ثقافة وفن < الرئيسية

العزم على الذهاب.. احتمالات البدء من جديد

: مشاركة
2026-02-14 14:33:00 الصين اليوم:Source مي عاشور:Author

الأفق الغائم ليس الصورة الوحيدة المحتومة، وحضوره لا يعني أن تبتلعنا عتمة أبدية؛ لأنه في بعض الأحيان، يصحب وجود الظل الغائم ضوء يومض من بعيد، قد يكون نقطة تحول، حلما، شغفا، أو حتى بداية جديدة غير متوقعة.

قضاء أيام متتالية متشابكة ومتشابهة، والاضطرار لقبول وضع ما يثقل القلب، ويخمد نور الروح، لا خلاص منه سوى بخطوة جسورة، وقرار حاسم. فحيز تحقيق الأحلام يتسع بتلك الخطوة المفاجأة، التي تقلب حياة المرء رأسا على عقب، وتجعله يحقق ما يتطلع إليه. وهذا ما يطرحه الفيلم الصيني ((العزم على الذهاب)).

يحكي الفيلم قصة حقيقية لسيدة خمسينية، كانت في الماضي شابة طموحة تتملكها رغبة في التعليم والالتحاق بالجامعة. ولكن حياتها أخذت مسارا آخر لم تسع إليه، مسارا اقترن برغبات الآخرين دائما. فقد منعها والدها من الالتحاق بالجامعة، وبعدما تزوجت، لم يكن زوجها شخصا يعتمد عليه، بل كان كل ما يفعله هو التقليل من شأنها وزعزعة ثقتها بنفسها، فضلا عن التعامل معها بشكل سيئ. وحينما أرادت الطلاق عارضها أهلها. فبدأت هذه السيدة تتنازل، تباعا، عن طموحاتها وحقوقها، وسرعان ما تبخرت أحلامها، حتى اكتشفت أنها في الواقع تنازلت عن نفسها وشخصيتها ومحت وجودها. تحولت إلى امرأة منطفئة، كل ما تفعله أنها تهب حياتها إلى من حولها وتضحي من أجلهم، بلا كلمة شكر أو امتنان.

ذات يوم، انتابتها نوبة غضب شديدة بسبب مضايقة زوجها لها، لدرجة أنها جرحت نفسها وذهبت إلى المشفى، وحينها شخصت بأنها مصابة باكتئاب حاد. وبعدما خرجت من المشفى، ذهبت للتمشية. وهي تسير في الشارع رأت مجموعة من سيارات الرحلات المتنقلة، تتوقف إلى جانبها، ويمد رجل رأسه من نافذة إحدى السيارات، ويسألها إذا كان هناك مكان قريب للتخييم خاص برحلات الطريق. وعندما سألته ما هي رحلات الطريق؟، أجابها الرجل: "هي قيادة السيارة إلى وجهة بعيدة في رحلة طويلة الأمد، فقد استغرقت رحلتنا ثلاثة أشهر، فنحن دائما على الطريق."

وعندما سألته وكيف ينامون، قال لها إنهم يحملون معهم خيمة، كما أن السيارات الترفيهية بها سرير ومزودة بمرافق أخرى.

ومنذ هذه اللحظة، بدأ شيء يتنامى بداخلها، وكأن كل الأحلام والقرارات المؤجلة التي دفنت بداخلها طفت فجأة وأخذت تتوامض مجددا أمام عينيها. فتملكتها رغبة في الانطلاق، وشغف خوض تجربة جديدة؛ فقررت أن تتعلم القيادة، بل وتشتري سيارة خاصة بها، لتنطلق بها إلى رحلات الطريق. وبين تأجيل وتردد، تقرر في لحظة غير منتظرة، الانطلاق في طريقها الذي تريده، وعدم تأجيل ما تريد فعله مجددا.

"أتطلع إلى التجول ورؤية العالم من حولي، أريد أن أرى إذا يمكن أن ينقضي اليوم بشكل مغاير." تحمل هذه الجملة طموح بطلة الفيلم وتطلعها للسفر، أولا لاكتشاف نفسها وقدراتها، وثانيا لفعل شيء طالما تطلعت لفعله، وللانطلاق في رحلة طويلة تجوب فيها أرجاء الصين.

فيلم العزم على الذهاب عرض على شاشات السينما في الصين في سبتمبر 2024، وعلى المنصات المختلفة في نوفمبر من نفس العام، وتحديدا في منتصف سبتمبر، ووصلت إيرادات الفيلم إلى 124 مليون يوان (الدولار الأمريكي يساوي 7 يوانات تقريبا حاليا). وهو فيلم درامي، مقتبس عن قصة حقيقية، وربما كان هذا سببا قويا وراء نجاح الفيلم.

 يحكي الفيلم قصة سيدة اسمها سو مين، قررت رسم طريقها بنفسها، وتغيير مسار حياتها، والبدء من جديد، رغم صعوبات وتحديات كثيرة قابلتها، وخاصة أنها لم تعد شابة.

أصبحت سو مين من الشخصيات المؤثرة، والمشهورة على صفحات الإنترنت في الصين، تذهب في رحلات طويلة للطريق، وتصور الأماكن المختلفة التي تذهب إليها، وتشارك الفيديوهات القصيرة على صفحتها الخاصة، حتى وصل عدد متابعيها إلى ملايين على التطبيقات الصينية المختلفة. فقد زارت مئات المدن الصينية بسيارتها.

سألتها صحفية في إحدى المقابلات، ما إذا كانت تعرضت لأي انتقادات بعد عرض الفيلم على شاشات السينما، ومعرفة الجمهور لتفاصيل قصتها؟ فقالت، قطعا قد هاجمها البعض واتهموها بالتقصير في بيتها، ولكنها اهتمت لثلاثين عاما ببيتها وربت ابنتها، واعتنت بحفيديها التوأم، حتى صار عمرهما أكثر من ثلاث سنوات، بل وقامت بدورها، كأم وامرأة، ولم تقصر في شيء أبدا، ألا يكون من حقها أن تقضي وقتا من حياتها كما تريد؟ هل يجب دائما أن تحيا مهمشة في حياة الآخرين، وتحقق فقط رغباتهم؟ أليس من حقها أن تملك حيزا خاصا بها؟

الفيلم من إخراج المخرجة الصينية ين لي تشوان، والتي وصفت حكاية سو مين بأنها حكاية تحرك القلوب، بل قالت إن سو مين لم تهرب من شيء، بل على النقيض تماما، فتحت الآفاق أمام احتمالات مختلفة وحياة جديدة، مما جسد تطلعها للحرية وشجاعتها وقوتها، ورغبتها في الحياة. وكذلك قالت أيضا، من زاوية أخرى، إن قصة سو مين حطمت توقعاتها وحكمها المسبقين؛ لأن في البداية، كان من الصعب جدا الربط بين امرأة خمسينية عادية تعمل في "سوبر ماركت"، وبين رحلات الطريق، التي يشغف بها الشباب أو الرجال. وأثناء تلك المرحلة، رأت العديد من القصص المختلفة للنساء، فقالت في قرارة نفسها، إن كل شخص يمكن أن تكون لديه طاقة وقوة بداخله لا حدود لهما.

في البداية اعتقدت المخرجة الشابة ين لي تشوان، أنها بصدد تصوير فيلم من أفلام الطريق؛ لأنه أمر ممتع ورائع. ولكن بعد نقاش مع القائمين على الفيلم، أخذت قصة الفيلم منحنى آخر، وهو التركيز على الدوافع التي جعلت سو مين تنطلق في الطريق، وكيف أقدمت على الخطوة.

الاسم الدولي للفيلم هو ((Like A Rolling Stone)). وقد حصل الفيلم ومخرجته وممثلوه على العديد من الجوائز المختلفة، ومدة عرضه 106 دقائق، كما أنه حصل على تقييم جيد على منصات الأفلام المختلفة في الصين. ولكن في تقديري، بغض النظر على الجوائز والتقييم، نجح الفيلم في عرض قصة حقيقية لسيدة عادية، ولكن بإصرارها ودأبها تحولت إلى شخصية مرموقة، وذلك عندما أدركت أن تغيير واقع المرء يعتمد قبل كل شيء، على إرادته ورغبته. وفي النهاية، كل الخطى ستصل حيثما يريدها المرء أن تصل.

--

مي عاشور، كاتبة ومترجمة من مصر.

 

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4