الحرية؛ هذه الكلمة التي تحمل الرغبة الأبدية للبشر، نبتت لها فروع مختلفة ومتألقة في تربة حضارات عديدة. في الإنجليزية، كلمة "freedom" مأخوذة من "frija" في اللغة الجرمانية القديمة والتي تعني "العزيز، المحبوب"، ومن "freo" في اللغة الإنجليزية القديمة، والتي تعني "الحر، غير المستعبد، يعمل وفق إرادته الخاصة". يتضمن المعنى الأصلي "تحرر الفرد من التبعية وقدرته على تقرير مصيره"، ثم تطور تدريجيا وصار يرمز إلى "حالة الاستقلال وعدم الانصياع لإكراه خارجي". في اللغة العربية، ترتبط "الحرية" بـ"الكرامة" و"المسؤولية"؛ في اللغة الصينية، ترجع كلمة "自由" في شكلها الأولي إلى فترة ما قبل أسرة تشين (221- 207 ق.م)، فقد ذكر ((كتاب الأغاني "شيجينغ"))، حالة "العيش في راحة وطمأنينة"، مما يعكس توق الإنسان إلى حياة بلا قيود. وفي كتاب ((تشوانغ تسي)) جاء وصف "التجول بهدوء في عالم اللافعل، والاستلقاء بحرية والراحة تحت شجرة كبيرة"، مما يرسم مشهدا للحرية الروحية بلا قيود.
على مدار آلاف السنين، ظلت الحرية دائما سعيا مشتركا للبشرية، إلا أن فهم الحضارات المختلفة لها وممارستها، يختلف باختلاف السياق التاريخي والجينات الثقافية، ولكل منها تركيزه الخاص. من خلال ثلاث قصص عبر الزمان والمكان، قد نتمكن من إلقاء نظرة على تفسير الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية والحضارة الصينية للحرية، وبيان أن مفهوم "التناغم مع الاختلاف" هو أساس ثمين للتعلم والاستفادة المتبادلة بين الحضارات.
الحضارة الغربية.. حرية المواطن وحماية المجتمع
جوهر مفهوم الحرية في الحضارة الغربية هو "التوازن بين حقوق الفرد والقيود القانونية"، ويرجع إلى اليونان القديمة. في القرن الرابع قبل الميلاد في أثينا، تغلب الخطيب ديموستيني على عجزه عن الكلام وألقى خطاب الفيليبيك في الجمعية العامة للمواطنين لاستعادة ممتلكاته المغتصبة والدفاع عن مدينته ضد غزو مقدونيا، داعيا المواطنين لحماية ديمقراطية المدينة وحرية التعبير. وقد قال الفيلسوف الروماني ماركوس توليوس سيسيرو: "لكي نكون أحرارا، نحن خدام للقانون." ومع تطوير هذا المفهوم في عصر التنوير من خلال أفكار جون لوك حول "الحقوق الطبيعية" ونظرية العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، تشكل تقليد "الحرية القائمة على الحقوق، حيث تكون حرية الفرد مقيدة بالقانون، ويلزم الفرد التنازل عن بعض الحقوق للمجتمع من أجل ضمان حرية أوسع، وهذا أصبح الجوهر الأساسي لفهم الحضارة الغربية للحرية.
الحضارة الإسلامية.. التعايش بين حرية العقيدة والمسؤولية
في عام 1187، كانت الشمس الحارقة تضرب الأسوار الحجرية لمدينة القدس. فتحت بوابات المدينة ببطء، ألقى جنود الحملة الصليبية أسلحتهم وغادروا المدينة، بينما وقف القائد المسلم ممتطيا صهوة جواده أمام التشكيل، ولم يصدر أي أمر بالقتل. إنه مؤسس الدولة الأيوبية، الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وقد أصبح هذا "الفتح الحضاري" الذي سجل في التاريخ، تجسيدا حقيقيا لتعايش الحضارة الإسلامية بين حرية العقيدة والمسؤولية.
أصدر صلاح الدين أولا أمرا يحظر على الجنود إيذاء المدنيين، وعدم تدمير الكنائس والرموز المسيحية. استجاب لطلب النبلاء بـ"الفدية مقابل مغادرة آمنة"، وسمح أيضا لآلاف المسيحيين الذين لم يستطيعوا دفع الفدية بمغادرة المدينة حاملين أمتعتهم الشخصية، وكان هذا التسامح تناقضا حادا مع أعمال العنف التي ارتكبها الصليبيون سابقا.
وعندما تساءل البعض عن ذلك، أجاب صلاح الدين: "لقد استعدنا المدينة المقدسة لحماية حرية العقيدة، وليس لحرمان الآخرين من حرية الاعتقاد." وشرح أكثر قائلا: "خلق الله شعوبا ذات عقائد مختلفة لتتعرف على بعضها البعض، وليس لقمع بعضها البعض. حماية الضعفاء واحترام معتقدات الآخرين، واجب على كل حاكم، وهذه المسؤولية لا تقل أهمية عن العقيدة نفسها."
هذا النوع من "الحرية المرتبطة بالمسؤولية" هو جوهر الحضارة الإسلامية؛ فالعقيدة تمنح الإنسان حرية السعي لتحقيق العدالة، والمسؤولية ترسم حدود هذه الحرية، وخشية الله، واحترام الآخرين وتحمل المسؤولية الاجتماعية، تشكل معا المعنى الكامل للحرية.
الحضارة الصينية.. حرية العقل والعريكة وعالم بدون قيود
في عصر الممالك المتحاربة (475- 221 ق.م)، كان هناك عجوز يصطاد السمك على ضفة نهر بوشوي. عندما أرسل الملك وي لمملكة تشو مبعوثا إليه حاملا ألف جين (جين وحدة وزن صينية تساوي نصف كيلوغرام) من الذهب ومائة عربة حصان لدعوته لتولي منصب رئيس الوزراء في مملكة تشو. سأل العجوز المبعوث: "سمعت أن هناك سلحفاة مقدسة في مملكة تشو عاشت ثلاثة آلاف عام، وبعد موتها لفها الملك تشو في حرير ووضعها في معبد الأسلاف تكريما لها. هل تعتقد أن هذه السلحفاة ترغب في أن تقدس بعد موتها أم أنها تفضل أن تزحف حية في الطين؟" فأجاب المبعوث: "بالطبع تفضل أن تزحف حية". ابتسم العجوز وقال: "اذهبوا إذن، فأنا أريد أن أكون تلك السلحفاة التي تزحف بحرية في الطين."
هذا العجوز هو الفيلسوف الصيني الكبير تشوانغ تسي. هذه القصة المذكورة في كتابه ((تشوانغ تسي)) تعد تجسيدا حيا لفكرة الحرية في الطاوية القائمة على مفهوم "الطاو يتبع طبيعته الخاصة". عاش تشوانغ تسي في فقر وبؤس طوال حياته، وكان يكسب رزقه من نسج الأحذية من القش، ومع ذلك لم يهتم أبدا بدعوات أصحاب السلطة والمال. في ((رحلة سعيدة "شياوياويو"))، المقالة الأولى في كتاب ((تشوانغ تسي))، وصف تشوانغ تسي المشهد الرائع التالي: "كان هناك سمك في بحر الشمال اسمه 'كون'. بالنسبة لحجمه الهائل، لم يكن أحد يعرف مدى امتداده لألف ميل أو أكثر. وعندما تحول إلى طائر، سمي 'بنغ'، لم يعرف أحد حجم ظهره لألف ميل أو أكثر." هذا المشهد يعكس توقه إلى الحرية التي تنعتق من قيود الدنيا. والمقصود بـ"التحرر الكامل" هو التحرر من التعلق بالجاه والمال والسلطة والمكانة، وحتى الجسد نفسه، ومجاراة الطبيعة الأصلية.
على عكس الطاوية التي تؤكد على "التكيف مع الطبيعة"، تدور رؤية الحرية عند الكونفوشية دائما حول "الوعي الأخلاقي" و"المسؤولية الاجتماعية". ما طرحه كونفوشيوس من أنه "من خلال ضبط النفس لجعل الكلام والسلوك متوافقين مع الآداب، يمكن للمرء أن يصل إلى المثالية الكونفوشية، وهي الرحمة"، يمثل جوهر رؤية الحرية عند الكونفوشية: من خلال كبح الرغبات الشخصية والالتزام بالمعايير الأخلاقية للمجتمع، يمكن الوصول في النهاية إلى مستوى الحرية حيث "يمكن للإنسان أن يفعل ما يحب دون أن يتجاوز القوانين والضوابط". جاب كونفوشيوس الممالك طوال حياته ناشرا فكرة "الرحمة"، ورغم تعرضه للعديد من الصعاب، ظل متمسكا بقلبه ولم يتزعزع بسبب الظروف الخارجية. عندما حوصر بين مملكتي تشن وتساي، وقطع عنه الغذاء لمدة سبعة أيام، ظهر أثر الجوع على جميع تلاميذه، حتى أن بعضهم بدأ يتزعزع. سأل تسي لو معلمه كونفوشيوس بغضب: "هل يمكن للرجل الفاضل أن يقع في مأزق أيضا؟" فأجاب كونفوشيوس بهدوء: "الرجل الفاضل، حتى لو وقع في مأزق، يمكنه المحافظة على المبادئ الأخلاقية، ولا يتصرف بتهور من أجل البقاء، أما الرجل الحقير، إذا وقع في مأزق، فإنه ينتهك القيود الأخلاقية ويفعل ما يتعارض مع قلبه." في نظر كونفوشيوس، الحرية الحقيقية هي القدرة على التمسك بالمبادئ الأخلاقية سواء في السراء أو الضراء، من دون أن تتأثر بالظروف الخارجية.
كما جسد تاو يوان مينغ، الشاعر المشهور في فترة أسرة جين الشرقية (317- 420م)، طوال حياته، "حرية العقل والعريكة". كان تاو يوان مينغ يشغل منصب رئيس محافظة بنغتسه، وجاء ضابط يتولى منصب دويو (مسؤول بشكل رئيسي عن مراقبة مسؤولي المحافظات ونشر الأوامر الحكومية والشؤون القضائية) إلى محافظة بنغتسه لتفقد العمل. كان هذا الشخص ضابطا فاسدا. وقد قال تاو يوان مينغ، عندما نصحه مرؤوسه بإعداد الهدايا والترحيب باحترام: "لا أستطيع أن أنحني أمام رجل حقير مقابل راتب قاض إداري قليل." وفي نفس اليوم، استقال وانعزل للعيش حياة هادئة. ومنذ ذلك الحين، عاش حياة منعزلة. ورغم نقص الغذاء أحيانا، ظل صادقا مع نفسه: "لا تحزن لفقر، ولا تطمع في الثروة بقلق"، كانت حريته تتمثل في استقلال الشخصية ووعي أخلاقي لا يلين أمام النفوذ أو الراتب.
بحلول فترة أسرة مينغ (1368- 1644م)، ارتقى المفكر والفيلسوف والقائد العسكري وانغ يانغ مينغ بفكرة "حرية العقل والعريكة" إلى مستوى جديد. عوقب ونفي إلى لونغتشانغ في مقاطعة قويتشو بجنوب غربي الصين، بسبب إثارته غضب خصم قوي يدعى ليو جين، وكانت لونغتشانغ أرضا "قاحلة موحشة"، حيث كان من الممكن أن يتعرض لهجوم الحيوانات البرية في أي لحظة. في أكثر الأيام يأسا، لم يستسلم وانغ يانغ مينغ، بل ظل يجلس كل يوم في الكهف للتأمل، وفي النهاية أدرك فكرة "العقل هو المبدأ"، أي أن حرية الإنسان ليست في الظروف الخارجية، بل فيما إذا كان "ضميره" مستيقظا. طالما تمسك الإنسان بضميره، حتى في مواجهة الشدائد، يمكنه أن ينال السلام والحرية الداخليين. ظل وانغ يانغ مينغ طوال حياته ينشر "فلسفة يانغ مينغ"، داعيا إلى "وحدة المعرفة والعمل". وكان يرى أن الحرية ليست "القيام بكل ما تريد"، بل هي "معرفة ما هو الصواب والعمل به بثبات، ومعرفة ما هو الخطأ والامتناع عنه بحزم"، وفي ضوء ضمير الإنسان يتحقق التوافق بين القول والفعل وراحة النفس.
وعند استعراض تطور الفكر الصيني عبر آلاف السنين، يعتقد الصينيون أن جذور الحرية تكمن في القلب، وتنشأ من الاكتفاء والوضوح الداخليين، لا من الخارج. سواء كانت حرية تشوانغ تسي المتمثلة في التحرر من قيود المنصب، أو استيقاظ "ضمير" وانغ يانغ مينغ في لونغتشانغ، فإن كليهما يؤكد حكمة "البيئة التي يعيش فيها الإنسان، والأشخاص الذين يلتقي بهم، والظروف التي يواجهها، تتغير مع تغير حالته النفسية." والحرية ليست إسرافا؛ ففي الحضارة الصينية، كانت الحرية دائما مقيدة بـ"الطاو" و"الفضيلة"، فمدرسة الطاوية تشدد على "التوافق مع قانون الطبيعة"، والمدرسة الكونفوشية تتمسك بـ"الضمير" الداخلي. هذه الحرية ليست "القيام بكل ما تريد"، بل هي "القيام بما ينبغي فعله بثبات، والامتناع عما لا ينبغي فعله بحزم"، مما يحقق وحدة الشخصية والقيمة ضمن الإطار الأخلاقي، وفي النهاية يصل إلى أعظم مستوى من الحرية المتمثل في "يمكن للإنسان أن يفعل ما يحب من دون أن يتجاوز القوانين والضوابط".
عندما نعيد النظر في هذه القصص الثلاث: ديموستيني يدافع عن حرية المدينة في جمعية مواطني أثينا، صلاح الدين يحمي حرية العقيدة في القدس، وتشوانغ تسي يتمسك بحرية النفس على ضفة نهر بوشوي، نكتشف أن فهم الحضارات المختلفة للحرية قد يختلف، لكنها تتشارك في السعي الأساسي المتمثل في "تحرر الإنسان من القيود وتحقيق قيمة الذات". الحرية لم تكن أبدا ملكا خاصا لحضارة معينة، بل هي نور مشترك للبشرية جمعاء. وعندما تتمكن الحضارات المختلفة من الاستماع إلى الآخرين مع المحافظة على سماتها المميزة، سيصبح "نور الحرية" أكثر إشراقا، ويضيء الطريق لمستقبل الحضارة الإنسانية.
--
شين جينغ، باحث مساعد في قاعدة أبحاث التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات الصينية والأجنبية بمعهد بحوث كونفوشيوس في مدينة تشيويفو بمقاطعة شاندونغ.
