
بعد انتهاء الندوة الإلكترونية مع خريجي معهد التعاون والتنمية بين بلدان الجنوب بجامعة بكين، خلعت سماعات الأذن، ووقعت عيني بلا وعي على صورة التخرج الصفراء على مكتبي. أظهرت الصورة أنني ملتفة بالحجاب ومرتدية زي الدكتوراه، مع ابتسامة خجولة ترتسم على شفتي. أصبعي يمر فوق باغودة بويا على ضفاف بحيرة ويمينغ في جامعة بكين في الصورة، في حالة من الغموض، صدى صوت القراءة الصباحية في حديقة يانيوان، وصوت المناظرات في الفصول الدراسية، وصوت تقليب الكتب في المكتبة ليلا، كلها تدفقت عبر خيوط الذاكرة.
لم أعد أتذكر بالتحديد ما كان في ذهني عندما تقدمت للالتحاق بجامعة بكين، كل ما أتذكره أنني كنت في ذلك الوقت مليئة بعدم الرضا والحيرة. لكن عند النظر إلى الوراء الآن، فإن تجربة الدراسة في الصين قد أعادت كتابة مسار حياتي تماما، فالفتاة المصرية التي كانت تمسك بعروض الأسعار في اجتماع توريد في باريس وتتردد في الكلام، أصبحت الآن قادرة على الوقوف في المنتديات الدولية للتحدث عن تنمية وطنها؛ الباحثة في الاقتصاد التي كانت حائرة بشأن أزمات الصناعة في مصر، أصبحت الآن ممارسة تدفع نحو التغيير المحلي.
الفتاة المصرية التي لا تقبل بالهزيمة تبحث عن الاتجاه في الضياع
ولدت في القاهرة، وعندما كنت في العاشرة من عمري شاهدت على التلفزيون الدبلوماسيين وهم يلقون خطاباتهم السخية لصالح بلادهم في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فغرس في قلبي حلم أن أصبح دبلوماسية. من أجل هذا الهدف، تدربت بجد على اللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، وكنت أتطلع بحماسة لدخول كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، فهي مهد الدبلوماسيين في مصر. لكنني، بطبعي العصبي، أخفقت بشكل غير متوقع في امتحانات التخرج في المدرسة الثانوية وفشلت في الاقتراب من الحلم.
دون خيار آخر، التحقت بقسم اللغة الفرنسية وآدابها في جامعة حلوان لدراسة اللغة الفرنسية كتخصص رئيسي وإدارة الأعمال كتخصص فرعي. طوال أربع سنوات من دراستي الجامعية، حافظت دائما على المرتبة الأولى في الصف، وكانت توقعاتي كبيرة للبقاء في الجامعة للتدريس والغوص في البحث الأكاديمي، لكن القدر وجه لي ضربة قوية أخرى، لم أتمكن من الحصول على وظيفة مساعدة تدريس.
بعد ذلك، عملت كمعلمة للغة الفرنسية، وفي الوقت نفسه كنت أدرس للحصول على درجة الماجستير في الأدب المقارن، وفي النهاية اخترت الانضمام إلى شركة بروكتر آند غامبل، لأصبح أخصائية مشتريات أولى للناطقين بالفرنسية. وقد استمر هذا العمل لمدة ثماني سنوات. أنا في أحلامي أجوب ساحات العلاقات الدولية، لكن على أرض الواقع كنت أتنقل بين موردي المواد الخام للسلع اليومية ومخازن البضائع وسلسلة اللوجستيات.
خلال ثماني سنوات في بروكتر آند غامبل، لم أشعر بالرضا عن مسار حياتي المهنية، وإنما شعرت بضرورة تغيير وضع مصر في التجارة الدولية. مصر هي واحدة من أكبر مناطق إنتاج القطن الطويل التيلة في العالم، ولكن بسبب نقص التوسع الكبير في الزراعة وارتفاع تكاليف سلسلة التوريد وضعف القدرة على المعالجة المتقدمة، لا يمكننا سوى تصدير القطن الخام العالي الجودة بأسعار منخفضة، ثم استيراد المنتجات نصف المصنعة والمصنعة بأسعار تزيد على عشرة أضعاف؛ نحن نمتلك قناة السويس كقوة لوجستية عالمية المستوى، ولكننا نلعب فقط دور "محطة الترانزيت"، حيث تمر السفن ذهابا وإيابا من دون أن تبقى في أي مرحلة ذات قيمة مضافة عالية؛ لوحات البردي والنقوش النحاسية والسجاد اليدوي، وهذه الحرف اليدوية المميزة التي تحمل تراثا ثقافيا يمتد لآلاف السنين، لا تزال محصورة في السوق المحلية، ويصعب عليها التوجه إلى العالم.
هذا الشعور بعدم الرضا أصبح أقوى عاطفة في تلك الفترة من حياتي. استغللت فترات الراحة في العمل للدراسة بشكل جنوني، وحصلت على درجة الماجستير في سياسات التجارة الدولية في جامعة أجو بجمهورية كوريا، وشهادة في الإدارة العامة من المعهد العالي الفرنسي للعلوم التطبيقية (فرع مصر)، بل وأكملت دراسة الدكتوراه في الأدب المقارن الفرنسي في جامعة حلوان المصرية. لكن كلما درست أكثر شعرت بمزيد من الحيرة، فهذه المعرفة تبدو غير قادرة على حل المشكلات الأساسية للصناعة المصرية.
لم يحدث شيء حتى أُتيحت لي الفرصة للانضمام إلى وزارة التجارة والصناعة المصرية كباحثة في التجارة الدولية، وعرفت أنه يمكنني التقديم لبرنامج الدكتوراه في معهد التعاون والتنمية بين بلدان الجنوب بجامعة بكين، فبدأ الضباب في قلبي يتلاشى تدريجيا. هذا المعهد، الذي يتجذر في الممارسة التنموية الصينية ويركز على التعاون بين بلدان الجنوب، كان كضوء جعلني أرى الأمل: إذا استطعت فهم الصين؛ هذا البلد الذي له تاريخ طويل مثل مصر ولكنه أصبح خلال أربعين سنة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فقد يُستوحى المستقبل التنموي لمصر من ذلك.
فهم الصين من خلال الممارسة وفك الشيفرة الجوهرية للتنمية
في عام 2018، وطأت قدماي أرض بكين، ودخلت حديقة يانيوان كطالبة دكتوراه في معهد التعاون والتنمية بين بلدان الجنوب بجامعة بكين. في الأيام الأولى لي في بكين، كانت التحديات تتوالى: شعور بعدم الارتياح الناتج عن الفروق الثقافية وحواجز اللغة في التواصل اليومي، وسرعة وتيرة الحياة الأكاديمية، كلها جعلتني أعاني من الأرق والتقلب.
لكن الدفء الذي يمنحه المعهد، دائما ما يبدد حيرتي في الوقت المناسب. الطلاب من البلدان النامية حول العالم يجلسون حول بحيرة ويمينغ ويتحدثون عن صعوبات بلدانهم، من تنفيذ السياسات غير الفعالة إلى قيود الموارد المرهقة، وبينما نتحدث، أصبحنا رفقاء في المعركة. طلاب الصين يدعونني لتناول جياوتسي (كرات من العجين محشوة باللحم والخضراوات تسلق في الماء)، ويعلمونني كيف أتذوق جياوتسي مع الخل؛ وعمة في متجر صغير تبتسم وتعطيني قطعة من حلوى الفاكهة؛ وأساتذة يردون على رسائلي الإلكترونية في وقت متأخر من الليل، بصبر يساعدونني على ترتيب أفكار ورقتي البحثية. في حديقة يانيوان، هناك من يرسم تحت باغودة بويا، وهناك من يقرأ بجانب بحيرة ويمينغ، وانصهار التقليدي بالحديث يجعلني أجد سلاما وسط انشغالي بالدراسة.
الدراسة في المعهد لم تكن يوما مجرد حديث على الورق. جعلتني مادة الاقتصاد الهيكلي الجديد أدرك أن تطور الصين لم يكن أبدا معجزة لا يمكن تقليدها، بل هو نتيجة الاعتماد على الموارد والقدرات المتاحة، ومضي الخطوات تدريجيا وبثبات. وكانت الأبحاث الميدانية المتكررة هي ما جعلني حقا أشعر بنبض التنمية في الصين.
ذات مرة، دخلت قرية شياوقانغ في مقاطعة آنهوي، حيث نقطة البداية للإصلاحات الريفية في الصين. في عام 1978، خاطر 18 فلاحا واضعين بصماتهم في الحبر الأحمر، ووقعوا عقدا لتقسيم الأرض الزراعية العامة إلى قطع أسرية، مما دفع القوة الإنتاجية إلى الأمام. تعلمت من طريقتهم، وضغطت بأصبعي في الحبر الأحمر، وصنعت بصمة يدي. تعليق فلاح مسن: "لم نجرؤ على المغامرة إلا عندما كنا نجوع"، فجأة تذكرت مزارعي القطن في مصر الذين يملكون قطنا عالي الجودة لكنهم لا يجنون منه المال، وفهمت فجأة: جوهر الإصلاح يكمن في إطلاق حيوية المستويات القاعدية.
زرت منطقة شانغهاي للتجارة الحرة، وعندما لاحظت أن الشركات يمكنها إتمام الإجراءات في نصف ساعة فقط، مما ذكرني بالنظام البيروقراطي، فكتبت في دفتري: دور الحكومة يجب أن يكون خلق الفرص وتمكين. في منطقة هانغتشو للتكنولوجيا العالية، فهمت التسامح مع فشل الابتكار، فهذه هي التربة التي يمكن أن تنمو وتزدهر عليها شركات مثل "علي بابا". في سوق السلع الصغيرة في مدينة إيوو، رأيت الأعمال الصغيرة التي بدأت من أكشاك الشوارع، تنمو لتصبح تجمعات صناعية مكثفة المعرفة، وفهمت أن "الصناعة الصغيرة" يمكن أن تتحول إلى "مناخ كبير". في مدينة شنتشن، أذهلتني ممارسات شركتا هواوي وتنسنت في الابتكار العلمي والتقني، ولكن ما أثار إعجابي أكثر هو رياض الأطفال داخل المناطق الصناعية، فجوهر التنمية دائما هو الإنسان.
في تلك الأيام، كنت أنا وزملائي نفكك التجربة الصينية ونجادل حول ما يمكن تكييفه مع بلداننا، وفي النهاية توصلنا إلى توافق: تنمية الصين هي مخطط قابل للتعديل وليس نموذجا ينسخ ويلصق. طلب الحقيقة من الواقع، واتخاذ القرارات بناء على الأدلة، والتعاون القائم على الكسب المشترك، هذا هو الجوهر الأكثر قيمة.
العودة إلى مصر وجعل تجربة الصين تتجذر
عدت إلى مصر حاملة شهادة الدكتوراه، وأصبحت أطروحتي للدكتوراه، وهي ((دراسة تطوير التجمعات الصناعية))، النموذج الجوهري لإنشاء المناطق الصناعية في مصر.
التحدي الأول بعد العودة إلى الوطن كان الشك. قال البعض إن "نموذج مناطق التجارة الحرة الصينية لا يناسب ساحل السويس في مصر"، وقال البعض الآخر إن "تجربة السلع الصغيرة في إيوو لن تنجح في مصر". كل ما فعلته هو عرض بيانات البحث على الطاولة، وتحليل التجربة الصينية، وتعديلها لتتناسب مع الواقع المصري: الاستفادة من ميزة القطن الطويل التيلة لبناء مصانع للمعالجة العميقة للنسيج والاستفادة من سهولة النقل عبر قناة السويس لإنشاء منطقة صناعية للطاقة الشمسية ودمج نهج الحكومة في تمكين السوق ضمن الإصلاحات الإدارية في مصر.
تمر الأيام يوما بعد يوم، وتبدأ النتائج في الظهور تدريجيا. في المصنع المشترك للمعالجة العميقة للنسيج بين الصين ومصر، لم يعد القطن المصري الطويل التيلة يصدر فقط كمواد خام إلى العالم، بل يتم نقل القماش العالي القيمة المضافة المنسوج منه عبر قناة السويس إلى الصين ثم يُباع في أنحاء العالم؛ في المنطقة الصناعية للطاقة الكهروضوئية، يعمل المهندسون الصينيون والمصريون جنبا إلى جنب لضبط المعدات، وتعرض على لوحة التحكم نفسها معلمات الإشعاع الشمسي باللغة العربية والتسميات التقنية باللغة الصينية. تجاوز عدد العاملين في المنطقة الصناعية عشرين ألف شخص، وأصبح المزيد ولم يعد المزيد والمزيد من الشباب المصريين بحاجة إلى مغادرة مدنهم الأصلية للعمل في أوروبا.
لقد حققت أيضا حلمي الثاني، وهو أن أصبح أستاذة مشاركة في الاقتصاد الكلي بالجامعة الفرنسية في مصر. لقد نقلت أساليب التدريس التفاعلي التي تعلمتها في الصين إلى منصة الجامعة، وأروي قصص إصلاح قرية شياوقانغ ومنطق السوق في إيوو باللغة الفرنسية، لأتيح للطلاب فهم الاقتصاد الكلي من خلال التجربة العملية، بدلا من حفظ النظريات عن ظهر قلب.
بصفتي عضوا في مؤسسة روتاري، قدت مبادرة لتمكين المرأة في القطاع الصناعي بمصر. مستوحى من رياض الأطفال بالمناطق الصناعية في شنتشن، قمنا ببناء مرافق رعاية الأطفال في المناطق الصناعية المصرية لتوفير التدريب المهني للنساء. بحلول عام 2025، حصل أكثر من خمسة آلاف امرأة مصرية على فرص عمل خارج منازلهن.
لقد خضت أيضا تجربة الانخراط على المسرح الدولي، حيث قدمت أوراقا بحثية في مؤتمرات الشبكة العالمية للتنمية في بون بألمانيا ومدينة كليرمون- فيران في فرنسا، بينما كنت أيسر التعاون الدولي للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم المصرية في مؤتمر الاستثمار المصري- الأوروبي. وعندما زار البروفيسور فو جيون، عميد أكاديمي لمعهد التعاون والتنمية بين بلدان الجنوب بجامعة بكين، مصر في عام 2024، أجرينا في القاهرة مناقشات حول التعاون بين بلدان الجنوب. وبعد الاجتماع، ابتسم لي وقال: "لقد أصبحت أكثر ثقة مما كنت عليه أثناء تواجدك في جامعة بكين. هذه الثقة الجديدة جعلتك تتألقين حقا."
في تلك اللحظة، أدركت فجأة أن تجربتي الأكاديمية في الصين لم تمنحني المعرفة فحسب، بل منحتني أيضا الثقة لأتجذر في الممارسة العملية. هذه الثقة أتاحت لي تدريجيا بأن أصبح الشخص الذي أردت أن أكون من خلال ممارستي على ضفاف نهر النيل.
سبعون عاما من التعاون الصيني- الأفريقي
في نهاية عام 2025، صادفت رسالة في مجموعة خريجي معهد التعاون والتنمية بين بلدان الجنوب بجامعة بكين على ويتشات: بمناسبة الذكرى السنوية السبعين للتعاون بين الصين وأفريقيا، ستقوم هيئة تدريس المعهد بجولة أخرى في أفريقيا لمشاهدة النتائج الملموسة للتعاون بين بلدان الجنوب في قارة أفريقيا.
في اللحظة التي تلقيت فيها الرسالة، كنت واقفة أمام الخريطة الجديدة لمخطط المنطقة الصناعية لقناة السويس، وزاوية فمي ترتفع تلقائيا. فورا تركت رسالة في المجموعة، مكتوبة باللغتين الصينية والإنجليزية، أعبر فيها عن توقعاتي: أتمنى أن يأتي الأساتذة إلى مصر، وأن يأتوا لرؤية ضفاف نهر النيل.
أريد أن آخذهم إلى المنطقة الصناعية للطاقة الشمسية الكهروضوئية في السويس لرؤية تلك الألواح الشمسية المنقوشة بالخط العربي والمعجزات الإنتاجية التي تم تحقيقها من خلال الجهود المشتركة للمهندسين الصينيين والمصريين. أريد أن أرشدهم إلى مصانع معالجة النسيج حيث يمكنهم لمس الأقمشة الخام الممتازة المنسوجة من القطن المصري الطويل التيلة، موضحة كيف أن القطن المصري قد حقق أخيرا تعزيز القيمة؛ وأريد زيارة مركز رعاية الأطفال في المنطقة الصناعية لرؤية ابتسامات الأطفال البريئة وبريق عيون النساء اللواتي وجدن عملا.
أود أن أصنع إبريقا من الشاي المصري الحلو مع المعلمين، مستعرضة المخطط التفصيلي للتطوير الصناعي في مصر لمناقشة الفرص الحالية: السوق الأفريقية تتوسع، ومزايا لوجستيات قناة السويس تستمر في التوسع، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم في مصر تستيقظ تدريجيا. وسنتطرق أيضا إلى التحديات الحالية: كيفية تحسين الخدمات الداعمة للتجمعات الصناعية بشكل أكبر، وكيفية مساعدة المزيد من المشروعات الصغيرة والمتوسطة المحلية على الاستفادة من التعاون بين الصين ومصر، وكيفية توسيع فوائد تمكين المرأة لتصل إلى المزيد من المدن المصرية.
أتمنى أن أبرز لأعضاء هيئة التدريس في المعهد أن بذرة "طلب الحقيقة من الواقع والتكيف مع الظروف المحلية"، التي زُرعت في جامعة بكين قبل سنوات، قد أزهرت الآن وصارت وفرة من الزهور على طول نهر النيل.
الطريق أمامنا طويل، وخطواتنا لا تتوقف أبدا. في طريق التعاون بين بلدان الجنوب، نمضي قدما يدا بيد. هذه الصداقة والحكمة التي تتجاوز الجبال والبحار ستمكن في نهاية المطاف المزيد من الدول النامية من جني ثمارها وأملها على أراضيها الخاصة.
--
نانسي أحمد عبد الغني، طالبة دكتوراه لدفعة عام 2021 في معهد التعاون والتنمية بين بلدان الجنوب بجامعة بكين.
