إن قراءة في سلوك القوة العظمى حين تستدعي في سلوكها أنماطا من مظاهر الهيمنة والغطرسة الغابرة، تبدو وكأنها نوع من التناسخ الإمبريالي، الذي هو نوع من محاكاة تصور تناسخ الأرواح، فتتصرف تلك القوى بروح الإمبراطوريات الاستعمارية لما قبل القانون، حيث الإرادة المجردة تعلو على الشرعية، والقوة تتقدم على الإنسان، الأمر الذي عبرت عنه كثيرا خطابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته في أكثر من مناسبة.
ولا يتبدى التناسخ الإمبريالي في الخطاب السياسي الأمريكي فحسب، وإنما أيضا يتجسد بوضوح في الممارسة الفعلية حين تعيد إدارة ترامب إنتاج منطق السيطرة ذاته الذي حكم الإمبراطوريات الاستعمارية لما قبل القانون وجوهره القائم على فرض الإرادة بالقوة، وتهميش الشرعية، وتطويع القانون ليصبح أداة بيدها لا قيدا عليها. وبهذا المعنى، لا تبدو الولايات المتحدة الأمريكية في لحظات بعينها دولة حديثة خاضعة لقواعد النظام الدولي، بقدر ما تبدو وريثة مباشرة لإمبراطوريات استعمارية كانت ترى نفسها فوق المساءلة وفوق الإنسان؛ مستحضرة من ذاكرة العصور القديمة نزعة الفرض القسري، وغير عابئة بقواعد النظام الدولي ولا بمقتضيات الكرامة الإنسانية.
وتمثل واقعة اعتقال الرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو"، صورة مكثفة لغطرسة إمبريالية تتقمص روحا قديمة في جسد معاصر؛ لكنها ليست بحال الصورة الوحيدة لتلك الغطرسة ومساعي التناسخ الإمبريالي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، فقد سبق لها أن تعاملت مع رؤساء دول باعتبارهم أهدافا مشروعة، لا ممثلين لسيادة وطنية، في سلوك يعيد إلى الذاكرة منطق الغزو والإخضاع. من أمثلة ذلك ما جرى مع "مانويل نورييغا" عام 1989، حين قامت القوات الأمريكية بغزو "بنما" واختطاف رئيسها ونقله إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمحاكمته، في سابقة جسدت استخفافا صارخا بمبدأ سيادة الدول، وكرست فكرة أن القوة العسكرية يمكنها أن تحل محل القانون الدولي متى تعارض مع مصالح واشنطن.
ولا يقتصر الأمر على الاختطاف المباشر، بل يمتد إلى هندسة الانقلابات والتخلص من الزعماء بوسائل ملتوية. ففي "غواتيمالا" عام 1954، أطاحت الولايات المتحدة الأمريكية بحكومة "جاكوبو أربينز" المنتخبة ديمقراطيا، بذريعة حماية المصالح الأمريكية ومواجهة الشيوعية، في تدخل سافر أسس لعقود من عدم الاستقرار. وفي "تشيلي"، انتهى حكم "سلفادور أليندي" عام 1973 بانقلاب دموي جاء في سياق دعم أمريكي واضح، ما عكس استعداد واشنطن للتخلي عن كل شعارات الديمقراطية حين تتعارض مع حسابات الهيمنة.
هذه الأمثلة، وغيرها كثير، تكشف أن ما يسمى اليوم بالنظام الدولي القائم على القواعد كثيرا ما يتم تجاوزه عندما تقرر القوة الإمبريالية أن تستعيد روحها القديمة. فالقانون هنا لا يكون إطارا ناظما للسلوك، بل أداة انتقائية تستخدم ضد الخصوم ويتم تجاهلها عند الاقتضاء. في هذا السياق، يبدو اعتقال رئيس فنزويلا، حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تؤكد أن التناسخ الإمبريالي ليس استعارة بل واقعا متكررا، تتقمص فيه الولايات المتحدة الأمريكية روح إمبراطوريات استعمارية غابرة، وتعيد إنتاج منطقها في ثوب معاصر، دون اعتبار فعلي للشرعية الدولية أو لكرامة الشعوب.
ويمتد هذا المعنى ليقارب مفهوم الهيمنة الاستعمارية الجديدة، حيث يعاد إنتاج السيطرة لا عبر الاحتلال المباشر، بل من خلال أدوات قانونية وأمنية وانتقائية. فاستحضار الذاكرة العربية والأفريقية يعيد إلى الواجهة جراح الاستعمار الغربي، من اتفاقيات برلين التي قسمت أفريقيا، إلى سايكس- بيكو التي جزأت المشرق العربي، وصولا إلى محاولات التدخل في الشؤون الداخلية تحت مسميات الإصلاح والديمقراطية كما جرى في الربيع العربي. هنا يغدو اعتقال قائد منتخب، والسعي إلى عزله بالقوة، امتدادا لنمط واحد يعيد تشكيل الخرائط السياسية وفق مصالح القوة المهيمنة، لا وفق إرادة الشعوب.
ولا يمكن لمراقب أن يفصل هذا السلوك عن معادلات أمن الطاقة، إذ كثيرا ما توظف واشنطن شعارات مكافحة تهريب المخدرات والجريمة العابرة للحدود كستار لتكريس النفوذ على موارد إستراتيجية، وفي مقدمتها النفط الفنزويلي. فالتحكم في منابع الطاقة هدف رئيسي للولايات المتحدة الأمريكية على اختلاف إداراتها، وهو أمر لا شك حال حدوثه واستتبابه، سينعكس مباشرة على أسعار الطاقة العالمية، وسيقوض قدرة تحالفات المنتجين، مثل "أوبك+"، على إدارة السوق، بما يضر بمصالح الدول العربية المنتجة، ويجعلها أكثر عرضة لتقلبات مفروضة من الخارج، لا لحسابات العرض والطلب الفعلية.
وعلى صعيد الأمن الاقليمي، فإن مثل هذا النهج "الغاشم" يمثل خرقا واضحا للأعراف والقوانين الدولية، ويفتح الباب أمام مسارات عدة يجمعها زعزعة الاستقرار. فالسوابق حين تعمم قد تشعل مناطق أخرى، في مقدمتها الشرق الأوسط، لا سيما إذا ما جرى استنساخ السلوك ذاته تجاه دولة مثل إيران، بما لها من توجهات عقيدية ونفوذ إقليمي، مما يجعلها تظل قادرة على التأثير في حسابات الأمن الاقليمي، خصوصا حين يتحول الصراع إلى معادلة صفرية، بقاء أو فناء، الأمر الذي ينذر بانفجارات واسعة لا يمكن التحكم في مساراتها.
في ضوء ما سبق، يبرز دور الصين ودول "الجنوب العالمي" كصمام أمان محتمل لكبح اندفاعة التناسخ الإمبريالي وإعادة شبح الهيمنة إلى القمقم. فالصين، بما تمثله من ركيزة للاستقرار، وبما تلتزم به من احترام القانون الدولي وسيادة الدول، تلتقي مع الموقف العربي في رفض التدخلات وإدانة الهيمنة. ويعزز هذا الالتقاء، ما تضمنته وثائق التوافق الصيني- العربي من تأكيد على سيادة الدول والتعاون المتكافئ، ولا سيما في مجال الطاقة، حيث يشكل التكافؤ حجر الزاوية.
فالصين، بخلاف القوى الغربية التقليدية، لا تقدم نفسها وريثة لإمبراطوريات الهيمنة الاستعمارية العابرة للقارات، بل فاعلا دوليا يعلن التزامه بمبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو ما يمنحها قدرا معتبرا من المصداقية في نظر دول "الجنوب العالمي" التي عانت تاريخيا من الاستعمار المباشر وغير المباشر. هذا الالتزام لا يظهر فقط في الخطاب السياسي، بل أيضا في السلوك العملي داخل المؤسسات الدولية، حيث دأبت الصين على التأكيد على دور الأمم المتحدة ومرجعية القانون الدولي، في مواجهة محاولات فرض الأمر الواقع بالقوة أو تسييس العدالة الدولية.
وفي هذا الإطار، تصبح الصين سندا لدول "الجنوب العالمي"، من خلال توفير بدائل إستراتيجية تقلل من ارتهان هذه الدول للهيمنة الغربية. فمبادرات مثل "الحزام والطريق"، والتوسع في الشراكات الاقتصادية والتمويل التنموي دون شروط سياسية، تعكس تصورا مختلفا للعلاقات الدولية، يقوم على المصالح المتبادلة لا على الوصاية. ويشكل هذا النهج بالنسبة للدول العربية والأفريقية، ودول "الجنوب العالمي" بصفة عامة، فرصة لإعادة بناء هامش الحركة الإستراتيجية، بعيدا عن الضغوط المرتبطة بالاصطفافات القسرية أو الابتزاز السياسي تحت شعارات الديمقراطية وحقوق الانسان.
ويكتسب التوافق الصيني- العربي أهمية خاصة في هذا السياق، إذ لا يقتصر على التعاون الاقتصادي، بل يشمل تأكيدا متكررا في الوثائق المشتركة على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض نماذج خارجية للحكم. ويتجلى هذا التوافق أيضا في مجال الطاقة، حيث تؤكد الصين على مبدأ التعاون المتكافئ والأمن المشترك للطاقة، في مقابل محاولات الاحتكار والتسييس التي تمارسها قوى أخرى. فالتعامل الصيني مع النفط والغاز العربيين يقوم على الشراكة الطويلة الأجل، لا على استخدام الطاقة كسلاح ضغط أو أداة ابتزاز.
ومن ثم، لا يقتصر دور الصين على كونه دعما دبلوماسيا أو اقتصاديا، بل يتجاوز ذلك ليشكل رافعة رمزية وسياسية لدول "الجنوب العالمي" في سعيها لإعادة النظام الدولي إلى توازن يمنع عودة الأرواح الإمبريالية المتناسخة. فكلما تعزز التعاون بين الصين والدول العربية والأفريقية، واتسعت دوائر التنسيق جنوبا- جنوبا، تراجعت قدرة أي قوة على الانفراد بفرض إرادتها، وتضاءلت فرص إعادة إنتاج الهيمنة في ثوب جديد. وبهذا المعنى، فإن الصين، بالنسبة لدول "الجنوب العالمي"، ومنها الدول العربية، لا تمثل بحال إحلالا لإمبراطورية استعمارية بأخرى كما هو الحال في الخبرة الغربية والواقع الأمريكي المعاصر، بل شريكا يمكنه المساهمة في كبح منطق التناسخ ذاته، وإعادة شبح الإمبريالية إلى القمقم قبل أن يستقر ويترسخ واقعا مألوفا في جسد العصر مرة أخرى.
--
أ.د. محمد عاشور مهدي، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي بكلية الدراسات الأفريقية العليا في جامعة القاهرة.
