورفيقا في التعامل مع الناس، كما أنه الملمح الأساسي للحضارة الصينية المتألقة. في التاريخ الطويل لتطور الحضارة، بات التسامح القوي للحضارة الصينية أساسا مهما لاستمراريتها لأكثر من خمسة آلاف عام. يكمن جوهر هذا "التسامح" في قبول الآراء والمواقف والثقافات وأنماط الحياة المختلفة، بحيث يساهم في تطور الفرد ونمو المجتمع الحضاري. وفي نفس الوقت، فإن هذا "التسامح" ليس مجرد قبول بسيط، بل هو الاندماج من خلال التعارض، والتعايش مع الاختلاف، وحل النزاعات وتوحيد الإجماع بصدر رحب مثلما يستقبل المحيط مياه كل الأنهار، لتشكيل منظومة "التناغم مع الاختلاف" الثقافية.

بالنسبة للفرد، يمكن أن يجسد مفهوم التسامح أخلاق الشخص وحكمته ومستواه الروحي، ويشكل جاذبية شخصيته. قال كونفوشيوس: "الرجل الفاضل يسعى إلى التناغم وليس التماثل، والرجل الحقير يسعى إلى التماثل وليس التناغم." الغرض من ذلك هو التأكيد على أن الرجل الفاضل أثناء التعامل مع الآخرين، رغم وجود اختلافات، لا يوافق بشكل أعمى، ويمكنه احترام آراء كل شخص وفهم وتقبل وجهات النظر المختلفة والتعايش بتناغم مع الآخرين، مما يؤدي إلى إقامة علاقات إنسانية جيدة. فعلى سبيل المثال، كانت الصين القديمة تولي دائما أهمية للتناغم بين رؤساء الوزراء والجنرالات. وقد تضمن كتاب ((سجلات المؤرخ العظيم "شيجي"))، قصة من فترة الممالك المتحاربة (475- 221 ق.م)، حيث كان ليان بوه جنرالا عسكريا بارزا في مملكة تشاو خلال فترة الممالك المتحاربة، بعد أن رأى لين شيانغ رو يرتقي في المناصب الحكومية بشكل سريع، ظن أنه قد قاتل في معارك الحياة والموت من أجل وطنه وحقق العديد من الإنجازات العظيمة في ساحة المعركة، بينما لين شيانغ رو مجرد مدني، وبفضل فصاحته فقط، تمكن من أن يرتقي إلى مكانة أعلى منه، لذا شعر ليان بوه بعدم رضا شديد. هدد ليان بوه بأنه عندما يلتقي مع لين شيانغ رو مرة أخرى، سيحرجه بشدة. وعندما سمع لين شيانغ رو بذلك، غالبا ما كان يتظاهر بالمرض ليتهرب من حضور البلاط الإمبراطوري، تجنبا للصراع مع ليان بوه على مكانة في البلاط الإمبراطوري، وحتى عندما كان يصادف ليان بوه في الشوارع، كان يتجنب عربته. وقال لين شيانغ رو بلطف لزوار منزله: "السبب في أن الممالك المعادية لا تجرؤ على مهاجمة مملكتنا هو وجودي وليان بوه معا، وإذا تشاجرنا الآن، فإن أحدنا سيصاب بالأذى، وأنا أتحمل ليان بوه وأتجنب الصراع من أجل مصلحة مملكتنا أولا." وصلت هذه الكلمات إلى ليان بوه، الذي امتلأ بالخجل، ثم خلع ملابسه العلوية، وحمل غصنا مغطى بالأشواك على ظهره، وذهب إلى أمام منزل لين شيانغ رو ليعتذر له قائلا: "أنا ليان بوه، شخص فظ وقصير النظر، ولم أكن أعرف أن صدرك واسع إلى هذا الحد!" من هذه القصة، يتضح أن التسامح ليس علامة على الضعف، بل هو موقف الحكيم في مواجهة العالم. وبفضل سعة صدره في التعامل مع الآخرين، تمكن لين شيانغ رو من حل النزاع، وترك لنا قصة جميلة تتناقل عبر الزمن.

بالنسبة للمجتمع، يعد "التسامح" مبدأ مهما لتعايش الجيران والمجتمعات في تناغم، وهو أيضا حجر الزاوية لبناء مجتمع التناغم. ذات مرة سأل تسي قونغ معلمه كونفوشيوس: "هل هناك قول واحد يمكن الالتزام به طوال الحياة؟" فأجاب كونفوشيوس: "ربما يكون ذلك هو كلمة 'التسامح'! ما لا تريده لنفسك، لا تفرضه على الآخرين." من خلال طريق "الرحمة والتسامح"، يمكن للناس التخلص من التحيز والتمييز، وتعزيز التفاهم والثقة المتبادلين، وبالتالي خلق بيئة اجتماعية متناغمة ومستقرة ومزدهرة معا. في الصين القديمة، هناك قصة شعبية تقول إنه خلال فترة الإمبراطور كانغ شي لأسرة تشينغ (1644- 1911م)، كان منزل تشانغ ينغ، مستشار الإمبراطور ومسؤول المراسم، في مسقط رأسه مجاورا لمنزل عائلة تحمل اسم وو. أرادت عائلة وو توسيع منزلها والاستيلاء على أرض منزل تشانغ المجاور، فحدث خلاف بين الطرفين. كتب أفراد عائلة تشانغ رسالة إلى تشانغ ينغ الذي كان يشغل منصبا مرموقا في العاصمة ليشرحوا فيها الوضع. وبعد أن قرأ تشانغ ينغ الرسالة، كتب فورا رسالة لأفراد عائلته يحذرهم فيها قائلا: "هل الهدف من إرسال رسالة لآلاف الأميال هو حقا لمجرد نزاع حول حائط؟ إذا كان الأمر مجرد قطعة أرض ضيقة، فما الضرر في التنازل عن 3 تشي (تشي وحدة قياس طول صينية في أسرة تشينغ وتساوي 32 سنتيمترا تقريبا) للجيران؟ الحوائط في سور الصين العظيم ما زالت قائمة بعد آلاف السنين، لكنها لا تظهر مؤسسها الإمبراطور تشين شي هوانغ." قرأ أفراد العائلة الرد، فقاموا على الفور بهدم الحائط وتركوا مساحة بعرض 3 تشي، وتأثر جيرانهم من عائلة وو أيضا، وهدموا حائطهم وتركوا مساحة بعرض 3 تشي أخرى، ليتركوا فجوة بمقدار 6 تشي، وقد تركت هذه القصة الجميلة المعروفة باسم "زقاق ليوتشي (6 تشي)" أثرا في تاريخ الصين. ومن هذا يتضح أن "اتساع" الزقاق لا يكمن في عرض 6 تشي، وإنما في اتساع النفس وروح التسامح والتناغم بين الناس. كما كتب الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو في روايته ((البؤساء)): "أوسع شيء في العالم هو البحر، والسماء أوسع من البحر، وقلب الإنسان أوسع من السماء." فالنظر للآخرين بنية حسنة يمكن أن يظهر جانبهم الإيجابي والراقي، وإذا تمكن كل شخص من الالتزام بمبدأ "التسامح" واحترام وفهم الآخرين، وعدم استغلال القوة لإذلال الضعفاء، والامتناع عن التمييز والطرد، فسيكون بإمكان المجتمع أن يصبح مليئا بالإيجابية والأمل.

بالنسبة للحضارة، فإن مفهوم "التسامح" القادر على احتواء كل شيء بصدر رحب مثل المحيط الذي يستقبل مياه كل الأنهار، هو أيضا بمثابة الشفرة التي تضمن استمرار الحضارات العالمية ونموها. في فترة الدولة العباسية، اجتمع في "بيت الحكمة" ببغداد علماء من اليونان وفارس والهند، حيث ترجموا هناك كما هائلا من الأعمال العلمية والفلسفية والأدبية. إن هذا التقدير والتقبل لحكمة الأجانب هو ما جعل الحضارة العربية حلقة وصل لا غنى عنها بين الشرق والغرب. أما في الصين، فإن الاكتشاف العرضي لمكتبة كهوف موقاو في دونهوانغ كشف عن لوحة رائعة في تاريخ الحضارة الإنسانية. ففي خمسين ألف وثيقة، توجد النصوص البوذية المكتوبة باللغة الصينية جنبا إلى جنب مع العقود المكتوبة بلغة سوغديانا، وصور الملائكة على الطراز اليوناني وبجانبها نصوص مكتوبة بلغة شيتسانغ، وتجاورت الوثائق النسطورية والنصوص المانوية. تكمن عظمة ثقافة دونهوانغ في إثباتها أن مختلف الحضارات يمكن أن تتمازج وتندمج بشكل كامل.

وفيما يتعلق بالمستقبل، فإن "التسامح" هو تذكرة المرور نحو المستقبل ومفتاح حل نزاعات الحضارات المعاصرة. ونحن في القرن الحادي والعشرين، وبإلقاء نظرة على مسار تقدم البشرية عبر العصور، فإن "التسامح" يشبه خيطا ذهبيا يربط اللآلئ المنتشرة من الحضارات في عقد مرصع بالبهاء. من الفرد إلى الدولة، ومن الإقليم إلى العالم، ليس "التسامح" بوتقة لمحو الاختلافات فحسب، وإنما أيضا هو أساس استمرار الحضارة، وموطن خصب لإزهار الثقافات المتنوعة. وعندما يروج بعض الشعبويين لفكرة صراع الحضارات، تخبرنا الحضارة عبر أمواجها الخالدة الممتدة عبر الزمان والمكان أن الحوار الحضاري لم يكن يوما خيارا ثنائي التوجه: إما هذا أو ذاك. وكما ورد في القرآن الكريم: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا. (الحجرات: 13)" يجب أن يكون العالم لوحة رائعة مرسومة بمشاركة الحضارات المختلفة، كل حضارة تمثل لونا لا غنى عنه فيها، فالحضارة الحقيقية لا تبقى باستمرار في العزلة، بل تكتسب حياتها الأبدية من خلال التألق المتبادل. وفي ظل الواقع الحالي، تتبنى الصين اليوم موقف "التعايش في وئام" مع العالم، ملتزمة بمبادئ المساواة والاستفادة المتبادلة والحوار والتسامح بين الحضارات، فهذا ليس مجرد إرث تاريخي، بل هو أيضا وعد بالمستقبل.

"جمال الانسجام يكمن في تنوع المكونات". في الوقت الحاضر، نشهد مرحلة تتسارع فيها وتيرة تغيرات كبيرة لم يشهدها العالم منذ قرن، مع الجولة الجديدة من الثورة العلمية والتكنولوجية والتغيير الصناعي، ولتحقيق مبادرة "الحضارة العالمية" على أرض الواقع، يتعين على جميع الدول تحطيم الحواجز الثقافية بصدر رحب مثل المحيط الذي يستقبل مياه كل الأنهار. ويمكننا التقدم معا من خلال تعميق التواصل والاستفادة المتبادلة. ونحن نتطلع إلى السماء، نأمل في المحافظة على جين "التسامح" المتجذر في الثقافة الصينية وتوارثه دائما، ومن خلال تبادل الحضارات نتجاوز الحواجز بين الحضارات، ومن خلال التفاعل الحضاري نتجاوز صراع الحضارات، ومن خلال التسامح الحضاري نتجاوز فكرة تفوق الحضارات. ومن خلال ذلك، مع أصدقائنا من جميع أنحاء العالم، نسعى لتعزيز القيم المشتركة للإنسانية، ونتحرك يدا بيد نحو الهدف المتمثل في بناء مجتمع مستقبل مشترك للبشرية.

--

تشي يوي، باحثة متدربة في قاعدة أبحاث التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات الصينية والأجنبية بمعهد بحوث كونفوشيوس في مدينة تشيويفو بمقاطعة شاندونغ.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4