تتبنى الصين مقاربة فريدة للنظام العالمي تقوم على التعددية واحترام السيادة والحوار السلمي، بعيدا عن منطق الهيمنة أو الصراع العسكري. وتسعى من خلال هذه الرؤية إلى تعزيز استقرار النظام الدولي وتمكين الدول النامية، بما فيها الدول العربية، من المشاركة الفاعلة في صناعة القرار العالمي. ويعكس هذا النهج رؤية الصين لعالم أكثر عدلا وتوازنا في توزيع النفوذ. لذلك، يمثل التزام الصين بمبدأ احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، محورا مركزيا في رؤيتها لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب. هذا المبدأ، المترسخ تاريخيا في السياسة الخارجية الصينية، يجد صدى واضحا لدى الدول العربية التي تتمسك بشدة بحقوقها السيادية وترفض التدخلات الخارجية. لذلك، يأتي الخطاب الصيني موجها للجمهور العربي من موقع القرب القيمي، حيث يبرز بكين كقوة دولية تحترم اختيارات الشعوب ومسارات تنميتها، بعيدا عن الإملاءات السياسية التي كثيرا ما ارتبطت بالنظامين الأحادي أو الثنائي القطبية. هذا التلاقي بين الموقفين العربي والصيني يجعل شرقي آسيا مثالا على منطقة تطبق فيها مبادئ السيادة عمليا، من خلال التزام الصين بتسوية الخلافات عبر الحوار والوساطة، وهي رؤية تتناغم مع التطلعات العربية نحو استعادة التوازنات الإقليمية وبناء ترتيبات أمنية ترتكز على قيادة دول الإقليم نفسها وليس على هيمنة قوى خارجية.
تمثل بلدان شرقي آسيا حالة دراسية مهمة لفهم كيفية تشكل نظام عالمي متعدد الأقطاب، فبينما تصعد الصين كقوة رئيسية، تعيد الدول الإقليمية بما فيها اليابان وجمهورية كوريا، بناء أدوارها الأمنية استجابة للتحولات الجيوسياسية. في هذا السياق، تؤكد الصين أن أمن المنطقة يجب أن تقوده دولها، وليس عبر ترتيبات التحالفات العسكرية الممتدة عبر المحيط الهادئ. ويتماشى هذا الطرح مع رؤية الدول العربية التي تسعى إلى بناء منظومات أمن إقليمية تستند إلى الحوار الإقليمي بدلا من الاستقطاب الدولي.
في قلب مقاربة الصين للأمن الإقليمي يأتي موقفها من تايوان، الذي يستند إلى مبدأ راسخ هو وحدة الأراضي الصينية، وهو مبدأ تعترف به الأغلبية الساحقة من دول العالم، بما فيها الدول العربية. إن ربط الصين هذا الموقف بالحوار السلمي يعزز صورتها كقوة تحاول تجنب التصعيد العسكري.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى خروج اليابان التدريجي عن القيود "السلمية" التي فرضها دستورها الصادر عام 1947، والذي حدد دور قوات الدفاع الذاتي في الدفاع داخل الحدود فقط. غير أن طوكيو بدأت، منذ عام 2014، تبني مفهومي "الدفاع الجماعي" و"القدرة على الضربات الوقائية"، في تحول يتجاوز النص الدستوري ويتم بدفع من التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية. من منظور صيني، يمثل هذا تحولا إستراتيجيا خطيرا يعيد عسكرة اليابان من دون توافق دولي أو إقليمي. هذا التحول لا يتوافق مع مقاربة الصين القائمة على العدالة التاريخية، حيث تشير بكين إلى أن اليابان لم تقم بمراجعة كاملة لمسؤولياتها عن الإرث الاستعماري القديم في آسيا. ومن منظور الجانب العربي، تذكر هذه التجربة بأن عسكرة أي قوة كبرى تحت مظلة حليف خارجي، قد تخلق اختلالات إقليمية مشابهة لما تعانيه المنطقة العربية.
تعتمد الصين موقفا ثابتا يقوم على مبدأ "الصين الواحدة"، الذي تعترف به الأمم المتحدة ومعظم دول العالم، بما فيها كل الدول العربية. تعتبر بكين أن مسألة تايوان ليست "نزاعا دوليا" بل شأنا داخليا يتعلق بالوحدة الوطنية، مثل استعادة هونغ كونغ وماكاو إلى الوطن الأم. ترتكز المقاربة الصينية على العدالة السيادية؛ بمعنى أن أي دولة يحق لها المحافظة على وحدة أراضيها من دون تدخل خارجي. بالنسبة للصين، فإن محاولات الولايات المتحدة الأمريكية واليابان "تدويل" المسألة أو تحويلها إلى ورقة ضغط إستراتيجي يمثل خرقا لمبادئ احترام السيادة ويفتح الباب لسابقة خطيرة يمكن أن تطال دولا أخرى، بما فيها الدول العربية التي تعاني من محاولات تجزئة أو تدويل ملفات داخلية. من هنا، يفهم العرب بسهولة حساسية مسألة تايوان لأنهم يواجهون تحديات مشابهة تتعلق بالسلامة الإقليمية.
يمكن رؤية موقف الصين الداعم لوحدة أراضيها في إطار أوسع، يتمثل في دفاع بكين عن وحدة أراضي الدول الأخرى، خاصة شركائها في "الجنوب العالمي"؛ فالصين تعارض التقسيم والمحاصصة الطائفية والمناطق العازلة المفروضة خارجيا، وهو موقف ينسجم مع المصلحة العربية الحيوية في المحافظة على وحدة الدول. تتعامل بكين مع النظام الدولي وفق مبدأ العدالة في احترام السيادة؛ بمعنى أن الدول الصغيرة والمتوسطة يجب أن تعامل بنفس القدر من الاحترام الذي تعامل به القوى الكبرى. هذه المقاربة تمنح الدول العربية شريكا دوليا لا يتورط في فرض نماذج حكم أو شروط سياسية، بل يدعم الاستقرار الإقليمي ووحدة الدولة الوطنية.
تستند السياسة الخارجية الصينية إلى مفهوم "حل النزاعات عبر الحوار الشامل"، الذي يعد أحد ركائز مبادرة "الأمن العالمي" التي طرحتها الصين. تظهر هذه المقاربة في طريقة تعامل الصين مع قضايا شرقي آسيا: دعم الحوار بين الكوريتين ورفض عسكرة بحر الصين الجنوبي. تقدم بكين نفسها كقوة مسؤولة تفضل العدالة التفاوضية على الحسم العسكري، وهو ما اتضح في دورها الناجح في الوساطة بين السعودية وإيران في عام 2023. هذه المقاربة قريبة جدا من التوجهات العربية التي تبحث عن حلول سياسية للصراعات الإقليمية، وتعارض منطق التدخل العسكري الخارجي.
أيضا تقدم الصين تطوير قوتها البحرية كجزء من مسؤوليتها تجاه النظام التجاري العالمي، لا كأداة للهيمنة العسكرية. يمر أكثر من 80% من واردات الطاقة الصينية وقرابة 40% من التجارة العالمية عبر الممرات التي تحيط بشرقي آسيا والمحيط الهندي. ومن ثم، ترى بكين أن بناء قوة بحرية قادرة على حماية طرق الإمداد ليس فقط ضرورة وطنية بل مساهمة في أمن الملاحة الذي تعتمد عليه دول "الجنوب العالمي"، وخاصة الدول العربية المصدرة للطاقة. تتبنى الصين مقاربة قائمة على العدالة في توزيع أعباء الأمن العالمي، بحيث لا تنفرد دولة واحدة (كالولايات المتحدة الأمريكية) بالتحكم في الممرات البحرية. لذا، تشدد بكين على أن وجودها البحري ذو وظيفة دفاعية: مكافحة القرصنة وحماية السفن التجارية ومساندة الإغاثة الإنسانية. وتنسجم هذه الرؤية مع مصالح الدول العربية، التي تعتمد على استقرار طرق الملاحة لضمان تدفق صادرات النفط والغاز.
كما تتبنى الصين في سياستها الخارجية مبدأ جوهريا، يتمثل في تحقيق الأمن عبر الحوار الشامل والتسويات الدبلوماسية بدلا من اللجوء إلى القوة أو منطق التحالفات العسكرية الصلبة. ويقوم هذا التوجه على قناعة راسخة بأن الأزمات الإقليمية لا يمكن حلها عبر المقاربة الصفرية، بل عبر معالجة جذورها الاجتماعية والاقتصادية وتخفيف دوافع الصراع. لذلك، تدفع بكين باستمرار نحو منصات تفاوضية متعددة الأطراف، سواء في شرقي آسيا أو الشرق الأوسط، وتؤكد أن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر "توازن الرعب" بل عبر تعزيز الثقة المتبادلة وبناء آليات إقليمية للحوار. إن هذا النموذج الدبلوماسي يمنح الصين صورة القوة المسؤولة التي تسعى لخفض التصعيد وتحقيق الاستقرار، وهو ما يجد صدى إيجابيا في العالم العربي الذي أنهكته التدخلات العسكرية الخارجية.
لذلك، تطرح الصين من خلال مبادرة "الأمن العالمي" إطارا فكريا ومؤسساتيا، لتطوير مقاربة جديدة للأمن الدولي تقوم على الحوار والتنمية والتعددية واحترام السيادة ورفض عقلية الحرب الباردة. وعلى عكس النماذج الغربية التي ترتكز على الردع العسكري والاصطفاف الإستراتيجي، تقدم المبادرة الصينية تصورا يعيد الأمن إلى جذوره التنموية والبنيوية، معتبرة أن الاستقرار لا ينفصل عن تحسين مستوى التنمية وخلق الفرص الاقتصادية ودعم استقلالية الدول في تقرير مساراتها السياسية. ويتيح هذا النهج فضاء واسعا للتعاون العربي- الصيني في مجالات متعددة، مثل إدارة الأزمات وأمن الطاقة والأمن الغذائي وتمويل البنية التحتية وبناء ترتيبات إقليمية أكثر استدامة. كما تنسجم المبادرة مع تطلعات الدول العربية نحو عالم متعدد الأقطاب يخفف من الضغوط الجيوسياسية ويعطي دول "الجنوب العالمي" وزنا أكبر في صنع القرار الدولي. ومن ثم، تشكل مبادرة "الأمن العالمي" جسرا طبيعيا بين شرقي آسيا والعالم العربي نحو بناء نظام دولي أكثر عدالة وتوازنا في مراكز القوة. وتقدم المبادرة بديلا إستراتيجيا للنماذج الأمنية الغربية التي اعتمدت على الردع العسكري وبناء التحالفات الصلبة، إذ تطرح تصورا يقوم على الحوار والتعددية واحترام السيادة ورفض عقلية الحرب الباردة. ومن خلال هذا الإطار، تعزز الصين مكانتها كقوة دولية تحاول دفع النظام العالمي نحو توازن أكبر في توزيع النفوذ والقرارات، بما يمنح دول "الجنوب العالمي"، ومنها الدول العربية، مجالا أوسع لصياغة أمنها الإقليمي بعيدا عن الاستقطابات الجيوسياسية التقليدية، وهكذا، يصبح التعاون العربي- الصيني جزءا من تحول عالمي أوسع يعيد تعريف أمن القرن الحادي والعشرين بوصفه أمنا تنمويا وشاملا، لا مجرد أمن عسكري.
تؤكد المقاربة الصينية أن بناء نظام دولي متعدد الأقطاب ليس مجرد مشروع نظري، بل اتجاه تاريخي ناشئ يستند إلى مبادئ العدالة في توزيع القوة واحترام السيادة وتمكين الدول من تقرير مصيرها من دون تدخل خارجي. وينسجم هذا الاتجاه بصورة عميقة مع أولويات العالم العربي الذي يسعى إلى تعزيز استقلال قراره الوطني وتوسيع تعاون الجنوب- الجنوب، والمطالبة بإصلاح هياكل الحوكمة الدولية بما يعكس الوزن الديموغرافي والاقتصادي للدول النامية. ويقدم التعاون العربي- الصيني في مجالات الطاقة والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي، نموذجا لشراكة تنموية غير مشروطة سياسيا، تستجيب لاحتياجات التحول الاقتصادي العربي وتوفر بديلا واقعيا للأنماط التقليدية للمساعدات الغربية. وفي هذا السياق، تظهر الصين كشريك موثوق يبني علاقاته على التنمية المتبادلة بدلا من الإملاءات السياسية، الأمر الذي يمنح الدول العربية فرصة لتعزيز قدراتها الذاتية ومكانتها ضمن نظام عالمي آخذ في التشكل.
في ضوء التحولات الجيوسياسية في شرقي آسيا، يظهر بوضوح أن الموقف الصيني القائم على العدالة واحترام السيادة والحوار المتعدد الأطراف، يمثل نموذجا مختلفا عن مقاربات القوة التقليدية، إذ يرفض الاحتكام إلى الصراع العسكري أو الهيمنة الأحادية. هذا التوجه لا يقتصر على حماية المصالح الصينية فحسب، وإنما أيضا يسعى إلى تعزيز نظام دولي أكثر توازنا وتعددية في مراكز القوة، يتيح لدول "الجنوب العالمي"، بما فيها الدول العربية، مساحة أكبر لصياغة أمنها الوطني والمشاركة الفاعلة في صناعة القرار الدولي.
ويبرز التعاون العربي- الصيني كأداة عملية لتحقيق هذا الهدف، من خلال مجالات التنمية المشتركة وأمن الطاقة والحوكمة الاقتصادية، بما يعزز استقلالية الدول ويتيح فرصا متوازنة لشراكات الجنوب- الجنوب. ومن هذا المنظور، يساهم النهج الصيني في مواجهة سياسات الإقصاء والهيمنة ويمهد الطريق نحو عالم متعدد الأقطاب، حيث تلعب الدول النامية، ولا سيما الدول العربية، دورا أكثر فاعلية في صياغة الأمن والاستقرار الدولي، بما يعكس مصالحها التنموية والسياسية ويحقق العدالة في توزيع النفوذ العالمي. وفي الختام، يحظى مبدأ "الصين الواحدة" باحترام كبير من الدول العربية، التي تتبنى بدورها مبدأ احترام السيادة ووحدة الأراضي. ويعكس هذا الاحترام توافقا في الرؤى بين الصين والدول العربية بشأن ضرورة حل النزاعات داخليا ودبلوماسيا، من دون تدخل خارجي، ما يعزز الثقة المتبادلة ويمهد الطريق لشراكات إستراتيجية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
--
أ.د. رنا محمد عبد العال مزيد، أستاذة العلوم السياسية بالجامعة البريطانية في مصر.
