الاسم الصيني لكتاب ((مبادئ الحكم في الصين القديمة)) هو ((تشيونشو تشيياو 360)). كلمة "تشيونشو" تعني مجموعة الكتب، وكلمة "تشيياو" تعني مبادئ الإدارة والحكم. ومن ثم فإن ((تشيونشو تشيياو)) عبارة عن مجموعة من الكتابات حول المبادئ المهمة للحكم، ويحتوي على مقتطفات من العديد من الكتب الكلاسيكية وكتب التاريخ، وأعمال الأتقياء والحكماء، ويتضمن النصائح والسبل والملاحظات التاريخية حول نجاح وفشل الحكم الإمبراطوري للصين. تأخذنا تلك المجموعة من الكتب عبر آلاف السنين من التفكير السياسي الصيني، وتقدم لنا بعضا من مبادئ القيادة القيمة التي ساعدت إمبراطور أسرة تانغ العظيم (618- 907م)، الإمبراطور تاي تسونغ (599- 649م)، في تأسيس عصر تشنقوان لأسرة تانغ، وثبتت صلاحيتها كنقاط مرجعية للقادة المعاصرين. وبالنسبة لعامة الناس، تمثل تلك المجموعة من الكتب مصدرا عظيما للإلهام لتحسين الذات، وإدارة العلاقات العائلية والإنسانية. وفي عام 2017، تعاونت مجموعة "بيت الحكمة" للثقافة ودار هواون للنشر في إعادة نشر 360 فقرة من هذا الكتاب المهم باللغة العربية، ليتعرف القارئ العربي على خلاصة الحكمة الصينية، ويرى بنفسه أن هذه المبادئ والنصائح صالحة لكل مكان وزمان، ولكل دولة وشخص. تضم هذه النسخة من ((تشيونشو تشيياو 360)) محتويات ((تشيونشو تشيياو)) في ستة فصول، وهي تحديدا: طريق الزعيم، طريق الوزير، فضائل الاحترام، حول موضوع الإدارة، الحذر بإجلال، التمييز. ولكل فصل عناوين فرعية تجسد النقاط المعنية الرئيسية، لتساعد هذه النسخة القراء على فهم جوهر ((تشيونشو تشيياو)).
في بداية عصر تشنقوان أصدر الإمبراطور تاي تسونغ مرسوما إمبراطوريا بجمع وترتيب ((تشيونشو تشيياو)). وبينما كان تاي تسونغ في السادسة عشرة من عمره، سجل نفسه في الجيش وانضم إلى قوات أبيه في محاولة لوقف الاضطرابات التي كانت جارية في المجتمع. ولأكثر من عشر سنوات أقلم نفسه مع الشؤون العسكرية. وبعدما اعتلى العرش في سن الثامنة والعشرين وضع درعه وبدأ في نشر الثقافة والتعليم، وأولى اهتماما خاصا لمبادئ الحكم، وجلب السلام للبلاد. سعى إلى إنهاض الأمة بعد الصراع الأهلي من خلال استعادة النظام في الحياة، والإنصات إلى أعباء عامة الشعب، وزيادة الرخاء.
وعلى الرغم أن تاي تسونغ كان ذكيا شجاعا وفصيحا، فإنه شعر بالندم بسبب حملاته العسكرية المبكرة التي حالت بينه وبين الحصول على الكثير من التعليم الرسمي. وقد تعلم أيضا من الأخطاء التي ارتكبتها أسرة سوي (581- 618م) التي سقطت، وأدرك أن بدء أسرة إمبراطورية جديدة ليس مهمة يسيرة، وأن المحافظة على استمرارها مهمة أصعب. وفي عهده شجع وزراءه على أن يشرحوا له أخطاءه وأن ينتقدوا بصراحة سياساته الإمبراطورية. ولكي يعوض الوقت الذي ضاع، أمر تاي تسونغ عددا من مستشاريه، منهم وي تشنغ ويوي شي نان وتشو ليانغ وشياو ده يان، بإجراء بحث شامل في السجلات التاريخية حول مبادئ الحكم الإمبراطوري من بين الكتب الكلاسيكية القديمة الستة، وهي ((الأغاني- شيجينغ)) و((التاريخ القديم- شانغشو)) و((الطقوس والشعائر- ييلي)) و((الموسيقى- يويجينغ)) و((التغيرات- ييجينغ)) و((حوليات الربيع والخريف- تشونتشيو))، والمجموعات الأربع للتاريخ، وهي ((التواريخ- شيجي)) وكتاب ((أسرة هان- هانشو)) وكتاب ((أسرة هان الأخيرة- هوهانشو)) و((سجلات الممالك الثلاث- سانقوتشي)) والمذاهب الفكرية "تشوتسي بايجيا" (مئات المدارس)، وهي المذاهب الفلسفية التي انتشرت خلال فترة الربيع والخريف وفترة الممالك المتحاربة (770- 221 ق.م)، وأن يقتبسوا منها الدروس الأكثر أهمية المتعلقة بتهذيب النفس وإدارة العائلة والحكم الجيد وسبل جلب السلام للعالم.
إنها حقا مجموعة نفيسة حول مبادئ الحكم التي يمكن أن تجلب السلام والنظام، والتي "عندما نستخدمها في الوقت الحاضر تتيح لنا التدارس والتعلم من تاريخنا القديم، وعندما ننقلها إلى أحفادنا ستساعدهم على تعلم دروس قيمة في الحياة"، تلك كانت الكلمات التي كتبها المستشار وي تشنغ في مقدمة المجموعة الكاملة. كان الإمبراطور تاي تسونغ مسرورا للغاية بمجموعة الكتب الواسعة والموجزة في نفس الوقت. لم يكن يترك الكتب بعيدا عن عينيه. وقد قال: "ساعدتني مجموعة الكتب للتعلم من القدامى. عندما تواجهني قضايا، أكون على يقين تام بمعرفة ما ينبغي أن أفعل. وكل هذا بفضل جهودكم أنتم، أيها المستشارون." من هنا يمكننا أن نرى أن السلام والرخاء اللذان تحققا في عصر تشنقوان كانا يعزيان إلى حد كبير إلى هذه المجموعة من الكتب. قراءة هذا الكنز ضرورة لكل السياسيين.
ولكن مع بداية فترة أسرة سونغ (960- 1279م) اختفت مجموعة ((تشيونشو تشيياو)) من الانتشار والتداول. السبب في ذلك هو أن الطباعة الخشبية الصينية لم تكن متطورة في تلك الفترة. كما أن تاريخ أسرة سونغ لم يتضمن أي سجلات لتلك مجموعة من الكتب. ومن حسن الحظ أن متحف كانزاوابنكو الياباني يحتفظ من بين مقتنياته بمخطوطة كاملة بخط اليد لمجموعة الكتب نسخها الرهبان اليابانيون خلال فترة كاماكورا (1192- 1330م).
أعاد اليابانيون الكتب إلى الصين في العام الستين لعهد الإمبراطور تشيان لونغ، وصارت تلك الكتب النسخة الرئيسية للكتب الأربعة التي أصدرتها دار النشر التجارية (شانغهاي).
إن الاستقرار والسلام الدائم لكل العالم يمكن تحقيقه من خلال التعاليم الثقافية للحكماء والأتقياء القدامى. الشيء الأهم هو أن الصينيين أنفسهم تعلموا من فهم وتبني هذه التقاليد الثقافية التوقف عن الشك وبدء اليقين. إن تعاليم الأتقياء والحكماء تمثل تجسيدا لطبيعة النفس الحقيقية لكافة الكائنات، والتي تتجاوز الزمان والمكان. وحتى وقتنا هذا ما زالت حقيقية. إن نقاط التعلم الرئيسية تتعلق بكلمتي "الإخلاص والاحترام". وقد قال الإمبراطور كانغ شي لأسرة تشينغ: "عندما يتعامل الحاكم مع شعبه يكون عنصر الاحترام أساسيا." وقال أيضا: "كل التعاليم التي انتقلت إلينا عبر آلاف السنين ليست أكثر من الإخلاص والاحترام." وقال عالم أسرة سونغ المرموق تشنغ يي: "الاحترام ينتصر على كل الشرور."
هذه الأقوال تبين حقيقة أنه لكي نهذب أنفسنا ونرتقي بفضائلنا ونساعد الناس ونفيد العالم، فإن الإخلاص والاحترام فقط يمكنهما مساعدتنا لتحقيق ذلك تماما. إذا افتقرنا إلى الاحترام والإخلاص لتعاليم الحكماء والأتقياء والأباطرة الأفاضل القدماء، فإننا سوف نجني فائدة ضئيلة حتى وإن قرأنا النصوص القديمة بكثافة. لقد أكد كونفوشيوس على أنه استشهد فقط بتعاليم الآخرين ولم يبتدع تعاليم خاصة به. لقد أحب وآمن بتعاليم القدماء.
في حديثه عن المبادئ الثلاثة للشعب (المحاضرة الرابعة لمبدأ الوطنية)، قال السيد صون يات صن: "إن التقدم في العلوم والحضارة المادية في أوروبا تحقق معظمه في المائتي سنة الأخيرة. ولكن عندما يتعلق الأمر بجوهر الفلسفة السياسية، ما زال الأوروبيون بحاجة للنظر إلى الصين للبحث عن إجابات. أيها السادة، أنتم جميعا تعلمون أن أفضل علماء العالم يأتون من ألمانيا. ولكن العلماء الألمان اليوم يدرسون الفلسفات الصينية، فضلا عن البوذية من الهند لتصويب التحيز في العلوم."
الحكم والأفكار والطرق والخبرة ونتائج الحكم، الموجودة كلها في ((تشيونشو تشيياو))، هي بلورة لآلاف السنين من التجارب والمحن. إنها نفيسة حقا، إذ يمكننا أن نفهم فهما كاملا ونطبق تلك المبادئ، وبالتالي يمكن تحقيق سلام العالم ونعيم البشر طبيعيا.
