قلب الطفل مرآة صافية لا تشوبها شائبة، تعكس أصفى ما في النفس البشرية. في كتابه ((حديث قلب الطفل))، كتب المفكر الصيني لي تشي من فترة أسرة مينغ (1368- 1644م): "قلب الطفل هو القلب الأول، الخالي من كل زيف، النقي الصادق." وفي العالم العربي، يتكرر التأكيد على فكرة أن الإنسان يولد على الفطرة النقية الصافية. وهذا ما يشكل مفهوم "الفطرة" في الثقافة الإسلامية. تفصل مسافات شاسعة بين الحضارتين الصينية والعربية، ورغم أن لكل منهما خصائصها الفريدة، فإنهما تتشاركان فهما متماثلا لجوهر الطبيعة الإنسانية، إذ تعد حكايات الطفولة التي توارثتها الأجيال في كليهما، وسيلة حية للتبادل الثقافي، وتبرز بوضوح أن قلوب الأطفال، مع اختلاف الجغرافيا والثقافات، تنبض بإيقاع واحد.
حكمة الأطفال المتحررة من القيود
يتمتع الطفل ببصيرة نافذة تمكّنه من إدراك جوهر الأشياء. في الحكايات الصينية التقليدية، غالبا ما يكون الطفل متحررا من أنماط التفكير الجامدة لدى الكبار، وقادرا على حل المشكلات بأساليب تتسم بالبساطة والنقاء. ومن أمثلة ذلك حكاية "تساو تشونغ يزن فيلا"، من فترة الممالك الثلاث (220- 280م). وفقا للحكاية، أهدى سون تشوان (حاكم مملكة وو الشرقية) فيلا إلى تساو تساو (مؤسس مملكة وي). أراد تساو تساو معرفة وزن الفيل، فسأل وزراءه، فمنهم من اقترح صنع ميزان كبير، ومنهم من رأى أن الفيل يذبح ويقطع حتى يمكن وزنه قطعة قطعة. وعندما رفض تساو تساو الأمرين، تقدم ابنه تساو تشونغ، وكان عمره خمس أو ست سنوات تقريبا، مقترحا وضع الفيل في قارب، وتحديد مستوى الماء بعلامة، ثم استبدال الفيل ببعض قطع الحجارة، مع إضافة قطعة بعد أخرى حتى يصل خط الماء إلى الموضع الذي كان عليه عندما كان الفيل في القارب، وبذلك يكون وزن الحجارة في القارب مساويا لوزن الفيل. وأخيرا، توزن الحجارة على دفعات لمعرفة وزن الفيل. فرح تساو تساو كثيرا، وأمر بتنفيذ ما قاله تساو تشونغ.
وبالمثل، نجد في كتاب ((كليلة ودمنة))، وهو مجموعة قصصية ذائعة الصيت في أرجاء العالم العربي، قصة تبرز ذكاء يتسم ببراءة الأطفال وتظهر انتصار الضعيف على القوي، مجسدة في الوقت ذاته تلك الحكمة الطفولية ذاتها. كان هناك أسد متوحش في الغابة يظلم سائر الحيوانات، ويكرهها على الموافقة بأن تقدم له حيوانا كل يوم ليكون طعاما له. في أحد الأيام، جاء دور أرنب صغير ذكي ليكون الضحية. لم يستسلم الأرنب للموت، بل فكر بهدوء وتصرف بذكاء، فتعمد التأخر في الوصول، ثم ركض نحو الأسد وهو يلهث وقال: "أيها الملك، لقد اعترض طريقي أسد آخر وادعى أنه ملك الغابة." استشاط الأسد غضبا وأراد الذهاب لتحدي ذلك الدخيل، فقاده الأرنب إلى بئر عميقة وأشار إلى فوهتها قائلا: "إنه في الداخل." انحنى الأسد ونظر إلى الأسفل، فرأى أسدا يحدق فيه، فزأر ثم انقض على صورته داخل البئر، ولم يخرج منها أبدا.
تساو تشونغ والأرنب الصغير، أحدهما من كتب التاريخ الصيني والآخر من حكاية عربية، يربط بينهما خيط روحي مشترك؛ فلم يتقيد أي منهما بالخبرة التقليدية أو القواعد السائدة، مثل الاعتقاد بأن "وزن الفيل يتطلب ميزانا" أو أن "الأسد لا يقهر". وبدلا من ذلك، ومن خلال النظر إلى الأمور بعقلية الطفل البريئة والفطرية، تمكنا من إيجاد سبل للخروج من المآزق. وتعد "حكمة الطفل" هذه تحديدا السمة الروحية التي تحظى بتقدير كبير في كل من الحضارتين الصينية والعربية.
الأساس النقي والبسيط لقلب الطفل
لا ينطوي قلب الطفل على الحكمة التي تتيح له تجاوز الأعراف السائدة فحسب، وإنما ينطوي أيضا على طيبة تتسم بالنقاء والبساطة. وتعد قصة "لو جي الذي خبأ حبات البرتقال" والواردة في ((سجلات الممالك الثلاث))، مثالا نموذجيا يعكس بر الطفل بوالديه. عندما كان لو جي في السادسة من عمره، زار يوان شو، وهو قائد عسكري في أواخر فترة أسرة هان الشرقية (25- 220م)، فقدم له بعض حبات من البرتقال. وحين تذكر لو جي مدى حب والدته لهذه الفاكهة، أخفى ثلاث حبات منها في ملابسه عند صدره. وعندما انحنى مودعا، تدحرجت حبات البرتقال؛ فسأله يوان شو مبتسما: "لقد جئت ضيفا، فلماذا تأخذ البرتقال معك؟" فأجاب لو جي: "تحب أمي البرتقال، وأرغب في أن أحمله إليها لتتذوقه." لم تكن هناك عبارات منمقة أو محاولات للإخفاء المتعمد، بل كان تصرفا نابعا من فطرة صادقة ورغبة في ادخار الأفضل للأم. لقد أثر هذا العمل البسيط والنقي، الذي يجسد بر الوالدين، في كل الحاضرين، وأصبح نموذجا كلاسيكيا في الثقافة الصينية التقليدية يعبر عن النقاء والخير الفطري.
يسجل الأدب العربي الكلاسيكي أيضا تلك الرقة الطفولية التي تحترم الحياة وتتعاطف مع الكائنات الحية. فوفقا لما ورد في الأحاديث النبوية، كان هناك صبي يدعى "أبو عمير" يقتني طائرا صغيرا مغردا أحبه كثيرا، وأطلق عليه اسم "النغير"، واتخذه رفيقا عزيزا. غير أن الطائر الصغير نفق ذات يوم، مما أورث أبا عمير حزنا عميقا. وكان النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- كلما رآه يسأله بصوت رقيق: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟" لم يستهن النبي بمشاعر الطفل تجاه ذلك الكائن الصغير، بل شاركه بصدق في الحزن على تلك الحياة الضئيلة، مواسيا إياه ومخففا من وطأة حزنه. وفي ميزان الحكمة العربية، دموع الطفل على طائر صغير توازي في ثقلها أي حزن صادق في هذا العالم.
أخفى لو جي حبات البرتقال، وحزن أبو عمير على الطائر. طفلان، أحدهما قلبه معلق بأمه، والآخر قلبه معلق بكائن حي، وكلاهما يعبر عن أول خيط دافئ من طيبة قلب الطفل. هاتان الحضارتان، ومن دون اتفاق مسبق، تقدسان وتجلان هذه الرقة الطفولية، وهي أقوى دليل على حقيقة أن "الإنسان يُولد بطبيعة خيِّرة".
قوة إبداع صادقة موجهة نحو الخير
لا يقتصر قلب الطفل على البصيرة والشعور، بل يجيد أيضا الإبداع. الحكاية الخرافية الصينية الكلاسيكية "فرشاة ما ليانغ السحرية" تفسر تماما قدرة قلب الطفل على الإبداع. كان ما ليانغ، الطفل اليتيم الطيب القلب، يحب الرسم كثيرا، لكن أسرته كانت فقيرة، فكان يرسم بغصن على الرمل، وبالفحم على الحجارة. وذات ليلة، رأى في منامه عجوزا ذا لحية بيضاء يمد له فرشاة، قائلا: "هذه فرشاة سحرية، أحسن استخدامها." استيقظ ما ليانغ، فوجد فرشاة في يده فعلا، وكل ما رسمه أصبح حقيقيا. فاستخدم الفرشاة ليرسم للفقراء ثيرانا تجر المحاريث وسواقي ماء وأحجار رحى، ليحل مشكلات حياتهم. سمع الإمبراطور الجشع بالأمر، فأراد أخذ الفرشاة ليجمع المال لنفسه، لكنه دفن إلى الأبد في الأمواج التي رسمها. تقول هذه الحكاية: الفرشاة السحرية لا تكون سحرية إلا في يد ما ليانغ، لأن قلبه الطفل النقي غير الأناني والطيب وحده قادر على حمل قوة إبداع الجمال وتغيير الواقع.
وفي الحكاية الشعبية الشهيرة "علاء الدين والمصباح السحري"، التي أدرجت لاحقا ضمن قصص ((ألف ليلة وليلة))، تتجلى قوة قلب الطفل النقي والبعيد كل البعد عن دناءة العالم ومفاسده. لقد تعرض علاء الدين، وهو شاب عرف بطيبة قلبه الفطرية، لخديعة من ساحر تظاهر بأنه عمه، فأقنعه بجلب المصباح من داخل الكهف. وبينما كان علاء الدين محاصرا في باطن الأرض، لامس خاتما عن غير قصد، فاستحضر بذلك ماردا قويا ساعده على العودة إلى دياره. واكتشف علاء الدين لاحقا سر المصباح، فقد كان بمقدور المارد الكامن فيه تحقيق أي أمنية. ومع ذلك، لم يستغل هذه القوة الخارقة لمجرد التسلية أو لقهر الآخرين، بل وظف السحر لبر والدته ومساعدة الضعفاء. وفي نهاية المطاف، وبفضل ما تحلى به من طيبة وشجاعة، تمكن من هزيمة الشر والظفر بالسعادة. إن ما مكن علاء الدين حقا من الانتصار على الساحر الشرير لم يكن قوة المارد اللامحدودة، بل كان طيبة قلبه الراسخة التي لا تتزعزع.
فرشاة سحرية ومصباح سحري، يربط بينهما تواصل يتجاوز المسافات. وتؤكد كلتا القصتين حقيقة بسيطة: كل معجزات العالم وإبداعاته الجميلة تنبع من قلب صادق وطيب.
قلب الطفل هو اللغة الإنسانية المشتركة التي لا تحتاج إلى ترجمة، وهو من أصدق الأسس الروحية التي تعبر عن طبيعة الإنسان. إن هذا القلب النقي الذي يتسم ببراءة الطفولة ليس سمة خاصة بالأطفال فحسب، وإنما أيضا هو الجوهر الروحي الخالد للحضارات العظيمة. ورغم اختلاف الحضارتين الصينية والعربية من حيث الجغرافيا والعادات، فإن كلتيهما تقدسان هذه الروح الطفولية الأصيلة وتحافظان عليها، احتفاء بنقاء الفطرة البشرية وجمالها الأولي. فمنذ أكثر من ألفي عام، مهدت أجراس الإبل ورحلات طريق الحرير القديم قنوات لتبادل السلع وامتزاج الثقافات بين هاتين المنطقتين. وحتى يومنا هذا، تظل حكايات الطفولة المحبوبة التي توارثتها الأجيال في كلتا الثقافتين، الرابط الروحي الأرق والأصدق للتبادل الحضاري. إن حماية قلب الطفل تعني حماية الفطرة البشرية، والمحافظة على جوهر الحضارة، وصون الوطن الروحي المشترك للبشرية جمعاء.
--
تسوي وي فانغ، باحثة مساعدة بمعهد بحوث كونفوشيوس في مدينة تشيويفو بمقاطعة شاندونغ.
