ثقافة وفن < الرئيسية

صدى الحضارة عند سفح الأهرامات.. افتتاح المتحف المصري الكبير وبدء فصل جديد للتعاون الثقافي بين الصين ومصر

: مشاركة
2025-11-24 15:23:00 الصين اليوم:Source مها ما جيا:Author

بعد أكثر من عشرين عاما من البناء، شهد المتحف المصري الكبير؛ أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، حفل افتتاح مهيبا في الأول من نوفمبر 2025 بالتوقيت المحلي، معلنا رسميا عن بدء عمله، وقد فتح أبوابه بالكامل للجمهور في الرابع من نوفمبر.

في الأول من نوفمبر، أرسل الرئيس الصيني شي جين بينغ، رسالة تهنئة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بمناسبة افتتاح المتحف المصري الكبير. وأعرب الرئيس شي في رسالته عن إيمانه بأن المتحف المصري الكبير سيترك بصمة عميقة في التاريخ الثقافي لمصر، وسيلعب دورا مهما في الحفاظ على الحضارة المصرية القديمة ونقلها للأجيال القادمة. وقال الرئيس شي أيضا، إنه من المشجع رؤية التواصل بين الحضارتين العريقتين، مع ازدياد التقارب بين الشعبين من خلال التفاهم والألفة المتبادلين، مشددا على أنه ينبغي للصين ومصر، وهما حضارتان عريقتان، مواصلة تعميق التبادلات والتعلم المتبادل بين الحضارات، وضخ زخم جديد في تطوير شراكتهما الإستراتيجية الشاملة، والمساهمة بقوة الحضارات في بناء مجتمع مستقبل للبشرية.

التعاون الأثري.. من الدعم التقني إلى الاستكشاف الحضاري المشترك

يعد التعاون بين الصين ومصر في مجال الآثار والتراث نموذجا للتبادل الحضاري على مستوى العالم في حماية التراث الثقافي، من حيث التبادل التقني وتبادل الخبرات. وقد أثمرت التطبيقات التقنية للفرق الأثرية الصينية في الحفاظ على الآثار المصرية نتائج عملية ملموسة. في عام 2018، انطلقت أعمال المشروع الأثري المشترك بين الصين ومصر في معبد مونتو بمدينة الأقصر، وهو أول مشروع تنقيب أثري في مصر يقوم به فريق أثري صيني منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية. وفي عام 2024، كشف الفريق الأثري المشترك للمرة الأولى عن المخطط الكامل للمعبد الرابع في الموقع، وتم استخراج العديد من القطع الأثرية المهمة. خلال الأعمال الأثرية، استخدم الفريق الصيني تقنية "المحطة الشاملة" وتقنية "المسح التصويري القريب"، لإكمال رسم الخرائط الطبوغرافية العالية الدقة والنمذجة الثلاثية الأبعاد في ظل قيود البيئة المعقدة، وإجراء "تركيب" رقمي للقطع المتناثرة من النقوش، مما وفر دعما دقيقا للبيانات لحماية الموقع. هذه الحكمة التقنية "المتكيفة مع الظروف المحلية"، وهي السمة الأساسية للتعاون بين الصين ومصر في الحفاظ على الآثار، ليست مجرد نقل تقني بسيط، بل هي إبداع مشترك للحلول على أساس الاحتياجات المحلية.

ويتجلى تعاون الصين ومصر في مجال التراث الثقافي أيضا على مستوى تبادل المعارض وتبادل الخبرات. فمعرض "على قمة الهرم.. حضارة مصر القديمة" الذي أقيم في شانغهاي، أتاح للجمهور الصيني فرصة الاقتراب من سحر الحضارة المصرية القديمة، ليصبح معلما مهما في التبادل الثقافي بين البلدين. ضم المعرض 788 قطعة أثرية مصرية، تم شحن أكثر من 400 منها مباشرة من مستودعات موقع سقارة الأثري إلى شانغهاي. وخلال فترة العرض التي استمرت 13 شهرا في شانغهاي، استقطب المعرض أكثر من 77ر2 مليون زائر، وحقق إيرادات إجمالية تجاوزت 760 مليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 1ر7 يوانات تقريبا حاليا)، وسجل أكثر من 30 مليار ظهور عبر الإنترنت، محطما الأرقام القياسية العالمية لعدد الزوار والإيرادات الإجمالية ومدى الانتشار على مستوى العالم لأي معرض متحفي خاص بمقابل على مستوى العالم.

إن مصر، كونها دولة عريقة في التراث الحضاري، تراكمت لديها خبرة غنية في حماية المواقع وإدارة التنقيبات الأثرية، بينما تمتلك الصين مزايا تقنية في مجالي الحماية الرقمية وترميم المواقع الكبيرة. ومن خلال الندوات الأكاديمية وتدريب الكوادر، يواصل الجانبان تعميق التعاون الشامل في مجال الآثار، وبناء نموذج استكشاف حضاري متكامل المزايا.

إلى جانب ذلك، منذ عام 2023، يعمل الجانبان على دفع ترشيح "نقوش بايخليانغ" و"مقياس النيل" لقائمة التراث العالمي بشكل مشترك، وتم التوقيع على مذكرة تفاهم بشأن التعاون في مجال الآثار البحرية والتراث الثقافي المغمور بالمياه في عام 2025. وفي عام 2023، أطلق الفريق الأثري المشترك الصيني- المصري مشروعا للتعاون في منطقة سقارة.

استرداد الآثار.. التمسك الحازم والحكمة المشتركة بين الدول الحضارية القديمة

على الرغم من ضخامة المتحف المصري الكبير الذي افتتح حديثا والذي يضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، فإنه من المؤسف أن بعض الكنوز الأثرية الفاخرة من مصر القديمة التي كان ينبغي أن تكون "جوهرة التاج" للمتحف لا تزال متناثرة في الخارج، غائبة عن هذا الحدث المهم، مثل حجر رشيد في المتحف البريطاني، وتمثال نفرتيتي في المتحف الجديد ببرلين، ودائرة بروج دندرة في متحف اللوفر بباريس. غياب هذه القطع يتحدث بصمت عن تاريخ الاستيلاء الاستعماري.

كدولة ذات حضارة عريقة، حققت مصر نجاحات ملحوظة في استرداد آثارها على مر السنوات من خلال وسائل متعددة مثل سن التشريعات وإنشاء مؤسسات متخصصة والتنسيق الدبلوماسي. أنشأت مصر "الإدارة العامة للآثار المستردة" في عام 2002، ثم شكلت "اللجنة القومية لاسترداد الآثار المهربة" في عام 2007 كهيئة تشارك فيها عدة وزارات وتنسق بين وزارات الخارجية والعدل والتعاون الدولي وغيرها لتنفيذ أعمال الاسترداد. ونجحت مصر في استعادة حوالي ثلاثين ألف قطعة أثرية من الخارج منذ عام 2011 من دول منها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وسويسرا. في يناير 2021، أعاد متحف الكتاب المقدس في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي خمسة آلاف قطعة أثرية إلى مصر دفعة واحدة. في سبتمبر 2022، أعلن المدعي العام لمنطقة مانهاتن في نيويورك الأمريكية عن إعادة  ست عشرة قطعة أثرية ثمينة إلى مصر، بما في ذلك خمس قطع تم استردادها من متحف المتروبوليتان للفنون في الولايات المتحدة الأمريكية، تشمل لوحة من الحجر الجيري يعود تاريخها إلى عام 1300- 1101 قبل الميلاد ولوحة مومياوات الفيوم. هذه النتائج تمثل إنجازا نموذجيا في عملية استرداد الآثار المصرية.

وفي نهاية عام 2020، استردت الصين من اليابان عبر التعاون الدولي رأس تمثال بوذا الرئيسي للجدار الشمالي بالكهف الثامن في كهوف جبل تيانلونغ، بعد أن ظل في الخارج لمدة قرن من الزمان تقريبا. عودة هذه القطع الأثرية من على بعد آلاف الأميال، تظهر التمسك المشترك للدول الحضارية القديمة باستعادة آثارها.

في مواجهة البيئة الدولية المعقدة لاسترداد الآثار، طورت كل من الصين ومصر إستراتيجية "الجمع بين الصلابة والمرونة". وقعت مصر مذكرات تفاهم مع الدول المستوردة الرئيسية للآثار مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وسويسرا لدمج استرداد الآثار في أطرها القانونية، والاستفادة من سلطات إنفاذ القانون المحلية لتعزيز أعمال الإعادة. بينما تعمل الصين بنشاط على تنفيذ الاتفاقيات الدولية، وتطبق تقنيات مثل التحليل النظائري لتحديد أصول الخزف القديم بدقة، مما يوفر دعما علميا لعملية الاسترداد. وقد ساهم الدكتور زاهي حواس، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للآثار في مصر، من خلال إجراءات حازمة مثل تعليق التعاون، في إعادة متحف اللوفر في فرنسا للآثار المهربة. إن هذه الإستراتيجية التي تجمع بين المبادئ والمرونة أصبحت تجربة مشتركة في ممارسات الاسترداد في البلدين.

إن افتتاح المتحف المصري الكبير يشكل في حد ذاته عرضا مركزا لنتائج الاسترداد. تضم منطقة توت عنخ آمون في المتحف مجموعة كبيرة من القطع الجنائزية الثمينة، كما تم دمج بعض الآثار التي استعادتها مصر في السنوات الأخيرة ضمن مقتنيات المتحف المعروضة للجمهور. يخلق عرض مثل هذه النتائج تأثيرا إيجابيا لـ"تعزيز الاسترداد عبر العرض"، حيث ينقل للجمهور ألم فقدان التراث الثقافي ويعزز في الوقت نفسه شرعية عودة الآثار. تظهر ممارسات الصين ومصر أن إستراتيجية الجمع بين التمسك بالمبادئ والمرونة، هو السبيل لتحقيق تقدم أكبر في طريق الاسترداد.

إحياء التراث.. ولادة جديدة للحضارة في ظل التمكين التكنولوجي

تبلغ مساحة المتحف المصري الكبير حوالي خمسمائة ألف متر مربع، ويقدم المعرض الأساسي فيه قيمة التراث المصري القديم عبر نسق تطور حضاري واضح. والداعم لهذا "العرض الحضاري" هو مسار التمكين التكنولوجي الذي تسعى إليه الصين ومصر بنشاط. عندما تلتقي التكنولوجيا الرقمية الصينية بالتراث المصري الممتد لآلاف السنين، فإنها لا تمثل تجديدا لوسائل الحماية فحسب، وإنما أيضا ثورة في نشر الحضارة.

تتوافق الخبرة الناضجة للصين في مجال رقمنة التراث الثقافي بشكل كبير مع احتياجات الحفاظ على التراث في مصر. إن التقنيات التي تستخدمها الفرق الأثرية الصينية في الحفاظ على المواقع الأثرية بالخارج، مثل التصوير الضوئي العالي الدقة والنمذجة الثلاثية الأبعاد، توفر حلا فعالا للبحث عن الآثار عن بعد والحفظ الدائم. هذا المسار التكنولوجي يتردد صداه مع الإستراتيجية الرقمية للمتحف المصري الكبير، حيث تستطيع أجهزة العرض الرقمي المثبتة في المتحف إعادة إحياء المظهر الأصلي للقطع الأثرية، ويؤدي إنشاء الأرشيف الرقمي إلى كسر حواجز اللغة في نشر الثقافة. ومن خلال أشكال التعاون مثل المنتديات الأكاديمية، تجري الصين ومصر التبادلات التكنولوجية حول الحفظ الرقمي للتراث الثقافي، مما يضع أساسا لبناء منصة لتقاسم الموارد الرقمية عبر الحضارات.

أصبح توسيع وظائف المتاحف سعيا مشتركا للبلدين. يخطط المتحف المصري الكبير لإنشاء مركز تعليمي، ويسعى من خلال الدورات المتخصصة لنشر المعرفة الأثرية والتراثية؛ بينما يسمح التطبيق المصغر "القصر الإمبراطوري الرقمي" الذي أطلقه متحف القصر الإمبراطوري في الصين للزوار بتذوق سحر الآثار من دون مغادرة منازلهم. يعمل كلا البلدين بجد لجعل التراث يقترب من الأجيال الشابة. ومن خلال تنظيم أنشطة التبادل الثقافي للشباب بشكل مشترك، وإشراك الشباب في تجارب الحفاظ على التراث، فالبلدان يعملان على جعل الشباب سفراء لنقل الحضارة.

إن تطور صناعة الإبداعات الثقافية يجعل التراث الحضاري يندمج في الحياة العصرية بشكل أكبر. في متجر الإبداعات الثقافية بالمتحف المصري الكبير، يتم التطلع بلهفة إلى المنتجات الاستهلاكية المطبوعة بعناصر من القطع الأثرية الكلاسيكية مثل قناع توت عنخ آمون؛ كما أطلقت شركات الصين للإبداعات الثقافية منتجات تصميمية مستوحاة من الحضارة المصرية القديمة. إن التبادل التلقائي بين البلدين في مجال الإبداعات الثقافية، من خلال التصاميم المبتكرة التي تدمج العناصر الثقافية الخاصة بكل منهما، يفتح طريقا جديدا للتعاون المستقبلي في الصناعات الثقافية.

حوار الحضارات.. من أصداء التاريخ إلى السير نحو المستقبل

من شرفة المشاهدة في المتحف المصري الكبير، تطل على مجموعة الأهرامات لتشكل مع المتحف الحديث مشهدا للحوار يمتد عبر خمسة آلاف سنة. هذه الصورة هي استعارة حية للعلاقات الصينية- المصرية، حيث تقوم دولتان عريقتان لديهما خمسة آلاف سنة من الحضارة ببناء اتصال عميق في مجال التراث الثقافي.

هذا الارتباط متجذر في تجارب تاريخية وقيم مشتركة. عندما أدت حملة نابليون على مصر إلى فقدان كميات كبيرة من الآثار، وعندما تسببت حرب الأفيون في تشتت مخطوطات دونهوانغ الصينية، عاشت الدولتان معا ألم نهب تراثهما الثقافي؛ واليوم، بينما يجري الباحثون الصينيون والمصريون أبحاثا مقارنة في الحضارات، ويتقاسمان التكنولوجيا والخبرة في مجال الحفاظ على التراث، فإن الدولتين تكتبان معا فصل إحياء الحضارة. هذا التحول من "الألم المشترك" إلى "الحماية المشتركة" يشكل الأساس العاطفي للحوار بين الحضارتين الصينية والعربية.

يمزج التصميم المعماري للمتحف المصري الكبير بين لغة العمارة الحديثة وعناصر الحضارة المصرية القديمة. هذا المفهوم القائم على "احترام التقاليد من دون التمسك بها بشكل متعنت" يتطابق مع مبدأ الحفاظ على التراث الصيني القائم على "الإصلاح مع الحفاظ على الأصالة". وقد أجرى الباحثون الصينيون والمصريون بالفعل دراسات مقارنة حول التراث المائي مثل نقوش بايخليانغ ونقوش مقياس النيل، مما يعزز التبادل الأكاديمي لحكمة المياه بين الحضارتين. هذه الممارسات تجعل الصدى الحضاري ملموسا، حيث يشهد التراث المائي الصيني والآثار المصرية لقياس المياه معا على ملاحظة الحضارات القديمة للطبيعة وتقديسها لها، لتصبح "إحداثيات مزدوجة للحضارة" فريدة في نظام التراث العالمي.

تواجه الصين ومصر المستقبل، وقد تشكل لديهما اتجاه واضح للتعاون في مجال التراث الثقافي. سيواصل الجانبان تعزيز التبادلات الأثرية والتقنية المشتركة، وتعزيز التعاون في تدريب الكوادر وتعزيز إنشاء شبكة تعاون أوسع للحفاظ على التراث الحضاري. هذه الإجراءات تتجاوز نطاق التعاون الثنائي، وتضفي مضمونا ثقافيا عميقا لبناء مجتمع المستقبل المشترك بين الصين والعالم العربي. وتتوقع مصر رسميا أن يستقبل المتحف المصري الكبير ما بين خمسة ملايين إلى سبعة ملايين زائر سنويا في المستقبل، وسيصبح هذا المعلم الجديد منصة مهمة للحوار بين الحضارتين الصينية والمصرية، لعرض قوة التبادل الحضاري للعالم.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4