كلنا شرق < الرئيسية

من "الحزام والطريق" إلى "صفر رسوم جمركية".. مرحلة اقتصادية بلا حواجز بين الصين وأفريقيا

: مشاركة
2026-05-25 15:55:00 الصين اليوم:Source أمينة محمد أحمد:Author

في خطوة لافتة تعكس تحولا نوعيا في فلسفة الانخراط الصيني مع القارة الأفريقية، وتتجاوز البعد التجاري المباشر، منحت الصين إعفاء كاملا من الرسوم الجمركية على وارداتها من ثلاث وخمسين دولة أفريقية تربطها بها علاقات دبلوماسية، وذلك اعتبارا من الأول من مايو، وهو الإجراء الذي جاء بعد ترتيب سابق في ديسمبر 2024 حيث كان الإعفاء يقتصر على ثلاث وثلاثين دولة من الأقل نموا، ليضم اليوم عشرين دولة إضافية من بينها جنوب أفريقيا ونيجيريا ومصر.

تعكس هذه الخطوة سياسة تنموية واضحة تجاه الشعوب الأفريقية، فهذا الإعفاء لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الأوسع في أدوات السياسة الخارجية الصينية، ولا عن إعادة توجيه أولويات مبادرة "الحزام والطريق"، التي انتقلت تدريجيا من التركيز على مشروعات البنية التحتية الضخمة إلى دعم مشروعات أصغر حجما وأكثر ارتباطا بالاقتصاد المحلي للدول الشريكة، لكنها تظل ذات أثر مباشر وملموس على حياة المواطنين.

على مدار عقد من الزمان، ارتبط الحضور الصيني في أفريقيا بمشروعات بنية تحتية ضخمة تشمل الطرق والموانئ والسكك الحديدية ومحطات الطاقة، في إطار مبادرة "الحزام والطريق". غير أن بكين تعيد اليوم تموضعها، فلم يعد التركيز منصبا على الخرسانة والحديد فحسب، بل أصبح يشمل أيضا ما يحرك الأسواق المحلية بشكل مباشر.

إعفاء الصادرات الأفريقية من الرسوم الجمركية يندرج ضمن هذا التوجه، إذ يفتح الباب أمام المنتجات الزراعية والصناعية الأفريقية لدخول السوق الصينية الضخمة من دون عوائق، مما يمنح الشركات الصغيرة والمتوسطة والمزارعين والمصنعين المحليين فرصة غير مسبوقة للتوسع والنمو. وقد ظهرت أولى الإشارات العملية لهذا التوجه بدخول شحنة تفاح من جنوب أفريقيا إلى مدينة شنتشن الصينية، في إطار السياسة الجديدة.

لعل أحد أهم الأبعاد في هذا القرار هو المعادلة الجديدة التي تتضمن استيراد مدخلات إنتاج صينية منخفضة التكلفة، وتصنيع محلي داخل أفريقيا، ثم التصدير إلى الصين من دون رسوم جمركية، بما يسهم في حل إحدى أهم المشكلات التي تواجه التصنيع الأفريقي، المتمثلة في ارتفاع التكلفة وضعف النفاذ إلى الأسواق، فقد أصبح بإمكان منتجات مثل الكاكاو من ساحل العاج وغانا، والقهوة والأفوكادو من كينيا، الدخول إلى أكبر سوق استهلاكية في العالم من دون حواجز بعد أن كانت تواجه رسوما جمركية بين 8% و30%.

لا يمكن فصل إعلان الصين عن إعفاء صادرات ثلاث وخمسين دولة أفريقية من الرسوم الجمركية عن المسار الذي دشنته بكين منذ إطلاق مبادرة "الحزام والطريق"، فالمبادرة التي بدأت بتمويل الطرق والموانئ ومحطات الطاقة عبر القارة، تبدو اليوم وكأنها تنتقل إلى مرحلة أكثر ارتباطا بالاقتصاد اليومي للدول الأفريقية، من خلال تحريك السلع وتمكين المنتجين وفتح الأسواق.

خلال العقد الماضي، ركزت الصين على بناء "الشرايين" التي تربط الاقتصادات الأفريقية ببعضها البعض وبالعالم. أما قرار "صفر رسوم جمركية" فيستهدف "الدم" الذي يجري في هذه الشرايين، وهو المنتجات الزراعية والصناعية الأفريقية التي تحتاج إلى أسواق واسعة لتتحول من إنتاج محلي محدود إلى نشاط تصديري قادر على خلق قيمة مضافة وفرص عمل.

يعد الإعفاء من الرسوم الجمركية امتدادا طبيعيا لفلسفة "الحزام والطريق"، لكن باستخدام أداة مختلفة. فبعد أن أسهمت الصين في تمويل البنية التحتية الصلبة، تنتقل الآن إلى دعم البنية الاقتصادية الناعمة والتجارة وسلاسل التوريد والتصنيع المحلي.

لا ترى بكين تطبيق "صفر رسوم جمركية" على منتجات الدول الأفريقية مجاملة تجارية، بل استثمارا في شراكة إستراتيجية طويلة الأجل، وفق بيانات الهيئة العامة للجمارك الصينية، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا مستوى قياسيا بلغ 348 مليار دولار أمريكي في عام 2025، مع واردات صينية من القارة بقيمة 123 مليار دولار أمريكي، بزيادة سنوية بلغت نسبتها 4ر5%.

يقدم القرار منهجا واضحا مفاده أن السياسة الاقتصادية الصينية في أفريقيا ترتبط ارتباطا وثيقا بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية ورفض فرض الإملاءات أو الشروط على الحكومات، مع اعتماد خطاب يقوم على الاحترام المتبادل والندية مع الدول الأفريقية. وفي المقابل، تحرص الصين على أن تبقى مصالحها مؤمنة، وأن تظل الشراكات القائمة قادرة على تمكينها من الاستفادة من الموارد بتكلفة مالية محدودة.

ترسخ الصين موقعها اليوم كأكبر شريك تجاري لأفريقيا، لكن الدلالة الأعمق لا تكمن في الأرقام بقدر ما تكمن في الرسالة السياسية المصاحبة لهذه الشراكة، فالإجراءات الأخيرة لا تقدم في الخطاب الصيني باعتبارها ترتيبات اقتصادية فحسب، بل بوصفها "التزاما سياسيا" يعكس احترام سيادة الدول الأفريقية ودعم مسارات تنميتها المستقلة من دون شروط.

الرسالة الأبرز التي تسعى الصين إلى تثبيتها هي أنها "شريك" لا "وصي"، فهي لا تربط تجارتها أو تعاونها بملفات الحوكمة أو حقوق الإنسان، ولا تُحمل العلاقات الاقتصادية أعباء سياسية كما فعلت القوى الغربية، ولكن تقدم نفسها كعضو في "الجنوب العالمي"، يتقاسم مع الدول الأفريقية خبرة التنمية ومواجهة التحديات البنيوية ذاتها.

لا تبدو العلاقة الصينية- الأفريقية امتدادا لنمط استعماري قديم يقوم على استغلال الموارد وربط الاقتصاد بالنفوذ السياسي، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقات الدولية خارج ثنائية "المركز والتابع". فالصين تخاطب أفريقيا من موقع الشريك الذي يسعى إلى النمو والاستقرار والازدهار المشترك، لا من موقع الموجه أو المتحكم.

ويظهر هذا التوجه بوضوح في خطاب الرئيس شي جين بينغ حول "اللاءات الخمس" التي تحكم علاقة الصين مع أفريقيا، وهي: لا تدخل في جهود الدول الأفريقية لاستكشاف الطرق التنموية التي تتناسب مع ظروفها الوطنية، لا تدخل في الشؤون الداخلية لها، لا فرض لإرادة الصين عليها، لا شروط سياسية على المساعدات لها، لا سعي لمكاسب أنانية. وبهذا الطرح، تتطور أفريقيا في الرؤية الصينية من "شريك تعاون" إلى رفيق على المستوى الإستراتيجي، ومن مشارك في التنمية المشتركة إلى جزء من "مجتمع المستقبل المشترك" في مسار "الجنوب العالمي".

ويتزامن هذا القرار مع مرور سبعين عاما على العلاقات الدبلوماسية الصينية- الأفريقية، ليكون نقطة تحول جديدة في مسار علاقات الصين مع أفريقيا، ويأتي امتدادا عمليا لرؤية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة موقع الصين داخل منظومة "الجنوب العالمي"، وتحديدا علاقتها بأفريقيا بوصفها شريكا إستراتيجيا لا تابعا اقتصاديا.

تقوم السياسة الصينية تجاه أفريقيا على قاعدة مؤسسية واضحة، عبر عنها الرئيس شي جين بينغ حين أكد أن بلاده تولي أهمية لتنمية العلاقات الودية مع جميع الدول الأفريقية، بغض النظر عن حجمها أو قوتها أو ثروتها. وفي هذا الإطار، يطرح الرئيس شي رؤية ترى أن أفريقيا ملك لشعوبها، وأن قراراتها التنموية يجب أن تنبع من داخلها من دون وصاية خارجية.

هذا الإطار السياسي والفكري يفسر كيف تبلورت الخطوة الأخيرة المتعلقة بإلغاء الرسوم الجمركية. فالإجراء لا يمكن قراءته بمعزل عن سعي الصين إلى ترسيخ سردية مختلفة لدورها الدولي، تقوم على أنها ليست قوة عظمى تقليدية، بل دولة نامية صاعدة تسعى إلى مرافقة شركائها في مسار التنمية، لا توجيههم أو فرض مسارات عليهم. وفي مقابل النهج الغربي الذي يربط بين المساعدات التنموية والاعتبارات السياسية والأمنية، تقدم الصين نموذجا يركز على التكامل الاقتصادي والتبادل التجاري من دون شروط سياسية.

هذا التوجه يرتبط برؤية أوسع يدعو فيها الرئيس شي جين بينغ إلى أن تقف الصين وأفريقيا معا في مواجهة النزعات الحمائية والأحادية القطبية، مع التمسك بنظام تجاري متعدد الأطراف أكثر توازنا، كما يولي اهتماما خاصا ببناء القدرات الأفريقية.

يكتسب قرار إعفاء الصادرات الأفريقية من الرسوم الجمركية دلالة أعمق، إذ يعكس انتقال الصين من دور الممول للمشروعات الكبرى إلى دور المحفز المباشر للتجارة والتصنيع المحلي في القارة، ومن قوة صاعدة إلى شريك يسير جنبا إلى جنب مع دول "الجنوب العالمي" في طريق التنمية المشتركة.

لا يبدو القرار مجرد تسهيل تجاري، بل حلقة جديدة في مشروع أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين الصين وأفريقيا، في سلسلة بدأت بالبنية التحتية وتستمر اليوم بتمكين المنتجات الأفريقية من الوصول إلى واحدة من أكبر الأسواق في العالم. إنه انتقال مدروس من تمويل الطريق إلى ضمان حركة التجارة فوقه.

--

 

أمينة محمد أحمد، صحفية في موقع ((صدى البلد))، مصر.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4