تمثل الأعياد محطات زمنية مهمة خلال العام. ولكل بلد في العالم أعياده التقليدية الفريدة التي تتسم عادة بطقوس احتفالية متنوعة. في الصين، يعد عيد الربيع، وهو رأس السنة الجديدة حسب التقويم القمري الصيني، أحد أهم أربعة أعياد تقليدية للأمة الصينية، بل أكثرها روعة وحيوية، كما أنه العيد الذي يتطلع إليه الصينيون وينتظرون قدومه بشغف، ولهذا يطلقون عليه "السنة الصينية". تقول كلمات أغنية شعبية معروفة للأطفال بعنوان "أغنية عيد الربيع للأطفال": يا صغيري، يا صغيري، لا تكن متعجلا، بعد عيد لابا في اليوم الثامن من الشهر القمري الصيني الثاني عشر، يقترب الاحتفال برأس السنة. اشرب عصيدة لابا لبضعة أيام، ويحل الثالث والعشرون من الشهر القمري. في الثالث والعشرين، نأكل حلوى 'تانغقوا'؛ في الرابع والعشرين، ننظف البيت؛ في الخامس والعشرين، نعد طعام التوفو؛ في السادس والعشرين، نشتري اللحم؛ في السابع والعشرين، نذبح الديك؛ في الثامن والعشرين، نخمر العجين؛ في التاسع والعشرين، نطهو خبز مانتو على البخار؛ في ليلة العيد، نسهر طوال الليل، وفي أول وثاني أيام الشهر الجديد، نتجول في الشوارع". هذه الأغنية التي تصور بشكل حيوي المشاهد المرحة والصاخبة للاحتفال بعيد الربيع، مدرجة في كتاب اللغة الصينية الموحد للصف الأول الابتدائي بالصين.
أما عيد الفطر، فهو أحد أهم أعياد المسلمين حول العالم، ويعد المناسبة الدينية الأكثر روعة وترقبا لدى المسلمين، إلى جانب عيد الأضحى، فهما العيدان الرئيسيان للمسلمين. يأتي عيد الفطر بعد شهر رمضان، الذي يصوم فيه المسلمون ويخرجون "زكاة الفطر"، ويؤدون صلاة العيد في جماعة، ويتصدقون على الفقراء ويتبادلون التهاني.
وداع القديم والترحيب بالجديد.. المغزى الثابت للأعياد التقليدية الصينية والعربية
عادة ما تكون المناسبات نقطة تحول بين القديم والجديد، تمثل نهاية المرحلة القديمة وبداية مرحلة جديدة. فعلى سبيل المثال، يمثل عيد الربيع بداية السنة القمرية الصينية، وهو محور التحول من القديم إلى الجديد، حيث يمثل نهاية عام قديم وبداية عام جديد، ليس فقط كدورة زمنية مادية، بل أيضا كتجسيد رمزي لتجديد المفاهيم والقيم بين القديم والجديد. استعدادا للعام الجديد، تقوم كل أسرة تقريبا بعملية تنظيف شاملة للمنزل. يشمل ذلك تنظيف الأفنية الداخلية والخارجية، وإزالة الأتربة وشباك العنكبوت المتراكمة على مدار العام، وتنظيف الأدوات المختلفة كالأواني والأطباق، وغسل الشراشف والستائر وتجفيفها تحت الشمس. تنتشر في كل مكان مشاهد النشاط والانشغال حيث يقوم الناس بتنظيف منازلهم ببهجة، استعدادا لاستقبال الربيع الجديد بنقاء وطهارة. ولأن كلمة 尘 "تشن (الغبار)" تنطق مثل كلمة 陈 "تشن (القديم) " في اللغة الصينية، فإن عملية التنظيف تحمل دلالة "إزالة القديم وإفساح المجال للجديد" و"التخلص من العتيق واستقبال الطازج"، بمعنى التخلص من سوء الحظ والطاقات السلبية للعام الفائت، وجلب الحظ السعيد والبركات للعام الجديد، مما يعبر عن رغبة الناس الجميلة في توديع القديم واستقبال الجديد، وأملهم في أن يكون العام الجديد بداية جديدة لكل شيء. بالإضافة إلى "تنظيف الغبار"، هناك مهمة أخرى مهمة ومعقدة للغاية قبيل عيد الربيع، ألا وهي "الذهاب إلى سوق نهاية العام وشراء مستلزمات العيد". يعد شراء الملابس الجديدة بندا أساسيا لا غنى عنه في تحضير مستلزمات العيد، وهذا أيضا أحد أسباب تلهف الأطفال لقدوم عيد الربيع، فالعيد يعني أن يرتدوا ملابس جديدة، فالعيد يجب أن يحمل مظهرا جديدا ووجها جديدا.
يقول الحديث النبوي الشريف: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته." عيد الفطر هو يوم احتفال المسلمين بإكمال صيام شهر رمضان المبارك. استعدادا للعيد، يقوم المسلمون عادة بعملية تنظيف شاملة قبل العيد، تشبه "التنظيف من الغبار" في الثقافة الصينية. حيث تنظف كل عائلة منزلها وتغسل الملابس وتجدد زينة البيئة المحيطة، بهدف توديع القديم واستقبال الجديد، واستقبال العيد بمظهر جديد. بالإضافة إلى ذلك، يشتري المسلمون ملابس جديدة ويطهرون أجسادهم بالاغتسال، حيث يغتسل البالغون اغتسالا كاملا، حفاظا على نظافة الجسد والملبس، رمزا لإتمام الصيام وبدء حياة جديدة. كما يشترون للأطفال ملابس جديدة أيضا، ليبدؤوا بهيئة أفضل، مرحلة جديدة من الحياة المباركة بتقوى الله وإجلاله.
لم شمل الأسرة.. المشاعر الثقافية الكامنة في الأعياد التقليدية الصينية والعربية
يهتم الشعب الصيني بشكل خاص بـ"الأسرة"، ويظل التوق إلى "لم شمل العائلة" وانتظار هذه اللحظة شاغلا لأجيال بعد أجيال. فالمنزل هو مرفأ الروح ومستند المشاعر وملاذ آمن دافئ. والدائرة هي التمثيل الرمزي للثقافة الصينية، تتخللها الفلسفة البسيطة للأمة الصينية، حيث تمثل الكمال والانسجام، وترمز إلى النضج والاكتمال. عيد الربيع هو وقت لم شمل الأسرة، وما يشتاق إليه الصينيون أكثر من أي شيء آخر هو الالتقاء مع أفراد الأسرة وتناول "وجبة عيد الربيع" معا. يشبه الشوق إلى الوطن سرعة السهم، وهي المشاعر الأصدق للمسافرين في هذا الوقت، حيث يندمجون في تيارات سفر العيد، ويتمنون العودة فورا إلى الموطن، ومشاركة اللحظات العائلية مع الأحباء. وحتى لو لم يتمكن الشخص الموجود في الخارج من العودة إلى الوطن، فإن العائلة تضع زوجا من عيدان تناول الطعام له على مائدة "وجبة عيد الربيع" كمشاركة رمزية في الاحتفال. في ليلة رأس السنة الجديدة، يجلس أفراد العائلة كلهم معا لترقب وانتظار السنة الجديدة، يتذوقون الوليمة العائلية الغنية، ويتجاذبون أطراف الحديث حول الذكريات والأخبار الجديدة. إنه حقا مشهد دافئ وسعيد للاحتفال بالعام الجديد.
في الدول العربية، لا يقل شوق المسلمين الذين أدوا فريضة الصيام بعيدا عن أسرهم للالتقاء بأحبائهم عن شوق الصينيين للعودة إلى مواطنهم في الأعياد، حتى إن مشاهد الازدحام في محطات السفر قبيل العيد تشبه إلى حد كبير "موسم السفر الصيني" خلال عيد الربيع. فعيد الفطر ليس مجرد احتفال عابر، بل هو رمز للاجتماع والفرحة والشكر، وأحد أهم لحظات لم شمل العائلة. يعد المسلمون أطباقا تقليدية متنوعة لهذه المناسبة، وبعد صلاة العيد، يجتمع أفراد الأسرة على مائدة غداء احتفالية، يتشاركون خلالها أطباق اللحوم المطهوة والحلويات المقرمشة، ويستذكرون معا تجاربهم الروحية في شهر رمضان، ويستقبلون شهرا جديدا بروح جماعية واحدة.
الدعاء والامتنان.. جوهر الأعياد التقليدية في الصين والعالم العربي
يتمسك الصينيون بالتقاليد الثقافية المتمثلة في "رد الجميل للجذور وتذكر الأسلاف"، حيث يمثل تبجيل السماء وتقديس الأسلاف طقوسا مهمة في الأعياد التقليدية الصينية. في عيد الربيع، يقدس الناس السماء والأرض، متوسلين حماية الأرواح الطبيعية للكون والشمس والقمر. في صباح اليوم الأول من العيد، تضع العديد من العائلات في مناطق مختلفة من الصين مائدة قرابين في وسط الفناء، ترتب عليها مختلف مستلزمات العيد واحدة تلو الأخرى، ثم تقدم عليها "جياوتسي" (كرات عجين محشوة باللحم أو الخضراوات وتسلق في الماء) وتانغيوان (كرات الأرز الدبق)، وتشعل عيدان فول الصويا الجافة المحصودة من الحقل، ثم ينحني أفراد الأسرة تباعا تعبيرا عن التحية الرسمية بإيماءة الركوع، لتقديم قرابين مهيبة للسماء والأرض. خلال فترة عيد الربيع، يذهب الناس أيضا لـ"زيارة مقابر الأسلاف"، حيث يضيفون بعض التراب الجديد على قبور الأسلاف، ويضعون القرابين، لإبلاغهم عن ظروف حياتهم خلال العام الماضي، معبرين ليس فقط عن امتنانهم وتقديرهم، بل ومتوسلين بركة الأسلاف لحماية أحفادهم بالسلامة والصحة، وازدهار العائلة. في ليلة رأس السنة، تزين كل عائلة منزلها بـ"زخارف العيد الحمراء"، مع التركيز على لصق شرائط الربيع المكتوبة بالكلمات الميمونة على جانبي الأبواب والنوافذ، مما يضفي البهجة على أجواء العيد، ويعبر عن آمال بحياة جديدة أفضل في العام القادم. وبالطبع، لا ينسون لصق صورة تقليدية لإله الموقد في المطبخ، متوسلين لإله الموقد أن يحف العائلة بالسلام والسعادة. وتعد زيارة التهنئة بالعام الجديد من الطقوس المهمة في عيد الربيع، تبدأ عادة من داخل العائلة الواحدة. في اليوم الأول للسنة الجديدة، يرتدي الصغار ملابسهم الجديدة، لتقديم التهنئة بالعام الجديد لكبار العائلة أولا، متمنين لهم السعادة والعمر المديد والصحة. وعندما يتلقى الكبار هذه التهاني، يوزعون على الصغار "نقود ياسوي تشيان (نقود في مظروف أحمر)" معدة مسبقا. ولأن كلمة 岁 "سوي (العام)" تشبه في نطقها كلمة 祟 "سوي (الشيطان)" في الصينية، يعتقد أن نقود ياسوي تشيان يمكن أن تكبح الأرواح الشريرة، وهي تميمة يحصل عليها الأطفال من الكبار، لحمايتهم وضمان صحتهم في العام الجديد. لا تكمن أهمية نقود العيد في كميتها، بل في كونها تعكس المشاعر، وبركة الكبار للصغار، لحماية الأطفال ليحيوا عاما جديدا في سلام.
في احتفالات عيد الفطر، لا تخلو المناسبة من كلمات التهاني والتبريكات المتنوعة. حيث تعلق العائلات العربية في منازلها عبارات مثل "عيد مبارك" و"عيد سعيد"، أو تتبادل التهاني شفهيا، داعين الله أن يمن ببركاته على العائلة ويحفظها سالمة كل عام. كما يوزع كبار السن "العيدية" على الأطفال، والتي تشبه "نقود ياسوي تشيان" في الصين، تعبيرا عن أمنياتهم بأن يحظى الأطفال بالسلامة والصحة في العام الجديد. تعد صلاة العيد الاحتفال الديني الأهم والأكبر في الدول العربية خلال عيد الفطر. في هذا اليوم، يغتسل المسلمون ويرتدون أفضل الملابس التقليدية النظيفة والجديدة، ويرددون التسبيح في قلوبهم، متجهين إلى المساجد الكبيرة (أو ساحات الصلاة المفتوحة) لأداء صلاة الجماعة المهيبة. بعد الصلاة، يتصافح المسلمون، ويرددون الصلاة على النبي، ويسلمون على بعضهم بعبارة "السلام عليكم"، كما يزورون الأقارب والأصدقاء ويضيفونهم، ويتبادلون الهدايا التقليدية من أطعمة مثل "الفطائر المقلية" و"الزلابيا"، بالإضافة إلى توزيع "زكاة الفطر" على المحتاجين قبل الصلاة. لا تعزز هذه الممارسات التفاعل والتكافل بين الناس فحسب، بل والأهم تجسد روح التضامن والإحسان، مما يعزز التماسك الاجتماعي والتآزر.
في ظل التطور العميق للعولمة اليوم، أصبحت دول العالم مجتمع المستقبل المشترك الذي يتقاسم الأفراح والأتراح. إن مفاهيم "توديع القديم واستقبال الجديد" و"لم الشمل العائلي" و"الدعاء والامتنان" ليست مجرد موضوعات تعبر عنها الأعياد التقليدية الصينية والعربية فحسب، وإنما أيضا مشاعر ووعي مشترك بين البشرية جمعاء. فقط من خلال امتلاك قلب ممتن والتضامن والمحبة والابتكار والتطوير، يمكننا تحقيق التعايش والازدهار المشترك وتعزيز بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية بشكل فعال، وبالتالي دفع السلام والتنمية في العالم.
--
سونغ تشن تشونغ، باحثة مساعدة في قاعدة أبحاث التبادل والتعلم بين الحضارات الصينية والأجنبية بمعهد بحوث كونفوشيوس في مدينة تشيويفو بمقاطعة شاندونغ.
