تتواصل الثقافة الصينية وتتطور مع الزمن منذ آلاف السنين، لأن الشعب الصيني يولي أهمية كبيرة لتوارث وتطوير الحضارة منذ العصور القديمة، ويعتبر تأسيس الفضيلة وترك أقوال وحكم خالدة وإنجاز أعمال جليلة إسهامات خالدة تتجاوز حياة الجسد الفانية. وعندما تواجه الأمة الصينية خطر الزوال والفناء، أو تكون حضاراتها في وضع أن تكون أو لا تكون، ينبري العديد من المخلصين والمفكرين بحماسة كاملة وتصميم على التضحية بالنفس لإضاءة شعلة الأمل في أحلك الأوقات، وإعادة وصل خيط الثقافة المهدد بالانقطاع، وتمكين الحضارة الصينية من تجاوز الزمان والمكان والاستمرار في الازدهار. وتعد قصة نقل القطع الأثرية من القصر الإمبراطوري في بكين إلى جنوبي الصين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين تجسيدا لتلك الروح.
شيد القصر الإمبراطوري خلال فترة أسرتي مينغ (1368- 1644م) وتشينغ (1644- 1911م)، وهو مجمع معماري إمبراطوري قديم عمره ستة قرون، وقد سكنه أربعة وعشرون إمبراطورا. يحوي القصر الإمبراطوري ملايين الكنوز الوطنية، بدءا من التحف البرونزية من فترة أسرة شانغ (القرن 16- 11 ق.م) وفترة أسرة تشو (القرن 11- 256 ق.م)، ومرورا بأعمال فن الرسم والخط من فترة أسرة تانغ (618- 907م) وفترة أسرة سونغ (960- 1279م)، والتحف الخزفية من فترة أسرة يوان (1271- 1368م) وفترة أسرتي مينغ وتشينغ، ووصولا إلى الكتب والأرشيفات عبر العصور المتعاقبة. وتشكل هذه الآثار الوطنية الصامتة، بوجودها المستمر بلا انقطاع، أقوى دليل على استمرارية الحضارة الصينية لأكثر من خمسة آلاف عام، رغم ما واجهته من عواصف تاريخية وتقلبات كبرى. في عام 1925، تحول هذا القصر التاريخي إلى متحف القصر الإمبراطوري، فصار خزانة ثقافية مفتوحة أمام الجمهور. غير أنه، بعد ست سنوات فقط، واجهت هذه الكنوز الوطنية التي شهدت تقلبات الدهر أزمة غير مسبوقة.
في عام 1931، افتعلت القوات اليابانية المعتدية حادثة 18 سبتمبر، فسقطت منطقة شمال شرقي الصين تحت الاحتلال الياباني وأصبح كل شمالي البلاد في خطر داهم. في ذلك الوقت، كان يي بي جي، مدير متحف القصر الإمبراطوري آنذاك، ومعه عدد من العاملين بالمتحف، على يقين بأن "الدولة إذا سقطت، فقد تبعث من جديد؛ أما الثقافة إذا اندثرت، فلن يكون لها أي علاج"، فسعوا بكل قوة لنقل القطع الأثرية من القصر الإمبراطوري في بكين إلى جنوبي الصين. غير أن شخصيات بارزة في ذلك الحين اعتبرت هذا القرار إشارة إلى التخلي عن بكين والاستعداد للفرار، فهاجمت يي بي جي بقسوة. وأمام الضغوط الداخلية والخارجية، اختار العاملون في القصر المضي قدما في صمت، متسلحين بشعور عميق بالمسؤولية. كان أكثر من مليون قطعة أثرية؛ من آنية الخزف الرقيقة كأجنحة الجنادب إلى طبول الحجر التي يناهز وزنها طنا كاملا، بحاجة إلى طرق تغليف مثالية، رغم قلة الخبرة. ففتحوا صناديق نقل الخزف الأصلية التي تعود إلى عهد الإمبراطور تشيان لونغ من أسرة تشينغ، وتعلموا الطرق التقليدية؛ كما استقدموا حرفيين مخضرمين من منطقة ليوليتشانغ ليتعلموا منهم أسرار الحرفة. واستغرقت عملية التغليف ما يقرب من عام كامل. وكانت كل ورقة وكل قطعة قطن وكل قشة، تنبض بتوقير الحراس الذين "اعتبروا الآثار أثمن من حياتهم".
في الخامس من فبراير عام 1933، تم نقل الدفعة الأولى المكونة من 2118 صندوقا خشبيا كبيرا مختوما، تحت حراسة مشددة من الجنود والشرطة خارج المدينة المحرمة، ووضعت على قطارين كانا ينتظران في محطة بكين الغربية للقطارات. في صباح السادس من فبراير، انطلق القطاران جنوبا. لم يسلك القطاران خط تيانجين- بوكو الذي كان معرضا للقصف، وإنما سارا على خط بكين- هانكو، مرورا بتشنغتشو ثم إلى شيويتشو، وصولا إلى بوكو، ثم نقلت الشحنة عبر الممر المائي إلى منطقة الامتياز الفرنسي في شانغهاي. وبحلول الخامس عشر من مايو، تمت عملية نقل 19557 صندوقا من الآثار الثقافية. بعد اكتمال بناء مستودع قصر تشاوتيان في نانجينغ عام 1936، نقلت الآثار المخزنة في شانغهاي إلى نانجينغ على خمس دفعات. وعندما شنت اليابان حرب الغزو الشاملة ضد الصين في عام 1937، واجهت الآثار المخزنة في مستودع قصر تشاوتيان في نانجينغ تهديدا أكبر، فتم نقلها مرة أخرى عبر ثلاث طرق (جنوبية ووسطى وشمالية) إلى مناطق في جنوب غربي الصين في رحلة أكثر صعوبة وخطورة.
عبر الطريق الجنوبي، تم نقل 80 صندوقا من "أندر الكنوز"، بما في ذلك مخطوطة ((صفاء الجو بعد تساقط الثلج)) ولوحة ((ألوان الخريف على جبلي هوابوتشو وتشيويشان))، تحت إشراف خبير الآثار والمتاحف الصيني الشهير في العصر الحديث، تشوانغ يان. سار تشوانغ يان وزملاؤه عبر طرق مائية وبرية بالتناوب، مرورا بتشانغشا وقوييانغ، وأخيرا أخفوا الآثار سرا في كهف هوايان بضاحية مدينة آنشون في مقاطعة قويتشو، وهو كهف كارستي طبيعي ضخم، محاط بأشجار قديمة كثيفة عند مدخله، مما جعله مخبأ شديد التخفي. خلال السنوات الست التي قضوها في حراسة الكهف، عاش تشوانغ يان وزملاؤه حياة قاسية فكان طعامهم خشنا مختلطا بالحصى وقشور الحبوب، وملابسهم رثة، بينما كان عليهم اليقظة طوال الوقت حذرين من الرطوبة والحريق والقوارض، كما كان عليهم تجفيف لوحات الخط واللوحات الفنية بانتظام وبدقة متناهية.
كان عدد الآثار في الطريق الأوسط هو الأكبر، ورحلته هي الأكثر اضطرابا. تم نقل تسعة آلاف صندوق من الآثار عبر نهر اليانغتسي إلى تشونغتشينغ، ثم بعد ذلك إلى بلدة آنقو في مدينة لشان بمقاطعة سيتشوان، لتجنب الغارات الجوية. قال ابن أويانغ داو دا، أحد المسؤولين عن النقل، إن الرحلة شهدت حوادث مثل انقلاب السيارات وسقوط الصناديق في الماء، لكن بفضل التغليف الدقيق، كانت الخسائر ضئيلة للغاية. ومع ذلك، كانت التضحية لا مفر منها. فقد سقط الموظف تشو شيويه في فتحة غير مغطاة بحجرة الشحن أثناء فحص مواقع البضائع، وتوفي متأثرا بجراحه الخطيرة وهو في الثانية والثلاثين من عمره، ليكون أول من ضحى بحياته من أجل حماية الكنوز الوطنية.
كان الطريق الشمالي يمر عبر مقاطعة شنشي. عبر أكثر من سبعة آلاف صندوق من الآثار طريق تشين- شو القديم، الذي يقال إنه "أصعب من الصعود إلى السماء"، في طريقها إلى جبل آمي. كانت قافلة السيارات تتمايل على الطرق الجبلية الوعرة، التي يحدها جرف شاهق من جانب وهاوية سحيقة من الجانب الآخر، فكان كل منعطف يثير قلقا مروعا.
طوال عملية النقل، جرى تطبيق نظام إداري صارم يكاد يقترب من الكمال. فكل صندوق خشبي كان يحمل رقما مستقلا وسجلا مفصلا، وكانت عملية النقل تتطلب تسجيلا دقيقا وتوقيعات عديدة. هذه الاحترافية والمسؤولية المطلقة، إلى جانب دعم عدد لا يحصى من السكان العاديين المجهولين، الذين أخلوا المعابد والبنايات الدينية لتخزين الآثار، وقدموا المساعدة في نقل الكنوز الوطنية أثناء قصف الطائرات المعادية، أسهمت معا في خلق معجزة "عدم فقدان أو تدمير أي قطعة تقريبا من بين ملايين القطع الأثرية".
بعد الانتصار في الحرب ضد اليابان عام 1945، تم جمع الآثار من الطرق الثلاثة في تشونغتشينغ أولا، ثم نقلت على دفعات إلى قصر تشاوتيان في نانجينغ عام 1947. ومن أواخر عام 1948 إلى أوائل عام 1949، عشية تحرير البر الرئيسي للصين، أرسلت حكومة الكومينتانغ 2972 صندوقا من الآثار إلى تايبيه. بدءا من عام 1951، عادت الآثار المتبقية في نانجينغ تباعا إلى القصر الإمبراطوري في بكين، بينما خصص جزء منها لمتحف نانجينغ.
إن عملية نقل القطع الأثرية من القصر الإمبراطوري في بكين إلى جنوبي الصين لم تكن مجرد حماية لقطع أثرية، بل كانت نضالا ثقافيا، وقد حافظت على تراث الحضارة وكرامتها في لحظة مصيرية للأمة. لقد كانت مبادرة جبارة للحماية المشتركة للتراث الإنساني، حيث يعد مداها الزمني الطويل ونطاقها الواسع ورحلتها الشاقة وحفظها الممتاز، معجزة في تاريخ الحرب والثقافة العالميين، وقدمت نموذجا شرقيا لحماية التراث الثقافي في ظروف قاسية للبشرية جمعاء. لقد أثبتت هذه العملية أن حيوية الحضارة متجذرة في الإيمان المشترك بقيمتها والالتزام بحمايتها عبر الأجيال، كما أثبتت أن أقوى حيوية لأي حضارة لا تكمن فقط في سمو إبداعها، وإنما أيضا في عمق حمايتها ومرونة استمرارها.
إن الغريزة الإنسانية لحماية الحضارة تخلق مشاهد متناغمة تتجاوز الجبال والبحار. وبعد عقود من عملية نقل القطع الأثرية من القصر الإمبراطوري في بكين إلى جنوبي الصين، شهد العالم العربي معركة أخرى مذهلة لحماية الحضارة خاضها العاملون في دار الكتب والوثائق الوطنية العراقية وسط أهوال الحرب.
أثناء حرب العراق عام 2003 وفي سنوات الاضطرابات التي تلتها، واجهت دار الكتب والوثائق الوطنية العراقية في بغداد (تأسست عام 1920) وكنوزها تهديدا خطيرا بالنهب والحرق والتدمير المنهجي. تضم الدار مخطوطات ثمينة وخرائط تاريخية وأرشيفات حكومية وكتبا قديمة وصحفا تعود لفترة تمتد من عصر الدولة العثمانية إلى العصر الحديث، مما يجعلها ذاكرة أساسية لتاريخ العراق وحتى العالم العربي. مع توسع الحرب، تعرضت بناية الدار نفسها للتدمير، وأحرقت أو نهبت بعض المقتنيات.
في مواجهة هذه الكارثة الثقافية، تحركت مجموعة من أمناء المكتبات والعلماء والمواطنين العاديين في بغداد، غير مبالين بسلامتهم الشخصية، وتسللوا إلى الدار خلال فترات التوقف المؤقت للصراع، وأنقذوا بأيديهم الآلاف من المخطوطات والأرشيفات الهشة من بين الحطام والبنايات التي اشتعلت فيها النيران. لتجنب المزيد من النهب والتدمير، أخفوا الوثائق المنقذة في منازل خاصة وأقبية وغرف تخزين في مساجد متنوعة في أنحاء بغداد، حتى أنهم نقلوها إلى مدن شمالية أكثر أمانا. كانت العملية محفوفة بالمخاطر، حيث اضطروا لعبور مناطق القتال وتفادي تفتيش المسلحين وتحمل ضغوط نفسية هائلة. وقد شارك كثيرون من دون أن يعرفهم أحد، ومن دون السعي إلى شهرة أو مكسب، فقط لحفظ الذاكرة المشتركة للأمة.
بعد ذلك، بدأت عملية ترميم ورقمنة على نطاق أوسع، بدعم من منظمات دولية (مثل اليونسكو) وباحثين عراقيين في الخارج. كانت وثائق كثيرة من التي تم إنقاذها قد تعرضت للبلل أو الدخان أو التمزق. وفي ورش متخصصة في بغداد والعاصمة الأردنية عمان، اجتمع خبراء ترميم الوثائق من العراق ومن مختلف أنحاء العالم، وباستخدام أساليب تجمع بين الحرف التقليدية والتكنولوجيا الحديثة، بدأوا عملية الترميم الدقيقة وإزالة الحموضة وتثبيت هذه الوثائق، ثم رقمنتها تدريجيا للمحافظة على محتواها إلى الأبد. حتى الآن، تم إنقاذ ورقمنة مئات الآلاف من الصفحات من الوثائق الثمينة، مما أتاح إعادة فتح هذا التاريخ للباحثين والجمهور.
عملية الإنقاذ التلقائية التي بدأها عراقيون عاديون، تعكس حقا العمق الثقافي المقدس والمرونة الجماعية المتأصلة في تربة الحضارة العربية. لقد كانت مقاومة حزينة وناجحة ضد قوى تدمير الحضارة، فما تمت المحافظة عليه لم يكن مجرد ورق وحبر، وإنما الهوية التاريخية واستمرارية أمة بأكملها.
نهر الحضارة يتدفق بلا توقف. حتى لو شاخت الأدوات وتلفت المخطوطات، فإن روح حماية الحضارة والإخلاص للمعرفة وتحمل مسؤولية الإرث والإيمان بالمستقبل، تظل كبذور مدفونة تحت الأرض، تنتظر دائما ربيعها لتزهر. إن التمسك الصارم الذي أظهرته الحضارتان الصينية والعربية في حماية المعرفة التقليدية، والإخلاص الذي أبداه أبناء الشعب في حماية الحضارة بأرواحهم عند مفترق طرق استمرارية الحضارة، يجسدان إسهام هاتين الحضارتين العظيمتين للإنسانية جمعاء في مجال المحافظة على استمرارية الحضارة.
--
سونغ ينغ، مدير قسم التبادلات الأكاديمية بمعهد بحوث كونفوشيوس في مدينة تشيويفو بمقاطعة شاندونغ.
