كلنا شرق < الرئيسية

"الحزام والطريق" في عيون المصريين.. حلول الصين في مبادرة القرن

: مشاركة
2025-12-18 09:18:00 الصين اليوم:Source تشانغ منغ فان:Author

في السادس من نوفمبر 2025، ناقش الصالون الثقافي "الصين في عيون المصريين" كتاب ((الحزام والطريق.. مبادرة القرن الصينية)) في ندوته الشهرية التي تعقد بالمركز الثقافي الصيني في القاهرة، حيث قدم الخبراء المشاركون من الأوساط الأكاديمية والثقافية المصرية تحليلا معمقا لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية.

مبادرة "الحزام والطريق" ورؤية التنمية العالمية

كتاب ((الحزام والطريق.. مبادرة القرن الصينية))، الصادر عن مؤسسة دار الهلال المصرية، يقدم للقارئ رؤية شاملة لأكبر مبادرة تنموية في تاريخ البشرية أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ في سبتمبر 2013.

قال الكاتب الروائي أحمد محمود، مدير إدارة التخطيط بمؤسسة دار الهلال والمشرف العام على الكتاب، إن الكتاب يستعرض ملامح هذه المبادرة التي أصبحت الركيزة الأساسية للسياسة الخارجية الصينية، والقائمة على التعاون والشراكة والمستقبل المشترك بين الشعوب، من خلال تعزيز الروابط التجارية والاقتصادية والاستثمارية بين الدول المشاركة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية. وأضاف أن المبادرة تعتمد على تطوير بنية تحتية عملاقة تشمل الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمطارات والمدن الجديدة والخطوط الملاحية، بما يحقق طفرة اقتصادية واسعة للدول المنضمة. وأكد أن هذه المشروعات تسهم في زيادة الدخل المحلي الإجمالي وخلق فرص عمل وزيادة حجم الاستثمارات، مما يدفع معدل النمو للاقتراب من 9% لدى بعض الدول، وينعكس مباشرة على تحسين المستويات الاقتصادية والاجتماعية.

وأشار أحمد محمود إلى أن من أهداف المبادرة نقل 6ر7 ملايين فرد من حالة الفقر المدقع إلى مستوى معيشي مقبول؛ وكذلك نقل 32 مليون شخص من مستوى اجتماعي متدن إلى توفير كل سبل الحياة الاجتماعية المستقرة الآمنة. وهذا يدل أن المبادرة تحمل بين جنبات تنفيذها القيم الإنسانية والأهداف التنموية التي تدعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للدول والمجتمعات.

وأوضح أن بعض الدول الكبرى تزعم أن هذه المبادرة من أجل زيادة النفوذ السياسي الصيني على الخريطة الدولية وتدويل وانتشار عملة الصين على مستوى العالم، وانتشار الثقافة الصينية بين الدول المشاركة في بناء "الحزام والطريق" وزيادة النفوذ الصيني على هذه الدول. وكان الرد بحجم المشروعات التي تم تنفيذها، وأن الدول انضمت إلى هذه المبادرة من دون ضغوط أو ممارسات غير مقبولة، كما أن أهداف المبادرة هي تعزيز التعاون والبناء والتجارة والاستثمار لتحقيق المنافع المشتركة، وأن المستقبل هو مصير مشترك من أجل الاستقرار والتنمية.

حتى الآن تم تنفيذ ثلاثة آلاف مشروع على مستوى الدول المشاركة في بناء "الحزام والطريق" بحجم إنفاق واستثمار يبلغ ثلاثة تريليونات دولار أمريكي. وقد انضمت 22 دولة عربية وجامعة الدول العربية إلى البناء المشترك لـ"الحزام والطريق"، مما عزز العلاقات الصينية- العربية، خاصة بعد قمة الرياض بين الصين والدول العربية وخطاب الرئيس الصيني شي جين بينغ في مقر جامعة الدول العربية الذي أعطى وضعا جديدا للعلاقات الصينية- العربية في مجالات التجارة والاستثمار والأوضاع السياسية بين الصين والدول العربية.

ارتفع حجم التجارة بين الصين والدول العربية إلى 431 مليار دولار أمريكي، وفقا لإحصائيات عام 2022. ووصل حجم الاستثمار الصيني في البلاد العربية إلى 29 مليار دولار أمريكي في عام 2022 ووصل إلى قرابة 35 مليار دولار أمريكي في عام 2024. أما عن حجم الاستثمارات العربية في الصين فقد وصل إلى 21 مليار دولار أمريكي. لا توضح هذه الأرقام مدى اتساع وعمق المبادرة فحسب، وإنما أيضا تكشف عن شبكة التعاون العالمي المتوسعة باستمرار التي تقف وراءها.

مبادرة "الحزام والطريق" ومجتمع المستقبل المشترك للبشرية

في العاشر من أكتوبر 2023، أصدر مكتب الإعلام لمجلس الدولة الصيني "الكتاب الأبيض" بعنوان ((البناء المشترك لمبادرة "الحزام والطريق".. ممارسة كبرى لبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية))، وأشار الكتاب الأبيض إلى أن الصين طرحت مفهوم بناء "مجتمع المستقبل المشترك للبشرية"، وتسعى إلى بناء عالم نظيف وجميل يسوده السلام الدائم والأمن الشامل والرخاء المشترك والانفتاح والتسامح.

وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة غادة جابر، العضوة في الجمعية العربية للعلوم السياسية، أن هذه المبادئ تمثل جوهر السياسة التي تلتزم بها الصين وتسعى إلى ممارستها على الصعيد العالمي. وأوضحت أن مصر تتفق مع الصين في الأهداف الأساسية، وعلى رأسها السعي إلى التنمية والسلام، مشيرة إلى أن التجربة الصينية جديرة بأن تستفيد منها مصر والعديد من الدول العربية، وأن كل دولة تبحث عن تنمية حقيقية وسلام دائم ينبغي لها أن تتعلم من التجربة الصينية.

وأضافت أن مفهوم "مجتمع المستقبل المشترك للبشرية" الذي طرحته الصين يقوم على مبدأ التعاون بدلا من المواجهة، والتنمية بدلا من الصراع، ويقدم للعالم نموذجا فكريا جديدا في التعامل الدولي. وأشارت إلى أن الدول المشاركة في بناء "الحزام والطريق" حققت فوائد ملموسة، وخاصة في تطوير منظومات الخدمات اللوجستية ومشروعات البنية التحتية الكبرى، مما ساهم في ترسيخ نتائج المبادرة على أرض الواقع داخل تلك الدول. ومن ثم، فإن هذه المبادرة تمثل نموذجا للتعاون القائم على "المنفعة المتبادلة بنسبة مائة في المائة" بين الصين والدول الواقعة على امتدادها. وفي الوقت الحاضر، تغطي المبادرة قرابة 70% من مناطق العالم، وتمس حياة نحو 40% من سكانه.

وشددت كذلك على أن مبادرة "الحزام والطريق" ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل هي أيضا مشروع حضاري يهدف إلى مد جسور التواصل بين الدول ذات الثقافات والأديان والأنظمة الاجتماعية المتنوعة، ويساعد على إزالة سوء الفهم وتعزيز الثقة المتبادلة، وتهيئة بيئة عالمية مواتية للتنمية المشتركة. وأوضحت أن الصين، بوصفها دولة ذات حضارة عريقة، تولي في علاقاتها الخارجية اهتماما إنسانيا خاصا. وانطلاقا من هذا الإرث الحضاري العميق، تضع الصين الإنسان في قلب عملية التنمية، وتركز على تنمية الأفراد وتعزيز التفاعل الثقافي بين مختلف الشعوب.

ومنذ تولي الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مهام منصبيهما، توصل الجانبان إلى توافقات مهمة شملت مختلف المجالات، وعمل الطرفان بشكل مستمر على دفع مسيرة التنمية الشاملة وترسيخ السلام والتعاون الثنائي. وبصورة عامة، تعد مبادرة "الحزام والطريق" مبادرة قوية وذات تأثير بعيد المدى، وهي مبادرة عريقة في جذورها الحضارية، تجعل من التبادل الثقافي هدفا رئيسيا، وتسلك درب التنمية وسيلة لتحقيقه، لا طريق القوة أو الإكراه. وهي تسعى إلى تعزيز الحوار بين الحضارات وتكريس ثقافة التفاهم والتعلم المتبادل بين شعوب العالم.

مبادرة "الحزام والطريق" وتخطيط الصين الدبلوماسي الدولي

يشهد العالم اليوم تغيرات لم يشهد لها مثيل منذ قرن، حيث يشهد النظام الدولي عملية إعادة تشكيل عميقة، كما يشهد نظام الحوكمة العالمية تحولات جذرية، في وقت تشهد فيه موازين القوى الدولية تغيرات تعد الأكثر ثورية منذ العصر الحديث.

وفي هذا السياق، أشارت الدكتورة هبة جمال الدين، رئيسة قسم دراسات المستقبل بمعهد التخطيط القومي في مصر، إلى أن النموذج الصيني يختلف جذريا عن النمط الغربي القائم على التحالفات العسكرية والصراعات الجيوسياسية؛ إذ تضع الصين التنمية الاقتصادية في مرتبة الأولوية، وتسعى إلى تحقيق الاستقرار عبر تحسين مستوى معيشة الشعوب، وتستبدل منطق الصراع الصفري بمنطق الشراكة والمنفعة المتبادلة. وترى أن مفاهيم مثل "مجتمع المستقبل المشترك للبشرية" و"دبلوماسية التنمية" و"دبلوماسية التعاطف" و"التعاون المربح للجميع" تمثل نموذجا أكثر اعتدالا وقبولا لدى شعوب المنطقة والعالم، كما أنها لا تفرض شروطا سياسية مسبقة، الأمر الذي يعزز جاذبيتها الدولية.

وأضافت أن النظام الدولي الحالي يشهد تغيرات بنيوية، وأن الأمم المتحدة ومجلس الأمن يواجهان تحديات هيكلية عميقة. وفي ظل هذه المعطيات، تعمل الصين على بناء آليات موازية تسهم في إعادة تشكيل الحوكمة العالمية، من بينها آلية مجموعة "بريكس" والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية ومراكز الفكر الصينية التي بات لها تأثير ملموس في ما يعرف بمجال "الدبلوماسية غير الرسمية". وأكدت أن السياسة الخارجية الصينية ترتكز على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة الوطنية، مشددة على أن الصين لا تسعى إلى توسيع نفوذها عبر تصدير الأيديولوجيا، بل من خلال مشروعات التنمية وإنجازات البناء والتعاون القائم على المصالح المشتركة، وهو ما عزز الثقة الدولية في الدور الصيني.

وعلى الصعيد الثقافي، ترى الدكتورة هبة جمال الدين أن معاهد كونفوشيوس المنتشرة في مختلف دول العالم تعد من الركائز الأساسية للقوة الناعمة الصينية، فقد لعبت دورا محوريا في تعزيز التبادل الثقافي بين الصين وبقية العالم، وأسهمت في إعادة صياغة صورة الصين دوليا؛ أولا، تصحيح الصور النمطية ونظريات "التهديد الصيني" التي روجت لها بعض الدوائر الغربية؛ ثانيا، إبراز صورة الصين كدولة كبرى مسؤولة تسعى إلى السلام والتنمية؛ ثالثا، بناء شراكات طويلة الأمد من خلال برامج المنح الدراسية ونقل التكنولوجيا والتعاون الأكاديمي. كما أشارت إلى أن الاستثمارات الصينية الكبيرة في مجال المنح الدراسية العلمية والهندسية، أسهمت في تعزيز قدرات الدول النامية وبناء كوادرها البشرية.

مبادرة "الحزام والطريق" هي مبادرة تنموية وليست إستراتيجية هيمنة؛ وهي مفتوحة أمام جميع دول العالم الراغبة في المشاركة فيها؛ كما أنها مشروع اقتصادي، وليس أداة عسكرية أو وسيلة للنفوذ الجيوسياسي. والمبادرة لا تمثل مجرد آلية للتعاون الإقليمي، بل أداة رئيسية لمشاركة الصين في إصلاح نظام الحوكمة العالمية، وتقديم تصور عملي لبناء نظام دولي أكثر عدالة وتوازنا يجسد "الحكمة الصينية" في العلاقات الدولية.

التحولات الجارية في النظام الدولي باتت غير قابلة للعودة إلى الوراء، وتتسارع إعادة تشكيل النظام الدولي. قالت الدكتورة هبة جمال الدين، إن مجموعة "بريكس" ستواصل توسيع نفوذها الدولي، وبالنسبة إلى المنطقة العربية، صعود الصين بات حقيقة لا يمكن تجاهلها، وعدم الانخراط في التعاون معها يعني الوقوف خارج مسار التاريخ، حيث إن من يرفض التعاون مع الصين اليوم، إنما يضع نفسه خارج سياق التحولات الكبرى في النظام الدولي.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4