ثقافة وفن < الرئيسية

((رحلة إلى الشمال)).. استكشاف روح الأمة خلال صدى الماضي والحاضر

: مشاركة
2026-05-25 16:04:00 الصين اليوم:Source هناء لي ينغ:Author

لأكثر من ألفي عام، تنساب قناة جينغهانغ (بكين- هانغتشو) الكبرى من الجنوب إلى الشمال في الصين، فقد كانت شريانا للحياة الاقتصادية في الصين القديمة، حاملة ازدهار النقل النهري وحياة الناس وأسفارهم على متن القوارب والسفن. وهي، فوق هذا وذاك، لوحة ثقافية طويلة نقشت عليها ذاكرة الأمة، وتمازجت فيها أفراح وأتراح ولحظات فراق ولقاء في خضم تغيرات العصور. إن العمل الأدبي الممتاز الذي نستعرضه هنا، والمتمحور حول قناة جينغهانغ الكبرى، يسرد حكاية ممتدة لأكثر من مائة عام، ترابطت خلالها مصائر أفراد وتصادم حضارات وتحولات عصور. لقد مزج الكاتب ببراعة بين مياه النهر وحياة عامة الشعب ونهوض وسقوط البلاد في هذا العمل، وقدم سردا مفصلا لحضارة القناة الكبرى وسجل الملحمة التاريخية للصين الحديثة التي تجرعت المحن. ((رحلة إلى الشمال)) ليس مجرد كتاب يشير إلى التنقل المكاني للقوارب والسفن في القناة الكبرى فحسب، وإنما أيضا سِفْر للرحلة المعنوية لتطور الحضارة وسعي الأمة وكدح البشر في طريقهم نحو التنوير.

خلفية الإبداع

وُلد شيوي تسه تشن، مؤلف الكتاب، في عام 1978، وحصل على درجة الماجستير في الأدب الصيني من جامعة بكين، ويشغل حاليا منصب رئيس تحرير مجلة ((الأدب الشعبي)) الصينية. له مجموعة من المؤلفات، منها ((القدس)) و((رحلة إلى الشمال)) و((قطار ليلي)) و((الركض عبر تشونغقوانتسون)) و((إذا سدت الثلوج الكثيفة البوابة)) و((حكايات من ضاحية بكين الغربية)). فاز بجائزة لاو شه للأدب وجائزة ماو دون للأدب وجائزة لو شيون للأدب وجائزة فنغ مو للأدب وجوائز أخرى. وترجمت بعض مؤلفاته إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والعربية، وغيرها من أكثر من عشرين لغة.

تمثل قناة جينغهانغ الكبرى التي يبلغ طولها 1794 كيلومترا، مصدر إلهام رئيسيا للكاتب شيوي تسه تشن، حيث تعد الرمز الأبرز والأكثر تمثيلا في أعماله. في روايته الطويلة ((رحلة إلى الشمال)) الفائزة بجائزة ماو دون للأدب في دورتها العاشرة، اتخذ قناة جينغهانغ الكبرى كالخط الرئيسي لسرد تاريخ العائلات على جانبي القناة الكبرى لأكثر من مائة سنة، ما جعلها تحمل لقب "الأطلس المعنوي للقناة الكبرى".

عندما تحدث عن ارتباطه بالقناة الكبرى، قال السيد شيوي إنه وُلد في قرية صغيرة في محافظة دونغهاي بمقاطعة جيانغسو، وكان هناك نهر صغير يسمى بـ"هوخه" وراء بيته، وهو من أهم الخلفيات التي شكلت حياته اليومية في طفولته. ولاحقا، التحق بجامعة هوايين للمعلمين في مدينة هوايآن بمقاطعة جيانغسو، حيث يمر بالمدينة جزء من القناة الكبرى، بجانب الجامعة، فأصبح شغوفا بالقناة الكبرى. وبعد ذلك، سافر إلى بكين لمواصلة طلب العلم والعمل، حيث تزوج واستقر فيها. وقد قال عن ذلك: "يمكن القول إن القناة الكبرى تنساب في حياتي، وتعد شاهدا على تطور مسيرة حياتي، ولا تنفصل كتاباتي عنها، فهي الموطن الأدبي لي. وبالنسبة إلى القناة الكبرى الحالية، فإن قيمتها تتجاوز كونها ممرا ملاحيا، فهي ترتبط بالسياسة والاقتصاد والثقافة في الصين وبأخلاق الصينيين، فأكتب عن القناة الكبرى سعيا إلى المشاركة في إحياء القناة الكبرى، وعرض المشاهد الحية لها في الماضي والحاضر، لاستكشاف تأثيرات القناة الكبرى على الصين كلها ومغزاها الثقافي خلال آلاف السنين."

خلال الفترة من عام 2014 إلى عام 2018، قرأ شيوي تسه تشن حوالي سبعين كتابا صينيا وأجنبيا حول تاريخ القناة الكبرى في أكثر من مائة سنة، لمعرفة تفاصيل أحوالها، مثل مسارات السفن في مختلف الفترات، وكم كان سعر البيضة في عام 1901 في مختلف الأماكن على ضفاف القناة الكبرى، وكيف يبدأ المراكبي يومه في عام 2014. وقد تجول على ضفاف القناة الكبرى مرة أخرى ليرى ما إذا كان القصب مزدهرا أم ذابلا، وما إذا كان مجرى القناة عريضا أم ضيقا، وهل مياه القناة صافية أم عكرة.

البنية السردية المتمثلة في خطين متوازيين ومتشابكين عبر الزمن

الإبداع الأكثر روعة في هذه الرواية هو بنيتها السردية التي تسير في خطين متوازيين ومتشابكين عبر الزمن، لتشكيل حوار ثنائي الاتجاه بين التاريخ والواقع، أحدهما هو الخط التاريخي لفترة نهاية أسرة تشينغ وبداية فترة جمهورية الصين، والآخر هو خط الواقع المعاصر، حيث يتشابك هذان الخطان ويعكس كل منهما الآخر، مما يوضح مسار صعود وأفول القناة الكبرى في تشابكات الزمان والمكان.

في عام 1901، ولم يكن دخان عدوان الدول الثماني المتحالفة على الصين قد انقشع بعد، وكانت الأسر الإقطاعية تلفظ أنفاسها الأخيرة، ونظام النقل النهري يضمحل، كانت القناة الكبرى القديمة تودع خواتيم فترة ازدهارها. في تلك السنة، كان شاب إيطالي اسمه باولو دي ماركو قد وصل إلى الصين، بعد أن عبر بحارا ومحيطات. هذا الشاب الخبير في القنوات، سافر شمالا على طول القناة الكبرى، برفقة المترجم شيه بينغ ياو الذي يجيد اللغة الإنجليزية، والحمال والطباخ البسيط والصادق شاو تشانغ لاي، بغرض دراسة ظروف البيئة والمجتمع في منطقة جنوبي نهر اليانغتسي والسهول الوسطى. أما خط الواقع المعاصر، فيركز على قصص عائلات شاو وشيه وتشو في فترة ما قبل وما بعد إدراج القناة الكبرى ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو). كان أبناء تلك العائلات يعيشون في عصر سلام، ويشتغلون في مجتمع حديث مزدهر، وارتبطت مصائرهم بالقناة الكبرى، فالتقوا مصادفة للبحث عن سبل جديدة لمعالجة قضايا عائلاتهم بعد ركود النقل المائي، وجمعوا قصص أسلافهم لإعادة الملامح الأصلية للقناة الكبرى وتوارث ثقافتها.

بفضل البنية السردية المكونة من خطين متوازيين ومتشابكين عبر الزمن، خلقت هذه الرواية مجموعة من الشخصيات الحية التي تعيش على ضفاف القناة، وكل منها شاهد على العصر ومسجل للتاريخ. تشبه قراءة هذه الرواية الجلوس على قارب يتأرجح بين الماضي والحاضر، وهذا التأرجح يجعل القراء يشعرون بالعلاقة الغامضة بين التاريخ والواقع، ويمنحهم تجربة قراءة فريدة.

تصادم واندماج الحضارتين الصينية والغربية

يكمن الجوهر المعنوي العميق لهذه الرواية في تصادم واندماج الحضارتين الشرقية والغربية والتأمل الثقافي. في فترة أواخر أسرة تشينغ وبداية فترة جمهورية الصين، اضطرت البلاد إلى فتح أبوابها المغلقة، والتقت الحضارة الشرقية القديمة بالحضارة الغربية الحديثة على طول القناة، فتصادمتا بهدوء مثل انسياب مياه القناة الكبرى. كان وصول باولو دي ماركو رمزا لاندماج الحضارتين، حيث جاء إلى الصين وسار على أرض الصين المنغلقة حاملا الأفكار والثقافة والرؤية الغربية، وناظرا إلى الناس والأشياء من منظور المساواة والتسامح. أما شيه بينغ ياو، بصفته جسرا للتبادل بين الشرق والغرب، فقد كان متضلعا من الثقافة التقليدية الصينية، ومطلعا على الحضارة الغربية الحديثة، فكان يفكر ويكافح باستمرار في مواجهة التباين بين الحضارتين. في الرحلة إلى الشمال على متن قارب، رأى هؤلاء الرفاق أسوار المدن وخنادقها المهدمة وعامة الشعب المساكين وأساليب الإنتاج المتخلفة، كما رأوا التحولات الضئيلة الناجمة عن تدفق الأدوات الغربية والثقافة الأجنبية إلى الصين. ولم تتصادم وتتقاتل الحضارتان بشدة، بل حدث التصادم بشكل لطيف وبطيء وهادئ. لا يثني الكاتب على الحضارة الغربية عمدا، ولا يمتدح الثقافة التقليدية الصينية رياء، بل يصف نقاط ضعف الحضارة القديمة من منظور موضوعي، بينما يحافظ على صلابة الحضارة الصينية ودفئها المميز. تتسع القناة لكافة المياه القادمة من كل جهة، وكذلك تقبل الثقافات المتعددة، فتوقفت الحضارة الأجنبية هنا، وترسخت الحضارة المحلية هناك، فتندمج الحضارتان كل منهما في الأخرى. إن هذا التلاقي والاندماج بين الحضارتين ليس فقط تصويرا حيا لعصر مضى منذ مائة عام، بل أيضا تأمل عميق للمؤلف في تطور الثقافة، ألا وهو: لا يمكن اعتبار حضارة متفوقة على أخرى، ولا يمكن للحضارات أن تواصل نموها وازدهارا إلا من خلال التعايش والتسامح.

تتدفق مياه القناة بهدوء حتى الآن. إن ((رحلة إلى الشمال)) تجعلنا ندرك أن الأنهار لا تتوقف عن التدفق أبدا، وأن توارث الحضارات لا يجمد. إن تلك الأحداث المدفونة تحت المياه المنسابة، واللطف الراسب في مرور الزمان، والصلابة المحفورة في دماء الأمة، ستصاحب المياه في رحلتها إلى الشمال، للتوجه نحو الجبال والبحار، ونحو الأبدية. ومن خلال هذه الرواية، نفهم الماضي ونحترم التاريخ ونمضي نحو الشمس في تيار العصر المتدفق.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4