ثقافة وفن < الرئيسية

الصينيون والعرب يرسمون العالم بفن الخط

: مشاركة
2026-03-20 17:23:00 الصين اليوم:Source تشي يوي:Author

في مارس عام 2023، طرح الرئيس شي جين بينغ، خلال اجتماع الحوار الرفيع المستوى بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب السياسية العالمية، مبادرة الحضارة العالمية، التي تدعو إلى إجراء حوار عميق قائم على المساواة والاحترام المتبادل بين مختلف الحضارات. في هذا الإطار، يقدم كل من الخط الصيني والخط العربي منظورا فريدا لفهم الاستفادة المتبادلة بين الحضارات، فعلى الرغم من انتمائهما إلى نظامي لغة وكتابة مختلفين، فإنهما يحولان الخط إلى تطبيق روحي يتجاوز الزمان والمكان. عندما نستعرض التاريخ، نجد أصداء معنوية مشتركة بين فن الخط الصيني وفن الخط العربي.

في القرن الرابع الميلادي، اندمج فن الخط في الحياة اليومية للأدباء والمثقفين الصينيين. حيث كانوا يتدربون على نماذج من الخط في الصباح، ويتبادلون الرسائل، ويكتبون القصائد. في مشاهد الكتابة هذه، شهد الخط الصيني تحولا معنويا عميقا، إذ ارتقى من مجرد مهارة في الكتابة إلى تجسيد لمبادئ التناغم بين الإنسان والطبيعة ووسيلة للتهذيب الذاتي. ففي اليوم الثالث من الشهر الثالث وفقا للتقويم القمري الصيني، من العام التاسع لعهد يونغخه لأسرة جين الشرقية (عام 353)، اجتمع الخطاط الكبير وانغ شي تشي مع أكثر من أربعين مثقفا في لانتينغ بمحافظة شانين في ولاية كوايجي، وارتجل في لحظة صفاء وطرب ((مقدمة لانتينغ))؛ العمل الذي يعرف بأنه "أفضل خط رشيق في العالم"، حيث يحافظ على أسلوب حر طليق، وتتناغم آثار الحبر الناتجة عن الحك والكشط مع الخطوط السلسة، فتبدو كالسحب المتهاوية والماء المنساب. وفي هذا العمل، ظهر المقطع الصيني "تشي ()" عشرين مرة بأشكال مختلفة، مما يكشف عن مشاعر الكاتب بشكل طبيعي. وحد وانغ شي تشي بين المشاعر الارتجالية ومحتويات الكتابة وأشكالها بشكل كامل، حتى بلغ بفن الخط ذروة جمالية وروحية.

بالنسبة إلى وانغ شي تشي، فإن كل لمسة بين فرشاة الكتابة والحبر والورق ليست كتابة فقط، بل أسلوب حياة الصينيين القدامى. في رأي المثقفين الصينيين، ممارسة فن الخط هي تهذيب للنفس، إذ ينبغي لمن يمسك الفرشاة أن يكون مستقيما، هادئا، متأملا قبل أن يشرع في الكتابة. إن كل خطوة من فرك الحبر الحجري بالمحبرة إلى استعمال فرشاة الكتابة، ثم إلى تخطيط أشكال المقاطع، تتشكل عملية إبداعية هي في جوهرها حوار بين الجسد والروح والطبيعة. من المعروف أن فلسفة الخط الصيني تنبع أساسا من مفهوم "الخط والرسم من ينبوع واحد". وقد جاء في كتاب ((اللوحات المشهورة عبر العصور)) للمؤرخ الفني والخطاط والرسام الصيني تشانغ يان يوان من أسرة تانغ (618- 907م)، أن "التعبير عن المعاني من خلال الصور ينقسم إلى ثلاثة أنواع، هي: تفسير المبادئ من خلال الصور، ومعرفة المعنى من خلال الصور، وإبراز الشكل من خلال الصور." ويتمتع فن الخط الصيني بوظيفة حمل معاني الكلمات وقيمة تذوق الجمال البصري، الأمر الذي جعل الخطاطين يمنحون مقاطع الكتابة الصينية قوة حيوية بصرية، من خلال ظلال ألوان الحبر وتباعد وتكاثف خطوط مقاطع الكتابة. وبفضل جهود وانغ شي تشي وغيره من كبار الخطاطين، لم يعد الخط الصيني أداة عملية فحسب، وإنما أيضا أصبح حاملا للذة وشغف روحي.

هذا السعي إلى تحويل الحياة اليومية إلى فن، تطور إلى تقليد للمثقفين الصينيين لآلاف السنين. والخط الصيني لم يكن مجرد تسلية تمارس في المكاتب فحسب، وإنما أيضا كان حاضرا في مختلف مظاهر الحياة اليومية، من إهداء أعمال فن الخط عند توديع الأصدقاء، إلى تسجيل ذكريات الرحلات بالخط الصيني، بل وحتى التعبير عن الحزن من خلال سطور الحبر. على سبيل المثال، تم إنجاز كتابة ((كلمة تأبين لابن الأخ جي مينغ)) ليان تشن تشينغ في أسرة تانغ لتقديم التعازي العميقة. في القرن الثامن الميلادي، اندلع تمرد في كل أنحاء البلاد خلال فترة أسرة تانغ، فانبرى ابن عم يان تشن تشينغ وابنه للمقاومة ضد القوات المتمردة، كان يان جي مينغ ابن يان قاو تشينغ، وكان يان قاو تشينغ ابن عم يان تشن تشينغ، وقُتل من عائلة يان أكثر من ثلاثين فردا، وأرسل يان تشن تشينغ مبعوثين للبحث عن رفات يان جي مينغ لاستعادتها. وقد جعل يان تشن تشينغ مقاطع الخط الصيني كأنها تبكي بكاء مرا وصامتا مثل تدفق الدم لتأبين ابن الأخ الذي مات ولم يستسلم وضحى بالحياة من أجل القضية العادلة. يتمتع هذا العمل بعظمة مهيبة وإيقاع عاطفي يشبه الأمواج المتدفقة، ويتجاوز قيود القواعد، ويخترق الحزن والكوارث التي ألمت بالدولة والأمة صفحات الورق، ليصبح عملا مشهورا في تاريخ فن الخط الصيني. بالإضافة إلى هذا العمل، هناك لوحة ((قصيدتان بمناسبة عيد هانشي في هوانغتشو)) للأديب سو شي في فترة أسرة سونغ الشمالية (960- 1127م)، وقد أنجز هذا العمل في أصعب فترة من حياته، حيث أقصي من البلاط بعد أن اتهمه زملاؤه في البلاط بالسخرية من السياسات الجديدة للإمبراطور في مقالاته، فتحول من موهوب مشهور في العاصمة إلى مذنب يغضب الإمبراطور، وتبدلت حياته. في وقت إنجاز هذا العمل، كان قد أمضى ثلاث سنوات في هوانغتشو النائية، بعد إدانته وإقصائه من البلاط. في عيد هانشي لذلك العام، كان الجو غائما ماطرا لمدة أيام، وكان موقد المطبخ باردا ونفدت المؤونة، فأخذ فرشاة الكتابة لإبداع قصيدتين بمناسبة عيد هانشي، للتعبير عن العذاب والوحشة والترفع عن الشؤون الدنيوية والأخلاق العالية في الظروف السياسية غير المؤاتية من خلال الخطوط بأشكال مختلفة، مثل الخطوط العريضة والرفيعة والقصيرة والطويلة والمستقيمة والمتعرجة وظلال الألوان. وقد ظلت ((قصيدتان بمناسبة عيد هانشي في هوانغتشو)) إلى جانب ((مقدمة لانتينغ)) و((كلمة التأبين لابن الأخ جي مينغ)) تعرف معا بـ"أفضل ثلاثة أعمال للخط الرشيق في العالم". وكشفت هذه الأعمال القديمة البارزة جوهر الخط الصيني المتمثل في جعل الخط الصيني فنا يحمل ذاكرة التاريخ والروح البشرية من خلال هيكل المقاطع وشعور الخطاط ومصير العصر.

وبينما كان فن الخط الصيني يتطور إلى فن ناضج، كان فن الخط العربي يشهد مرحلته الذهبية. وقد وضع أبو علي محمد بن علي بن الحسين بن مقلة الأساس النظري لمنظومة الخط العربي القائمة على التناسب الهندسي، فجمع الحروف الكتابية مع فن التشكيل، وابتكر خط النسخ الذي يعد أحد أكثر الخطوط العربية استخداما. ومن بعده جاء أبو الحسن علي بن هلال، المعروف بابن البواب، فتوارث وطور منظومة الخط التي أسسها ابن مقلة، وكرس حياته لدراسة الخط، وتهذيب منظوماته السابقة، وقد نسخ بخط يده القرآن الكريم 64 مرة بمختلف أنواع الخطوط العربية اعتمادا على عزيمته وإيمانه، وقد حمل لقب "قلم الله في أرضه". برغم المسافة الطويلة بين الصين والدول العربية، فإن الخط الصيني والخط العربي يلتقيان في جوهرهما بنقاط مشتركة، مثلا، حكمة التوزيع المتمثلة في "العلاقة الجدلية بين الفراغ الأبيض والخطوط السوداء" في الخط الصيني ومفهوم التصميم المتمثل في "التوازن بين المساحة الإيجابية والمساحة السلبية في الخط العربي؛ وطموح المثقفين الصينيين لـ"شرح المبادئ والتعبير عن الأفكار من خلال الكتابة" وإيمان المسلمين المتمثل في "التقرب إلى الله بنسخ القرآن". إن هذه النقاط الثقافية المشتركة أعمق من الاختلافات السطحية في الخطوط.

اليوم، يتمتع الزوار، على تباين خلفياتهم الثقافية، بأعمال فن الخط في المتحف الوطني الصيني ببكين وفي متحف الفن الإسلامي بالدوحة. ربما لا يفهمون أسلوب الكتابة المتوازية المسجوعة في ((مقدمة لانتينغ)) ولا يفهمون دلالات الكلمات في ((القرآن الكريم))، ولكن يمكنهم أن يشعروا بالقوة الحيوية الكامنة في الخطوط. إن آثار القلم والحبر المرسومة على الورق هي تعبير فريد عن الحضارة التي أنجبتها، كما أنها شاهدة على روح الإنسان. وتتجاوز هذه التجربة البصرية المشتركة اختلاف اللغات، بفضل الاعتراف برؤية تذوق الجمال للجانب الآخر، ربما هي أمتن أساس للحوار العابر للحضارات.

ينساب الخط الصيني والخط العربي بعظمتيهما مثل نبعين صافين على طريق الحرير، ويلتقيان في عمق الحضارتين. ويتجاوز فن الخط اختلاف اللغات والمعتقدات، ويصبح تراثا روحيا مشتركا للبشرية، وسيواصل كتابة فصول جديدة للتفاهم والحوار في لوحة ثقافة العالم في المستقبل.

--

تشي يوي، باحثة متدربة في قاعدة أبحاث التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات الصينية والأجنبية بمعهد بحوث كونفوشيوس في مدينة تشيويفو بمقاطعة شاندونغ.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4